مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

رعاية المصلحة في الوقف الإسلامي (تعقيب)

أثر المصلحة في تغيير عين الموقوف

المسألة الثانية: أثر المصلحة في تغيير عين الموقوف بالمعاوضة والتعويض والإبدال والاستبدال، والمناقلة:

وقد ربط كل ذلك بالمصلحة باعتبارها محققة لقصد الواقف، كما استدل على ذلك ببعض الأحاديث الصحيحة منها حديث حسان.

ثم ذكر مسائل متفرعة منها جواز وقف العين للسلف، أو للمضاربة ووقف الطعام والنبات والبذور.

ومنها مراعاة المصلحة في المعاوضة واستثمار غلة الوقف في غيره، وهذه المسائل تجمعها مسألتان: مسألة اختلاف ذمم الأوقاف، أو اتحادها، ومسألة الاستبدال.

- المسألة الأولى: اشتراك أكثر من وقف في ذمة مالية واحدة

لا شك أن الوقف إما أن يكون لصالح شخص وذريته، أو نحو ذلك مما يسمى في الفقه الإسلامي بالوقف الأهلي، أو الذري، فهذا له طابعه الخاص وتكون إدارته في إطار الشخص الموقوف عليه، أو ذريته فيما بعد حسب تفصيل لا يهم موضوع البحث.

وإما أن يكون الوقف على جهة خيرية مثل الوقف على المساجد، أو المدارس، أو الفقراء أو المساكين، أو الأرامل، أو اليتامى أو لمدرسة خاصة، أو لمؤسسة علمية خاصة بدراسة علم معين، أو ابتكار معين.

وهذا النوع الثاني هو الذي نتحدث عنه، حيث يرد سؤال: هل هذه الجهات لو اجتمعت كلها أو بعضها تحت إشراف مؤسسة يكون لكل واحدة منها ذمة مستقلة، وتعمل على أساس شخصيتها المستقلة، فلا يجوز التداخل بين حقوقها والتـزاماتها وبين حقوق والتـزامات جهة أخرى، أم أنها ينظر إلى كل هذه الجهات كذمة واحدة، وحينئذ يحمل بعضها عن بعض؟

للجواب عن ذلك نقول: إن الأصل والمبدأ العام والقاعدة الأساسية هو الحفاظ على خصوصية كل وقف وكل جهة، وإن كانت تحت إشراف إدارة واحدة، وذلك لضرورة مراعاة أن يكون ريع الوقف لنفس الجهة التي وقف عليها الواقف، قال البهوتي: (ويتعين مصرف الوقف إلى الجهة المعينة)8. وكذلك الأمر في حالة الالتزامات، والتعمير والبناء، وذلك من خلال ترتيب هذه الجهات كصناديق خاصة لها ذمتها المالية المستقلة بقدر الإمكان.

هذا هو الأصل ما دام ذلك ممكنا ولم يكن هناك ما يعارضه، ويدل عليه الأدلة المعتبرة على ضرورة الحفاظ على الوفاء بالعقود والشروط إلا الشروط التي تكون مخالفة للكتاب والسنة، أو لا تحقق الغرض المنشود من الوقف، قال القرافي: (ويجب اتباع شروط الوقف...؛ لأنه ماله، ولم يأذن في صرفه إلا على وجه مخصوص، والأصل في الأموال العصمة...)9.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والمقصود إجراء الوقف على الشروط التي يقصدها الواقف، ولهذا قال الفقهاء: إن نصوصه كنصوص الشارع يعني في الفهم والدلالة، فيفهم مقصود ذلك من وجوه متعددة كما يفهم مقصود الشارع)10.

ومع هذا الأصل العام فإن الذي يظهر راجحا هو جواز التصرف في جميع الأموال المرصودة لجهة واحدة، كالمساجد مثلاً حيث لا بد أن ينظر إلى جميع موقوفات المساجد الواقعة تحت إدارة الوقف كذمة واحدة حسب المصلحة الراجحة، ولكن مع تقديم مصالح الموقوف عليه من وقفه الخاص به على غيره، وإذا فضل، أو اقتضت المصلحة غير ذلك صرف منه إلى بقية الموقوف عليه من نفس الجهة وهكذا الأمر في الوقف على جهة الفقراء، أو المدارس، أو نحوها.

ولكن يرد سؤال آخر وهو: هل يمكن أن ينظر إلى جهات الخير كلها كأنها جهة واحدة يصرف من ريعها على الجميع حسب أولوية المصالح؟

أفتى فقهاء المالكية بذلك حيث جاء في نوازل العلمي: (الأحباس كلها -إذا كانت لله- بعضها من بعض، وذلك مقتضى فتوى أبي محمد العبدوسي)، كما نقل فتاوى بهذا الشأن للبرزلي وابن ماجشون وغيرهما11، وجاء فيهما أيضا: (قال أصبغ، وابن ماجشون: إن ما يقصد به وجه الله يجوز أن ينتفع ببعضه من بعض، وروى أصبغ عن أبي القاسم مثل ذلك في مقبرة قد عفت فيبني قوم عليها مسجدا: لم أرَ به بأسا، قال: وكذلك ما كان لله فلا بأس أن يستعان ببعضه على بعض، وقد رأى بعض المتأخرين: أن هذا القول أرجح في النظر؛ لأن استنفاد الزائد في سبيل الخير أنفع للمحبس، وأنمى لأجره...)12.

