مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

القرصنة في أعالي البحار وبين أمواج الكمبيوتر

أمير نبيل / 14-11-2000

Image
القرصان.. ذلك الرجل المغامر الذي يركب البحر؛ انتظارًا لتلك السفن المحملة بالبضائع حتى يسطو عليها، ويسرق ما بها، ويقتل من يقف في طريقه لتحقيق ذلك. ذلك هو الشكل الكلاسيكي للقرصان البحري بزيه المميز؛ غطاء رأسه الذي يَشتهر به منذ أقدم العصور.

تُرى هل ما زال هناك مثل هؤلاء القراصنة؟ الإجابة : نعم، ولكنّ هناك نوعًا آخر أكثر شراسة من القراصنة الذين قد يفتكون بثروات الدول دون أن يطلقوا رصاصة واحدة، ودون أن يريقوا قطرة دم، بل ودون أن يقوموا من مقامهم، هؤلاء هم القراصنة الجدد.. قراصنة الكمبيوتر.

وإذا كان قرصان البحر من دواعي قلق التجار أمس، الذين كانت سفنهم تتعرض في الماضي إما للغرق وإما لمخاطر القراصنة؛ فإن قراصنة البحار ما زالوا –على أية حال- من أسباب أرق الكثير من الدول، خاصة في منطقة جنوب شرق آسيا ذات السواحل البحرية الممتدة، وعلى الطريقة الحديثة بدأت الدول هناك تتعاون من أجل مواجهة ذلك الخطر القديم والمستمر حتى الآن.

تاريخ القرصنة

إذا أردنا أن نلقي نظرة سريعة على تطور تاريخ القرصنة البحرية نجد أنه يرجع هذا التاريخ إلى أكثر من ثلاثة آلاف سنة. هكذا ترجح بعض الروايات، ويبدو أن كلمة قرصان قد استخدمت في عام 140 قبل الميلاد من جانب المؤرخ الروماني بوليبيوس، أما المؤرخ اليوناني بلوتارك فقد ذكرها في حوالي عام مائة بعد الميلاد؛ ليعبر به عن أقدم تعريف واضح للقرصنة؛ فقد وصف القراصنة بأنهم أولئك الأشخاص الذين يهاجمون بدون سلطة قانونية ليس فقط السفن ولكن المدن الساحلية أيضًا.

ولقد وصفت القرصنة لأول مرة في عدد من الأعمال الأدبية القديمة، ومن بينها الإلياذة والأوديسة اللتان كتبهما الشاعر اليوناني القديم.

وعلى مدار أعوام طويلة لم يكن هناك تعريف خالٍ من الغموض للقرصنة، ولم يعتبر غزاة الشمال في القرنين التاسع والحادي عشر الميلاديين من القراصنة، ولكنهم كانوا يسمون الفايكنج.

كما انتشر في العصور الوسطى في إنجلترا معنى آخر للقرصنة هو أنهم من لصوص البحر، وظهر تعريف كلمة قرصان المعاصرة في القرن الثامن عشر الميلادي، وهو تعريف وصف القراصنة بأنهم أشخاص خارجون عن القانون.

وتمتلئ قصص القراصنة بالكثير من الطرائف؛ ففي إحدى الحوادث، اختطف القراصنة ابنة أنطونيو نفسه، وطلبوا فدية لإعادتها، وبالفعل قبضوا الفدية وأعادوا الفتاة. كان قيصر أيضًا قد أسر من جانب قوات القراصنة قرب جزيرة فارماكوزا، بعد وقت قصير من فراره من جنود سولا في عام 75 قبل الميلاد، وبعد الإفراج عنه عقب احتجازه شهرًا ونصف الشهر، اتخذ قيصر سفنًا من ميناء موليتوس، وأسر القراصنة. قال المؤرخ بلوتارك: "إن قيصر أمر بدافع من الرحمة بذبحهم قبل الصلب".

وخلال القرنين السابع عشر والثامن عشر بلغت القرصنة ذروتها، وبنهاية القرن السابع عشر ومع نمو القوة المركزية القوية في اليابان في ظل التكوجاوا شوجونيت (1603-ـ 1867)، وفي الصين في ظل حكم أسرة شمى يانج تم القضاء على معظم القراصنة.

