ادعم إسرائيل (54)
لا تنزعج.. الرسالة ليست موجهة لك بكل تأكيد.. ولكنها الفرصة التي منحتنا إياها ثورة المعلومات وصفحات الإنترنت لتكشف لنا عن زيف الصورة التي استقرت طويلاً في أذهاننا-وبدت خطورتها في أنها أقعدتنا عن الفعل المؤثر أحيانا– تلك الصورة التي ترسم لنا أسطورية التأثيرات الصهيونية على الإعلام والمصالح.. صورة الصهيوني بأنفه المعقوف وقبعته الشهيرة يسيطر عبر وسائله السرية والسحرية على الإعلام.. الاقتصاد.. ساحات الفكر والعمل في الغرب بل والعالم.
فعلى صفحات الإنترنت وتحديدا على موقع Israel insider نُشر تقرير في 19-4- 2002 بعنوان "54 طريقة تدعم بها إسرائيل". واختار التقرير هذا الرقم الذكي (54) ربطاً بالذكرى (البغيضة) الرابعة والخمسين لإنشاء الكيان الصهيوني (إقامة دولة إسرائيل) ليظهروا لنا من خلاله وهم يفكرون لدعم قضيتهم كما نفكر بل كما فكرنا وقدمنا في "مهام عاجلة لدعم الانتفاضة"، وكما نجتهد الآن في تمرير فكرة "الدبلوماسية الشعبية"، وفي ذلك يأتون من الوسائل ما أصبح متاحا للجميع باستغلال المعلومات والقدرة على العرض وتحويل الأفراد إلى فاعلين. ولتظهر الجبهة الإعلامية وسط ذلك كخط دفاع أول في معارك النفس الطويل.. يظهرون وهم يألمون كما نألم وإن كنا نرجو من الله ما لا يرجون.
فقط كنا بحاجة لشيء من القراءة المجهرية micro لتلك المهام ونظيراتها من أدبيات هذا الصراع -وهي مهمة مفتوحة نحتاج دائما لمن يعاوننا فيها- قراءة تجتهد في أن تكون أكثر نضجا من الموقف الطفولي؛ حيث تمنعنا الدهشة والرغبة في إثبات جريمتهم وضبط حالة تلبسهم بدعم منطقهم وقضاياهم وهو الموقف المنتظر على كل حال –وإن فسد منطقهم وبطلت قضاياهم– يمنعنا هذا الاكتشاف أحياناً من استيعاب الأدوات والوسائل التي يستخدمونها دعما لقضاياهم، ونحن هنا نحاول تجاوز ذلك بعرض لملامح عامة اتسمت بها هذه المهام لننتقل بعدها إلى تفصيل أكبر حول طبيعتها:
*إن أول ما يلفت نظر المرء من قراءته لتلك المهام هو الاهتمام بالتفاصيل والاعتماد على المواقف الإنسانية المتخيلة حتى لا يدع مجالا للإفلات من توصيل حقيقة قدرة أي فرد على الفعل وسط أي ظروف وملابسات، فعلى سبيل المثال دخلت هذه المهام مع من تستهدفهم إلى السوق، مشيرة إلى ضرورة شراء البضائع الإسرائيلية وإن كانت أغلى ثمنا، بل واقترحت شراء أنواع العصائر والفواكه بذكر نوعيات إسرائيلية الصنع محددة، مؤكدة أنك وإن كرهت تناول بعضها فلتشتريها وتهديها لأحد الأصدقاء.. المهم عليك أن تشتري!!
* ربطت هذه المهام بإيقاع الحياة اليومية المصاحب لتحركات الفرد من الجامعة إلى السوبر ماركت إلى الوقت الذي يقضيه –– أمام شاشة الكمبيوتر واستغلال الإنترنت، إلى فراشه حيث عليه التفكير قبل النوم في ضحايا التفجيرات الإرهابية (العمليات الاستشهادية) بما يدفعه لدعمهم ماديا ومعنويا.