وقال أبو محمد العبدوسي في الجواب عن جمع أحباس فاس: (يجوز جمعها، وجعلها نقطة واحدة وشيئا واحدا لا تعدد فيه، وأن تجمع مستفادات ذلك كله، ويقام منه ضروري كل مسجد من تلك المستفادات المجتمعة...)13.

وأفتى بعض علماء الحنابلة بجواز عمارة وقف من ريع وقف آخر على جهته، قال ابن مفلح: (ويصرف ثمنه -أي الموقوف في حالة بيعه- في مثله) كذا في المحرر، والوجيز، والفروع، وزاد: (أو بعض مثله، قاله أحمد لأنه أقرب إلى غرض الواقف)، ثم قال: (وظاهر الخرقى أنه لا يتعين المثل، واقتصر عليه في المغني، والشرح؛ إذ القصد النفع، لكن يتعين صرف المنفعة في المصلحة التي كانت الأَولى أن تصرف إليها؛ لأن تغيير المصرف مع إمكان المحافظة عليه لا يجوز، وكذلك الفرس إذا لم يصلح للغزو بيع واشترى بثمنه ما يصلح للجهاد، وعنه رواية أخرى: يصرفه على الدواب الحبس، وما فضل من حصره وزيته جاز صرفه إلى مسجد آخر، والصدقة به على فقراء المسلمين، واختاره الشيخ تقي الدين، وقال أيضا: وفي سائر المصالح، وبناء مساكن لمستحق ريعه القائم بمصلحته...)14.

فهذه الفتاوى لعلماء المذهبين تجيز النظر إلى جميع الجهات نظرة واحدة قائمة على ذمة واحدة حسب المصالح المعتبرة، والذي يظهر رجحانه هو أن يكون ذلك في دائرة الاستثناء، ويبقى الأصل العام في رعاية كل وقف بذاته إلا لمصلحة راجحة، وهذا ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية من أن يربط التصرف في أموال الوقف بالمصالح الراجحة أكثر من غيرها حيث قال -بعد جواز تغيير الوقف وبيعه-: (فَتُتبع مصلحة الوقف، ويدار مع المصلحة حيث كانت، وقد ثبت عن الخلفاء الراشدين -كعمر وعثمان- أنهما غيّرا صورة الوقف للمصلحة، بل فعل عمر ما هو أبلغ من ذلك حيث حول مسجد الكوفة القديم فصار سوق التمارين وبنى لهم مسجدا آخر في مكان آخر والله أعلم)15.

وجاء في الفتاوى الهندية: (أنه يجوز صرف غلة قنطرة أخرى ما دامت الأولى غير محتاجة إلى غلتها، سئل شمس الأئمة الحلواني عن مسجد، أو حوض خرب ولا يحتاج إليه لتفرق الناس، هل للقاضي أن يصرف أوقافه إلى مسجد آخر، أو حوض آخر؟ قال: نعم...، رباط يستغنى عنه، وله غلة، فإن كان بقربه رباط صرفت الغلة إلى ذلك الرباط)16.

وقد شدد بعض فقهاء الحنفية في موضوع فصل ذمم الوقف حتى داخل وقف معين، واشترطوا مراعاة شروط الواقف، وعدم صرف الريع إلا لما تشمله شروطه، قال قاضيخان: (أرض هي وقف على عمارة المسجد على أن ما فضل من عمارته فهو للفقراء، فاجتمعت الغلة، والمسجد غير محتاج إلى العمارة قال الفقيه الأكبر أبو بكر البلخي: تحبس الغلة؛ لأنه ربما يحدث بالمسجد حدث وتصير الأرض بمال ولا تغل، وقال الفقيه أبو جعفر: الجواب كما قال، وعندي لو علم أنه لو اجتمع من الغلة مقدار ما لو احتاج المسجد والأرض إلى العمارة يمكن العمارة بها، ويفضل، وتصرف الزيادة إلى الفقراء على ما شرط الواقف)17.

وجاء أيضا في فتاوى قاضيخان: (مسجد له مستغلات وأوقاف أراد المتولي أن يشتري من غلة الوقف للمسجد دهنا أو حصيرا، أو حشيشا، أو آجرا أو جصا لفرش المسجد، أو حصى، قالوا: إن وسع الواقف ذلك للقيم، وقال: تفعل ما ترى من مصلحة المسجد كان له أن يشتري للمسجد ما شاء، وإن لم يوسع ذلك، ولكنه وقف لبناء المسجد وعمارة المسجد ليس للقيم أن يشتري ما ذكرنا؛ لأن هذا ليس من العمارة ولا من البناء، وإن لم يعرف شرط الواقف في ذلك ينظر هذا القيم إلى مكان قبله، فإن كانوا يشترون من أوقاف المسجد الدهن... وما ذكرنا كان للقيم أن يفعل ذلك، وإلا فلا)18.