كذلك زاد حجم السفن التجارية، كما تطورت تكنولوجيا الاتصالات ودوريات الحراسة البحرية في معظم الطرق الرئيسية على المحيط، وقويت الإدارة المنظمة لمعظم الجزر والمناطق البرية في العالم، والاعتراف العام من جانب الحكومة بالقرصنة؛ باعتباره اعتداء أدى إلى إحداث تراجع كبير في حجم القرصنة في القرن التاسع عشر والعشرين، وقد حدثت القرصنة - على أية حال - في القرن العشرين في أماكن تقليدية مثل بحر الصين الجنوبي، كما أن عمليات اختطاف السفن أو الطائرات قد تطورت لتأخذ شكلاً جديدًا من أشكال القرصنة.

وفي العصر الحديث تتردد الأنباء بين الحين والآخر عن وقوع حوادث قرصنة. على سبيل المثال؛ ما دار حول تعرض زوجين بريطانيين - رجل وامرأة معًا - للهجوم في صيف عام 1996م، بينما كانوا يبحرون حول جزيرة كارفبو اليونانية بالبنادق والقنابل اليدوية.. وقبل ذلك بشهور هاجم رجال مسلحون الناقلة (سوكي) عندما كانت على بعد ساعات قليلة من سنغافورة، وقد أوثق القراصنة طاقم ناقلة الأنابيب ووضعوهم في قارب نجاة وأبحروا بهم، وتم إنقاذ الطاقم إلا أن الناقلة اختفت بعد ذلك.

لصوص لكن خبراء !

إذا كنت من هواة اختراق الأسرار عبر أجهزة الكمبيوتر ومن خلال الإنترنت، ربما تفرح أحيانًا بذكائك وقدراتك، ولكنك قد تنسى أن هناك من هم أذكى منك، وقد يستطيعون إفشاء أمرك، وعندئذ ربما تكون العاقبة وخيمة.

من المعروف أن عملية تأمين وحماية الكمبيوتر تقتضي استبعاد أي شخص له ماضٍ غير مشرف في التعامل مع الكمبيوتر، وعدم المغامرة بتعيين شخص له ماضٍ ملوث؛ أي سجن في قضية (قرصنة) إلكترونية، وذلك بغض النظر عن خبرته.

ومؤخرًا، أُفرج عن قرصان من قراصنة الكمبيوتر هوكيفين ميتنيك، بعد أن أمضى خمس سنوات إثر إدانته في قضية احتيال كبيرة باستخدام الكمبيوتر، وهي القضية التي جعلته على رأس أهم الأشخاص المطلوب القبض عليهم في الولايات المتحدة.

ويريد ميتنيك العودة إلى عالم الإنترنت، ليس كلص هذه المرة، بل كمواطن شريف طيب. ولقد لفت الإعلان عن قرب ظهور ميتنيك الكثيرين ممن يعملون في قطاع أمن الكمبيوتر والإنترنت؛ فهذا الحديث يُلقي الضوء على قضية حساسة بالنسبة لمجال البيزنس، ويصبح السؤال الواضح هنا هو: هل من الممكن وضع الثقة في أحد لصوص الكمبيوتر، بحيث يطلب منه المساعدة في حماية الأنظمة الحساسة للعملاء الحكوميين أو الشركات؟

وكان كيفين ميتنيك قد سجن في شهر فبراير من عام 1995م؛ لاتهامه بالغش عبر الشبكة، وحيازته - بصورة غير مشروعة - لملفات كمبيوترية تخص شركات مثل موتورولا وصن ميكروسيستمز، وقد أُلقي القبض عليه بعدما وصفه المدعي الأمريكي كريستوفر بينترد (باحتراف اللصوصية عبر الكمبيوتر في أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية) والتي وضعت ميتنيك في صدارة المطلوب - بإلحاح - القبض عليهم من قِبَل مكتب التحقيقات الفيدرالي.

وقد تردد على مدار عامين ونصف العام أن ميتنيك اخترق أجهزة الكمبيوتر، وسرق أسرارًا مهمة تخص شركات كبيرة، كما كان يقوم ببث الفوضى في شبكات الهاتف، وتمكن من اختراق نظام الإنذار الدفاعي للبلاد، وتسبب في خسائر تقدر بملايين الدولارات.