* تنوعت هذه المهام بما يمكن أن نصنفه ضمن مجالات مختلفة بين الاقتصادي.. الثقافي.. الإعلامي والدعائي.. الدعم المعنوي.. المهام الروحية والدينية.. إقامة الحملات، سواء أكانت سياسية أو سياحية، المقاطعة الاقتصادية واتخاذها مدخلا لتغيير نمط الحياة، التأثير على الرأي العام وتكوين جماعات الضغط السياسية، الحرص على المظهر المتحضر وتحديدا وفقا للسمت الغربي.
* تعددت مستويات الفعل في كل مجال من مجالات الدعم؛ فهي في طلبها لشراء المنتجات الإسرائيلية من السوق تطالب بأن يتم التوجه للبائع بالمعلومات اللازمة عن الصراع، وهي في دعوتها لشراء الزهور للدعم المعنوي للإسرائيليين تدعوك للشراء من المتاجر اليهودية، سواء بكروت الائتمان أو بالبريد الإلكتروني، وهي في دعوتها للحث على إقامة حملات ترويج سياحية تعرف بتراث إسرائيل تطالب بالإنفاق بسخاء في الفنادق والمتاجر الإسرائيلية أثناء الإقامة السياحية بها، وهي في حثها على القيام بمهام إعلامية طالبت بأدوار إعلامية عديدة، من مراقبة الإعلام وتحيزاته ضد إسرائيل إلى التعريف بحقيقة الصراع إلى فرز وترشيح متحدثين وسفراء باسم إسرائيل واقتراحهم على الحكومة الإسرائيلية لمواجهة سفراء القضية الفلسطينية ومؤيديها… إلى غير ذلك من مستويات مختلفة للفعل.
* حرصت هذه المهام على تقديم نفسها على أنها مقترحات قد تؤثر بدرجة أو أخرى على ما يحدث، إلا أن الفعل الأساسي هو القدرة على (تغيير الذات) وتطويرها وهو ما يعد نصرا حقيقيا إذا ما تم.
* الطبيعة التراكمية لهذه المهام، ويأتي ربطها بالحياة اليومية دليلا على أن تأثيرها إنما يأتي على المدى الطويل كأنهم يعتمدون على قاعدتنا "لا تحقرن صغيرا" فاحتمالات تأثير نتائج الأفعال المتواضعة لا نهائية.
* جعلت هذه المهام من نفسها مدخلاً للقضاء على السلبيات وتغيير نمط الحياة؛ فعلى سبيل المثال كانت إحدى المهام تتعلق بالقضاء على ظاهرة حوادث السيارات التي يصل قتلاها سنويًّافي إسرائيل إلى 600 شخص، مشيرة إلى أنهم إذا ما كانوا يفقدون أرواحا في الصراع مع الفلسطينيين فلا يوجد مبرر لفقد مزيد من الأرواح بأيديهم، كما استخدمت مسألة المقاطعة (للبترول العربي تحديدا) كوسيلة لتغيير نمط الحياة وترشيد استهلاك الطاقة بل واستبدال السيارة بالدراجة والحفاظ على البيئة!!
* تعاملت مع موقف الرغبة في الفعل وتجاوز حالة العجز لدى الفرد العادي حينما يتشكك في قدرته على تقديم المعاونة، فعلى سبيل المثال تطالب إحدى المهام ألا يبقى الفرد صامتا أمام ما يهدد وجود إسرائيل مرددا: "لو أن أحدهم يأتي ليواجه ذلك" لتوجه المهمة ذلك بقولها: "لتكن أنت أحدهم"، ولتلتقط قلمك أو تضغط على أزرار لوحة جهازك وتبدأ بالكتابة للصحف ووسائل الإعلام.