- المسألة الثانية: هي مسألة الاستبدال

- استبدال عين الوقف:

المقصود بالاستبدال هنا تغيير العين الموقوفة بالبيع أو نحوه إلى شيء آخر، والاستبدال على ثلاثة وجوه:

الأول: أن يشترطه الواقف لنفسه فقط أو لغيره فقط، أو لهما معا، فحينئذ يكون الاستبدال جائزا لمن شرط له على الصحيح.

الثاني: أن لا يشترطه وإنما يسكت عنه.

والثالث: أن يشترط عدم الاستبدال19 ففي هذين الوجهين يأتي التفصيل والخلاف، ولكنه من المتفق عليه أن الأصل العام والقاعدة الكلية في الشريعة هو عدم الاستبدال إلا لمسوغ مشروع؛ ولذلك اختلف الفقهاء في جواز استبدال عين الوقف -من غير المسجد- أو بيعها في حالات نذكر هنا أهمها:

1. حالة الهدم والخراب بحيث تتعذر عمارة الوقف: قال المرغيناني: (وما انهدم من بناء الوقف وآلته صرفه الحاكم في عمارة الوقف إن احتاج إليه، وإن استغنى عنه أمسكه حتى يحتاج إلى عمارته يصرفه فيهما؛ لأنه لا بد من العمارة ليبقى على التأبيد فيحصل مقصود الواقف.. وإن تعذر إعادة عينه إلى موضعه بيع وصرف ثمنه إلى المرّمة صرفا للبدل إلى مصرف المبدل)، بل ادعى ابن الهمام أن خروج الوقف عن الانتفاع به ينبغي أن لا يختلف فيه20، أي في المذهب الحنفي، أما إذا انهدمت الدار -مثلاً- ولم يمكن إعادتها فتباع ويشترى بثمنها مثلها، أو قسط منه ما عدا المسجد21، وذهب أحمد إلى أن الدار الموقوفة إذا خربت يباع نقضها ويصرف ثمنها إلى وقف آخر22.

2. حالة عدم الانتفاع والاستغناء: قال ابن الهمام: (ومن زيادات أبي بكر بن حامد: أجمع العلماء على جواز بيع بناء الوقف وحصيره إذا استغنوا عنه)، وقال أيضا: (وينبغي للحاكم إذا رفعه إليه ولا منفعة في الوقف أن يأذن في بيعها إذا رآه أنظر لأهل الوقف)23. وهذا رأي جمهور الفقهاء حيث قالوا: ويباع كل ما لا ينتفع به فيما حبس فيه من غير المسجد على تفصيل فيه، ومن غير العقار عند مالك حيث لا يباع وإن خرب24.

3. حالة الهجر: وذلك بأن يترك أهل القرية، أو المنطقة وقفهم فيهجر، فعند الحنفية -في غير المسجد- يعود إلى الواقف، وعند الجمهور يظل وقفا، وعند أحمد يباع نقضه ويصرف إلى مسجد آخر، إن كان مسجدا أو إلى جهة مماثلة25.

4. حالة رجاء منفعة أكبر: ذهب جماعة من الفقهاء إلى أنه يجوز بيع الوقف إذا رأى الموقوف عليه، أو الناظر للوقف أن غيره أكثر نفعا وريعا، فقد جاء في فتح القدير (وروي عن محمد: إذا ضعفت الأرض عن الاستغلال ويجد القيم بثمنها أخرى أكثر ريعا كان له أن يبيعها ويشتري بثمنها ما هو أكثر ريعا)26، ولكن بعض علماء الحنفية رجحوا عدم الجواز؛ لأن الواجب إبقاء الوقف على ما كان عليه دون زيادة أخرى؛ لأنه لا موجب لتجويزه إذا لم يكن هناك شرط، أو ضرورة، ولا ضرورة في هذا؛ إذ لا تجب الزيادة فيه بل تبقيه كما كان27.

وهذا هو رأي جمهور الفقهاء من المالكية28، والشافعية29، والحنابلة30؛ وذلك لأن الأصل هو تحريم بيع الموقوف، وإنما أبيح لضرورة أو حاجة تنزل منزلة الضرورة، صيانة لمقصود الوقف عن الضياع مع تحقق الانتفاع وإن قل، وبذلك يجمع بين الخيرين وهو أولى من التضحية بأحدهما لحساب الآخر، لكن قال الحنابلة: إذا بلغ الوقف في قلة النفع إلى حد لا يعد نفعا فيكون وجود ذلك كالعدم فيجوز بيعه وشراء مثيل له يكون أكثر نفعا31. وهذا الرأي له وجاهته ووفاقه مع مقاصد الوقف في الشرع.