وتعتبر قضية ميتنيك من النماذج الاستثنائية؛ حيث لم يتم أبدًا القبض على معظم لصوص الكمبيوتر، بل إن العديد منهم في هذه الأيام يوجدون علنًا ويساعدون في تعزيز عمل التكنولوجيا المتطورة. ومن المحتمل أن بعضًا منهم يحتلون مناصب رفيعة في شركات تأمين الكمبيوتر، فهل معنى أن يكون للشخص ماضٍ في اللصوصية على الكمبيوتر أن يتم استبعاده من الوظائف التي تكون مناسبة لمهاراته؟

ويجيب مسئولو شركة يونيكس أدفيتشيارارس: "ربما نعم، وربما لا". وفي استطلاع حديث منشور في مجلة (سي سلاش أو) ظهر أن 31% من المجيبين على الاستطلاع يرون ضرورة استغلال مهارة ميتنيك للعمل مع الشركات المتخصصة في تأمين الشبكات.

وفي تصريحات سابقة لميتنيك قال: "لقد جربت كل شيء فيما مضى بالنسبة لي، وتعلمت الكثير، غير أنى لم أدمِّر عامدًا أي نظام كمبيوتري، ولم أرسل فيروسًا، ولا محوت معلومات تخص أي شخص".

وبالنسبة لميتنيك وآخرين في مجال القرصنة السرية على الكمبيوتر؛ فإن الخط الفاصل بين القراصنة بحسن النية أو من يسمون (هاكرز) وبين القراصنة المخربين أو(الكراكرز) هو نية الإيذاء أو الحصول على مكسب شخصي. ويقول ميتنيك: "إن هناك جانبًا يتعلق بأخلاق الإنسان وقِيَمِهِ؛ فهناك من دخل على نظام مصرفي بدون تصريح، واستخدم مهارته في القرصنة لتحقيق نوع من المكسب المادي".

غير أن السياسة العامة لشركات كبرى في مجال تأمين الشبكات في هذه الأيام تقضى بالاستبعاد التام لأي شخص تثور حوله الشبهات، بمعنى الرفض الأوتوماتيكي لمن له سجل إجرامي في مجال القرصنة.

مساحة للقراصنة واللصوص

يقول كريس داربي (شركة سي آي أو): "نحن لا نعتقد أن هناك مساحة للصوص الإنترنت في مجالنا؛ فهل يمكن لمدير شركة أن يأخذ النصيحة في قضية تتعلق بأعمال إستراتيجية للشركة من شخص له سجل إجرامي؟".

ويقول فردريك ريكا (خبير الإنترنت ويعمل مع شركة برايس ووتر هاوس كوبرس): "إن هناك احتمالاً بأن القراصنة الذين أصلح شأنهم قد يرتَدُّونَ إلى أساليبهم القديمة، بل قد يشاركون في إفشاء معلومات سرية مع آخرين"، ويضيف أن أحد عملائه قد استأجر لصًّا شهيرًا لإجراء اختبار اختراق للأجهزة، ووجد فيما بعد أن ما أحدثه من إتلافات داخل شركته من خلال القرصنة ظهرت كموضوع غلاف لإحدى المجلات التي يصدرها قراصنة الكمبيوتر وتعرف بمجلة 2600.

وعلى الرغم من ذلك، وبعيدًا عن سجله الإجرامي؛ فإن بعض مديري تأمين الكمبيوتر أبدوا تعاطفهم مع ميتنيك، وهناك آخرون اقترحوا إعطاء القراصنة المُدانين بالقرصنة فرصة ثانية في مساحة محدودة؛ حتى يثبتوا جدارتهم بالثقة وإخلاصهم للعمل.

وفي النهاية؛ فإن ميتنيك يتساءل: "هل تريد استئجار شخص ما كان يذهب إلى مدرسة يتعلم فيها حماية السيارات، أم تريد استئجار الشخص الخبير في سرقة السيارات؟".

يرى المحللون أن الإجابة على هذا التساؤل هي: نعم في الحالتين، ولكن عليك أن تكون حذرًا إزاء الشخص الذي معه المفاتيح، وذلك الشخص الذي يترك بمفرده في جراج السيارات.


  صحفي مصري