* استغلت الإنترنت بشكل شبه كامل بدءا من شراء المنتجات عبر البريد الإلكتروني، ومرورا بالاطلاع على مراكز المعلومات والصحف وإرسال رسائل الدعم والتأييد، وانتهاء بإرسال الصلوات عند حائط البراق (حائط المبكى) على موقع http://www.thewall.org .!!
* مارست النقد الذاتي وحثت على متابعة الطرف الآخر (العربي/ المسلم) من الصراع ، وذلك بالحث على المتابعة الدءوبة للمصادر والمواقع العربية، وقد عكست إحدى المهام ضرورة الاطلاع على المواقع الإسرائيلية التي تفند الدعاوى العربية، خاصة أن الخطاب العربي –على حد وصفهم– يتلون ويتضارب في تصريحاته التي تختلف لدى صدورها بالإنجليزية عن العربية.
* استماتت في الظهور بمظهر المتحضر، فلم تدع أي من هذه المهام فرصة إلا ولفتت النظر لضرورة التزام قواعد التحضر من استخدام اللغة المهذبة الرصينة في الرسائل الإلكترونية إلى حث الممثلين السياسيين في أمريكا والدول الغربية على مقاطعة البترول العربي والتنقيب عن بديل، ولكن بالشروط التي لا تضر بالبيئة!!، أو الحديث عن ضرورة مجابهة استغلال الأطفال الفلسطينيين في عمليات المقاومة.
الطريف أن تظهر في تلك المهام عبارات تنص على ضرورة التأثير على المشاهد الأمريكي للتلفزيون!! ومواجهة المعايير المزدوجة!! وإن كانت هذه المعايير لدى الجانب الإسرائيلي تعني عدم المساواة بين الحرب الأمريكية ضد الإرهاب وإسرائيل في حربها ضد الشيء نفسه، وهي بذلك جعلت أمريكا ندًّا،لا راعيًا متحيزًا كما تتعامل معه الأنظمة العربية.
* كما حرصت هذه المهام على درجة قصوى من تفعيل الإفراد بترك المسألة مفتوحة؛ حيث اختتمت باقتراح بتكوين جماعات للعصف الذهني brainstorming لمناقشة طرح مزيد من الأفكار لدعم إسرائيل.
هذا وتبدو الحاجة إلى عرض هذه المهام وتصنيفها تبعًا لطبيعتها خطوة تالية تتيح لنا مزيد من التعرف على الأفكار والوسائل التي ضمتها.
مما سبق يبدو الأمر متوقفا على التقاطك لطرف الخيط لتبدأ في غزل دور لك.. لن تعدم الوسيلة؛ فمعركة اليوم أدواتها متاحة بالدرجة التي تجعلها حجة علينا، أصبح من الضروري أن نأخذ مواقعنا في معارك الحياة كشهود على ما يحدث وفاعلين لما سيتحقق، على أن نحرر القضية –قدر المستطاع- من ردود الفعل.. ثورات الغضب.. منحنياتنا النفسية، وألا نستسلم وسط مشاعر اليأس والألم لدورات الإحباط المتكررة، ولا يغرينا أننا أصحاب حقوق؛ فالحقيقة لا تحتاج فقط لمن يظهرها ويدافع عنها، بل إن الحقيقة نفسها تحتاج لأن تتزين كالأنثى كما وصف أحمد بن مسكين، وقال: "إن الموعظة إن لم تتئد في أسلوبها الحي كانت بالباطل أشبه".
إن الأهداف الكبرى مثل دعم القضية الفلسطينية إنما تأتي عبر مهام صغرى دائمة، كما أنها لا بد وأن ترمي بنا على شاطئ تعديل أخطائنا الفردية والجماعية، ويتحدد مدى نجاحنا في التعامل مع هذا الصراع بتحويله لمدخل للمراجعة والإصلاح لا كأيقونة تمنعنا مشاكلنا اليومية وهمومنا الخاصة عن التواصل معها سوى في اللحظات الكارثية واشتداد الأزمات.




