5. حالة الإتلاف: لو أتلف الموقوف عليه وعوض فيشتري ببدله مثله ويقوم مقامه32، وذهب المالكية إلى أن مَنْ هدم وقفا تعديا فعليه إعادته إلى ما كان عليه ولا تؤخذ قيمته حتى ولو كان المهدوم باليا؛ لأن الهادم ظالم بتعديه والظالم أحق بالحمل عليه، أما إذا كان خطأ فعليه قيمته. هذا ما رآه الخليل وغيره، في حين ذهب الدردير وآخرون إلى أن عليه القيمة مطلقاً كسائر المتلفات، وحينئذ تجعل تلك القيمة في عقار مثله يجعل وقفا عوضا عن المهدوم، وتكون القيمة معتبرة باعتبار البناء قائماً لا مهدوما. 33.

6. حالة حاجة الوقف إلى التعمير أو الإنفاق وليس له مورد: إذا احتاج الوقف إلى التعمير وليس له مورد لذلك، فإن جمهور الفقهاء ذهبوا إلى جواز بيع جزء من الوقف ليعمّر به بقية الوقف؛ لأنه بدون ذلك يتعطل الوقف كله، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وأما الوقف العام34 إن كان حيوانا -مثل الفرس للجهاد- يحتاج إلى نفقة فإن هذه النفقة إن لم يرتبها الواقف فعلى بيت المال، فإن عدم، أو لم يمكن الوصول إليه بيع وعوض ببدله سلاح ونحوه مما لا يحتاج إلى نفقة؛ لأنه أقرب لغرض الواقف، كما يباع عندما يصاب الفرس بداء الكلب35.

7. الخوف من الغلبة عليه: ذهب جماعة من الفقهاء منهم طائفة من مشايخ الحنفية إلى أنه (إذا خاف المتولي على الوقف من وارث، أو سلطان يغلب عليه قال في النوازل يبيعها ويتصدق بثمنها قال: وكذا كل قيم خاف شيئا من ذلك)، لكنه قال ابن الهمام: (فالفتوى على خلافه؛ لأن الوقف بعدما صح بشرائطه لا يحتمل البيع، وهذا هو الصحيح)36. والراجح أن على الناظر البحث عن أي وسيلة تحمي الوقف حتى ولو كانت عن طريق البيع الصوري.

8. بيع أشجار الوقف حفاظاً على زيادة الثمرة: جاء في الفتاوى الهندية: (أما بيع أشجار الوقف فينظر إن كانت لا تنتقص ثمرة الكرم بظلها لا يجوز بيعها، وإن كانت تنتقص ثمرة الكرم بظلها ينظر إن كانت ثمرة الشجر تـزيد على ثمرة الكرم ليس له أن يبيعها ويقطعها، وإن كانت تنتقص عن ثمرة الكرم فله أن يبيعها، وإن كانت أشجارا غير مثمرة وتنتقص ثمرة الكرم بظلها فله أن يبيعها ويقطعها، وإن كانت أشجار الدلب والحلان ونحوه مما إذا قطع ينبت ثانيا وثالثا جاز قطعها وبيعها)37، وهذا يدل على أن العبرة بما هو الأصلح للوقف.

9. حالة الاشتراط: وذلك بأن يشترط الواقف عند الوقف أن يكون له أو للقيم حق الاستبدال بوقف آخر إذا شاء ذلك، وكذلك لو اشترط أن يبيعها ويشتري بثمنها أرضا أخرى، وهذا مذهب أبي يوسف وهلال والخصاف من الحنفية، حيث يصح الوقف والشرط معا، وذهب محمد إلى أن الوقف صحيح والشرط باطل، قال ابن الهمام: (وليس له بعد استبداله مرة أن يستبدل ثانيا لانتهاء الشرط بمرة إلا أن يذكر عبارة تفيد له ذلك دائما، وكذا ليس للقيم الاستبدال إلا أن ينص له بذلك... وفي فتاوى قاضيخان: (قول هلال، وأبي يوسف هو الصحيح؛ لأن هذا شرط لا يبطل الوقف؛ لأن الوقف الانتقال من أرض إلى أرض... وإذا كان حاصله إثبات وقف آخر لم يكن شرطا فاسدا هو اشتراط عدم حكمه وهو التأبيد، بل هو تأبيد معنى)38، بل إن قاضيخان ذكر الإجماع على ذلك فقال: (وأجمعوا على أن الوقف إذا شرط الاستبدال لنفسه يصح الشرط والوقف ويملك الاستبدال، أما بلا شرط أشار في السير إلى أنه لا يملكه إلا بإذن القاضي)39.

وبمثل قول محمد قال جماعة من الفقهاء منهم الظاهرية؛ لأنه شرط ليس في كتاب الله فيكون باطلاً في نظرهم40، وبمثل قول أبي يوسف قال المالكية حيث أجازوا اشتراط بيع الوقف إن احتاج إليه الواقف ويعمل بشرطه41.

- اسـتبدال المسـجد:

 يختص المسجد بعدة أحكام لا تتوافر في غيره، فمثلاً عند أبي حنيفة لا يلزم الوقف في غير المسجد إلا بحكم الحاكم، أو الإيصاء به، أما المسجد فيلزم بمجرد وقفه، حيث لا يبقى له حق الرجوع عنه؛ لذلك شدد الفقهاء في استبداله، ونذكر هنا بعض نصوصهم، قال المرغيناني الحنفي: (ولو خرب ما حول المسجد واستغنى عنه يبقى مسجدا عند أبي يوسف.. وعند محمد يعود إلى ملك الباني، أو إلى وراثه بعد موته؛ لأنه عينه لقربة وقد انقطعت فصار كحصير المسجد وحشيشه إذا استغنى عنه، إلا أبا يوسف يقول في الحصير والحشيش أنه ينقل إلى مسجد آخر)42.

وقد اتفق المالكية والشافعية مع رأي أبي يوسف في أن المسجد يظل مسجدا43 فلا يجوز بيعه لظاهر النصوص الدالة على عدم جواز بيع الموقوف مثل قول عمر: (فلا يباع أصلها ولا يوهب)44؛ لأن ما لا يجوز بيعه مع بقاء منافعه لا يجوز بيعه مع تعطلها، ولكن يجوز نقل آلته وأنقاضه إلى مسجد آخر.

وأما الحنابلة فيرون عدم التفرقة بين المسجد وغيره، حيث يباع ويشترى بثمنه مكان آخر ليكون مسجدا بدله، ولأهمية رأيهم ووجود تفاصيل فيه أنقل ما جاء في المغني: (إن الوقف إذا خرب وتعطلت منافعه كدار انهدمت، أو أرض خربت وعادت مواتا ولم تمكن عمارتها، أو مسجد انتقل أهل القرية عنه وصار في موضع لا يُصلى فيه، أو ضاق بأهله ولم يمكن توسيعه في موضعه، أو تشعب جميعه فلم يمكن عمارته، ولا عمارة بعضه إلا ببيع بعضه، جاز بيع بعضه لتعمر به بقيته، وإن لم يمكن الانتفاع بشيء منه بيع جميعه)، وأضاف الحنابلة إلى ما سبق حالة الخوف من اللصوص في رواية صالح عن أحمد، وكذلك إذا كان موضعه قذرا يمنع من الصلاة فيه45.

وقد حقق شيخ الإسلام ابن تيمية مذهب أحمد في هذه المسألة46 تحقيقا طيبا نذكره لأهميته بإيجاز مع التعليق عليه إن احتاج إلى ذلك، حيث ذكر أن مذهب أحمد في غير المسجد أنه يجوز بيعه للحاجة، وأما المسجد فيجوز بيعه أيضا للحاجة في أشهر الروايتين عنه، وفي الأخرى: لا تباع عرصته، بل تنقل آلتها إلى موضع آخر.

فالمسجد الموجود ببلدة أو محلة إذا تعذر انتفاع أهلها بيع وبني بثمنه مسجد آخر في موضع آخر كما في زيت المسجد وحصره إذا استغنى عنها المسجد صُرِفت إلى مسجد آخر، بل يجوز عند أحمد صرفها في فقراء الجيران، واحتج على ذلك بأن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان يقسم كسوة الكعبة بين المسلمين؛ لأن المسلمين هم المستحقون لمنفعة المساجد، واحتج أيضا لصرفها في نظير ذلك: بأن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- جمع مالاً لمكاتب، ففضلت فضلة عن قدر كتابته فصرفها في مكاتب آخر، بأن المعطين أعطوا المال للكتابة، فلما استغنى المعين صرفها في النظير.

والمقصود أن أحمد بن حنبل -رحمه الله- اختلف قوله في بيع المسجد عند عدم بيع الانتفاع به، ولم يختلف قوله في بيع غيره عند الحاجة، قال في رواية ابنه عبد الله: إذا خرب المسجد يباع، وينفق ثمنه على مسجد آخر، وإذا كان الوقف دارا فخربت وبطل الانتفاع بها بيعت وصرف ثمنها إلى شراء دار ويجعل مكانها وقفا47.

وأما إبدال المسجد بغيره للمصلحة مع إمكان الانتفاع بالأول ففيه قولان في مذهب أحمد، واختلف أصحابه في ذلك، لكن الجواز أظهر في نصوصه، وأدلته، منها ما ورد أنه لما قدم عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- على بيت المال كان سعد بن مالك قد بنى القصر، واتخذ مسجدا عند أصحاب التمر، قال فنقب بيت المال، فأخذ الذي نقبه، فكتب إلى عمر بذلك، فكتب عمر: (أن لا تقطع الرجل، وانقل المسجد، واجعل بيت المال قبلته، فإنه لن يـزال في المسجد مصلٍّ، فنقله عبد الله فخط له هذه الخطة) قال صالح: قال أبي: يقال: إن بيت المال نقب من مسجد الكوفة فحول عبد الله بن مسعود المسجد، فوضع التمَّارين اليوم في موضع المسجد العتيق، وصار سوق التمَّارين في موضعه 48.

قال صالح وسألت أبي عن رجل بنى مسجدا، ثم أراد تحويله إلى موضع آخر، قال إن كان الذي بنى مسجدا يريد أن يحوله خوفا من اللصوص، أو يكون في موضع قذر فلا بأس أن يحوله، وسئل أبو عبد الله: هل يحول المسجد؟ قال إذا كان ضيقا لا يسع أهله فلا بأس أن يجعل إلى موضع أوسع منه.

وقال عبد الله سألت أبي عن مسجد خرب: ترى أن تباع أرضه، وينفق على مسجد آخر أحدثوه؟، قال: (إذا لم يكن له جيران ولم يكن أحد يعمره فلا أرى به بأسا أن يباع وينفق على الآخر. وقال القاضي أبو يعلى: وقال في رواية أبي داود في مسجد أراد أهله أن يرفعوه من الأرض، ويجعل تحته سقاية وحوانيت، وامتنع بعضهم عن ذلك؟ قال: ينظر إلى قول أكثرهم، ولا بأس به، قال أبو يعلى: فظاهر هذا أنه أجاز أن يحمل هذا على أن الحاجة دعت إلى ذلك لمصلحة تعود إلى المسجد49.

ثم ذكر أن بعض أصحاب المذهب حاول التكلف في حمل رواية أحمد هذه حالة الابتداء قبل بناء المسجد، فقال: (وهذا تكلف ظاهر لمخالفة نصّه، فإنه نص صريح في المسجد المبني، وليس في ابتداء بناء المسجد؛ لأن الأخير لا نـزاع فيه)50.

ثم رد ابن تيمية على من قال بعدم جواز النقل والإبدال إلا عند تعذر الانتفاع بأنه ليس لهم على ذلك حجة شرعية، ولا مذهبية، بل دلت الأدلة الشرعية وأقوال صاحب المذهب على خلاف ذلك، وقد قال أحمد: (إذا كان المسجد يضيق بأهله فلا بأس أن يحول إلى موضع أوسع منه، وضيقه بأهله لم يعطل نفعه، بل نفعه باق كما كان، ولكن الناس زادوا، وقد أمكن أن يبنى لهم مسجد آخر، وليس من شرط المسجد أن يسع جميع الناس، ومع هذا جوز تحويله إلى موضع آخر؛ لأن اجتماع الناس في مسجد واحد أفضل من تفريقهم في مسجدين؛ لأن الجمع كلما كان أكثر كان أفضل، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع رجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله تعالى)51.

وقد أمر عمر -رضي الله عنه- بنقل مسجد الكوفة إلى مكان آخر، وصار الأول سوق التّمارين للمصلحة الراجحة، لا لأجل تعطل منفعة تلك المساجد، فإنه لم يتعطل نفعها، بل ما زال باقيا، وقد فعل عمر ذلك بمشهد الصحابة ولم يرد إلينا أنه اعترض عليه أحد، بل نفذه الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- فكان ذلك إجماعا؛ لأن الصحابة -رضي الله عنهم- ما كانوا يسكتون لو كان ذلك غير جائز، والتأريخ شاهد على اعتراضاتهم على كل ما كان منكرا حتى ولو في نظر بعضهم، فقد اعترضت المرأة على عمر حينما أراد تحديد المهر، واعترضوا على عثمان؛ لأنه كان يتم الصلاة في الحج.

واحتج ابن تيمية أيضا بما روى أبو حفص في المناسك عن عائشة -رضي الله عنها- أنه قيل لها: يا أم المؤمنين! إن كسوة الكعبة قد يداول عليها؟ فقالت: تباع، ويجعل ثمنها في سبيل الخير، فأمرت عائشة ببيع كسوة الكعبة مع أنها وقف، وصرف ثمنها في سبيل الخير؛ لأن ذلك أصلح للمسلمين52.

وقد انتهى شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن بيع الوقف والتعويض بثمنه يجوز إذا كان ذلك أصلح وأنفع دون الحاجة إلى تقيد الجواز بالضرورة، أو تعطل الانتفاع بالكلية، فالمسوغ للبيع والتعويض هو نقص المنفعة وذلك يتحقق بكون العوض أصلح وأنفع، أو للحاجة التي يقصد بها هنا تكميل الانتفاع، فإن المنفعة الناقصة يحصل معها عوز يدعوها إلى كمالها فهذه هي الحاجة من مثل هذا مثلما أجيز لبس الحرير المحرم على الرجال لأجل الحكة53 (الحساسية).

وقد استدل كذلك بما فعله عمر وعثمان من تغيير بناء مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم-، ووجه الاستدلال بذلك أن اللبن والجذوع التي كانت وقفا أبدلها الخلفاء الراشدون بغيرها، وهذا من أعظم ما يشتهر من القضايا ولم ينكره منكر، ولا فرق بين إبدال البناء ببناء، وإبدال العرصة بعرصة، إذا اقتضت المصلحة ذلك؛ لهذا أبدل عمر مسجد الكوفة بمسجد آخر، أبدل نفس العرصة، وصارت العرصة الأولى سوقا للتمّارين بعد أن كانت مسجدا، وهذا أبلغ ما يكون في إبدال الوقف للمصلحة 54.

ويدل على ذلك أيضا ما ثبت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جوَّز إبدال المنذور بخير منه فقد روى أحمد وأبو داود والدارمي، وابن الجارود، وأبو يعلى، والبيهقي بسند صحيح عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه-: (أن رجلاً قام يوم الفتح، فقال: يا رسول الله إني نذرت لله إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين، قال: صل ههنا، ثم أعاد عليه، فقال: صل ههنا، ثم أعاد عليه، فقال: شأنك إذن)55.

وهناك أحاديث وآثار أخرى تدل على ذلك منها ما رواه مسلم في صحيحه بسنده عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: (أن امرأة شكت شكوى، فقالت: لو شفاني الله فلأخرجنَّ فلأصلينَّ في بيت المقدس، فبرأت، ثم تجهزت تريد الخروج فجاءت ميمونة تسلم عليها، وأخبرتها بذلك، فقالت: اجلسي، فكلي ما صنعت، وصلِّي في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد الكعبة)56.

قال ابن تيمية: وهذا هو مذهب عامة العلماء... ومعلوم أن النذر يوجب عليه ما نذره لله تعالى من الطاعة، ومع ذلك فإن الشارع بيّن أن البدل الأفضل يقوم مقام هذا، وكذلك الأمر بالنسبة للحيوانات التي تجب فيها الزكاة، حيث تجزئ سنٌّ أعلى من الواجب في مذهب عامة أهل العلم، فـثبت أن إبدال الواجب بخير منه جائز، بل يستحب فيما وجب بإيجاب الشرع، وبإيجاب العبد57، والخلاصة أن الإبدال للحاجة، أو المصلحة الراجحة، وبما هو خير من الأصل جائز تظافرت عليه الأدلة المعتبرة.

وقد استدل الحنابلة على ذلك بالآثار والمعقول:

أما الآثار فمنها (أن عمر -رضي الله عنه- كتب إلى سعد لما بلغه أنه قد نقب بيت المال الذي بالكوفة: انقل المسجد الذي بالتمّارين واجعل بيت المال في قبلة المسجد، فإنه لا يـزال في المسجد مصلّ)58، قال ابن قدامة: (وكان هذا بمشهد من الصحابة ولم يظهر خلافه فكان إجماعا)59.

ومنها ما رواه البيهقي والخلال عن علي بن أبي عبد الله المديني عن أبيه عن علقمة عن أمه قالت: (دخل شيبة بن عثمان الحجي على عائشة -رضي الله عنها- فقال: يا أم المؤمنين إن ثياب الكعبة تجتمع علينا فتكثر فنعمد إلى آبار فنحفرها، فنعمقها، ثم تدفن ثياب الكعبة فيها كيلا يلبسها الجنب والحائض، فقالت له عائشة -رضي الله عنها-: ما أحسنت ولبئس ما صنعت، إن ثياب الكعبة إذا نزعت لم يضرها إن لبسها الجنب والحائض، ولكن بعها واجعل ثمنها في المساكين وفي سبيل الله، قالت فكان شيبة بعد ذلك يرسل بها إلى اليمن فتباع هناك، ثم يجعل ثمنها في المساكين وفي سبيل الله وابن السبيل)60.

واستدلوا كذلك بأن مصلحة الواقف تقتضي أن تبقى آثار الوقف بأية صورة ممكنة، حيث إن ذلك أحسن وأفضل من أن يترك الوقف مهملاً دون الاستفادة منه؛ ولذلك قال ابن عقيل: (الوقف مؤبد فإذا لم يمكن تأبيده على وجه يخصصه استبقاء الغرض وهو الانتفاع على الدوام في عين أخرى، وإيصال الإبدال جرى مجرى الأعيان، وجمودنا على العين مع تعطلها تضييع للغرض، ويقرب هذا من الهدي إذا عطب في السفر فإنه يذبح في الحال وإن كان يختص بموضع، فلما تعذر تحصيل الغرض بالكلية استوفى منه ما أمكن وترك مراعاة المحل الخاص عند تعذره؛ لأن مراعاته مع تعذره تقضي إلى فوات الانتفاع بالكلية وهكذا الوقف المعطل المنافع)61.

والراجح هو قول الحنابلة في المساجد وغيرها؛ لأن الوقف وإن كان فيه الأجر والثواب، لكنه معقول المعنى، وليس من العبادات المحضة التي لا يبحث فيها عن العلل والمقاصد، فمقاصد الشارع -وكذلك مقاصد الواقف- واضحة في أن يستمر الثواب والأجر إلى ما شاء الله؛ ولذلك سُمِّي بالصدقة الجارية، ولذلك يجب الحفاظ على العين وعدم استبدالها ما دامت العين الموقوفة تحقق الغرض المنشود والقصد المطلوب، وهو الانتفاع بها بالشكل المطلوب، فإذا لم تَعُد قادرة على تحقيق ذلك الغرض بأن كان مسجدا للصلاة فترك منطقته أهلها، أو كان فرسًا للجهاد فكبرت فحينئذ فنحن أمام أحد الأمرين:

إما أن نترك ذلك بحيث لم يَعُد المسجد ينتفع به، وينتهي الفرس إلى الموت، وحينئذ انقطع أجر الواقف.

وإما أن نتدارك الموقف فنبيع المسجد ونشتري به مكانا آخر ليتحول إلى مسجد، وإن كان أصغر من الأول، ونبيع الفرس ونشتري بثمنها فرسا أخرى أو حتى جزءا منها أو أسلحة للجهاد، فلا شك أن الاختيار الثاني هو الأفضل؛ لأنه يؤدي إلى الانتفاع من السابق، بل يؤدي إلى استمرارية الوقف وتأبيده من حيث الغرض والقصد والنتيجة؛ ولذلك قال أبو بكر الخلال في ترجيح القول بجواز البيع (لإجماعهم على جواز بيع الفرس الحبيس -يعني الموقوفة على الغزو- إذا كبرت فلم تصلح للغزو، وأمكن الانتفاع بها في شيء آخر مثل أن تدور في الرحا، أو تكون الرغبة في نتاجها، أو حصانا يتخذ للطراق فإنه يجوز بيعها ويشتري بثمنها ما يصلح للغزو)62.

وقال ابن قدامة: (لأن المقصود استبقاء منفعة الوقف الممكن استبقاؤها وصيانتها من الضياع، ولا سبيل إلى ذلك إلا بهذه الطرق)63.

حالة عدم الانتفاع بالمسجد:

هناك حالات لا ينتفع فيها بالمسجد، مثل مسجد بني ثم انهدم من خشبه أو قصبه أو شيء من نقضه فإنه لا يباع، وإنما يعان به مسجد آخر، هكذا نص عليه أحمد، وهكذا الحكم عندما يفضل من حصر المسجد وزيته ولا يحتاج إليه، فيجوز أن يجعل في مسجد آخر أو يتصدق من ذلك على فقراء جيرانه وغيرهم، وكذلك إن فضل من قصبه أو شيء من نقضه، قال المروزي: (سألت أبا عبد الله عن بواري المسجد إذا فضل منه الشيء، أو الخشبة، قال: يتصدق به، وأرى أنه قد احتج بكسوة البيت إذا انخرقت تصدق بها، وقال في موضع آخر قد كان شيبة يتصدق بخلقان الكعبة)64. ولكن إذا لم تتحقق المنفعة بهذا التحويل فيجوز البيع وصرف ثمنه في خدمة المساجد.

عدم بيع العقار الموقوف عند مالك:

لا يجوز بيع العقار المحبوس عند مالك وإن خرب ونقص، ولو بيع بعقار آخر صالح إلا لتوسيع مسجد جامع، أو الطريق، أو المقبرة، حيث قال في المدونة: (ولا يباع العقار الحبس ولو خرب، وبقاء أحباس السلف دائرة دليل على منع ذلك)، قال الدسوقي: (ورد المصنف بالمبالغة بقوله "وإن خرب" على رواية أبي الفرج عن مالك: إن رأى الإمام بيع ذلك لمصلحة جاز ويجعل ثمنه في مثله وهو مذهب أبي حنيفة أيضا)65، بل هو مذهب الحنابلة كما سبق.

وقد علق الدردير على ذلك: (وهذا في الوقف الصحيح، وأما الباطل كالمساجد والتكايا التي بناها الملوك والأمراء بقرافة مصر، ونبشوا مقابر المسلمين، وضيقوا عليهم فهذه يجب هدمها قطعا ونقضها... وتباع لمصالح المسلمين أو يبنى بها مساجد في محل جائز، أو قنطرة لنفع العامة، ولا تكون لوارثهم إن علم؛ إذ هم لا يملكون منها شيئا، وأين لهم ملكها وهم السمّاعون للكذب الأكّالون للسحت يكون الواحد منهم عبدا مملوكا لا يقدر على شيء وهو كَلٌّ على مولاه، فإذا استولى بظلمه على المسلمين سلبهم أموالهم وصرفها فيما يغضب الله ورسوله...، وأما أوقافهم بوسط البلد فهي نافذة لأنها من مصالح المسلمين)66.

ثمـن الوقف:

في حالة جواز بيع الوقف أو جزء منه "حسب الحالات السابقة" فما الذي يجب أن يتجه إليه ثمن الوقف؟ للإجابة عن ذلك نقول: إن فيه تفصيلاً يتلخص فيما يأتي:

1. إذا بيع جزء من الوقف فإنه يصرف على تعمير الباقي أولاً، وإذا زاد عن ذلك فيوزع على مستحقيه، وإذا كان مسجدا فيصرف عليه وعلى مصالحه.

2. إذا بيع الوقف كله للأسباب السابقة فإن ثمنه لا بد أن يوجه إلى مثل له حسب الإمكان، فإن كان مسجدا يبنى به مسجد آخر في مكان مناسب، وإن كان دارا أو عمارة أو نحو ذلك: يبنى به ما هو مثله في الغرض حتى يؤدي دوره للمستحقين، وإن كان فرسا للجهاد يشترى بثمنها فرس أخرى للجهاد، أو أي شيء من وسائل الجهاد، وهكذا....67

هذا إذا وفّى ثمن الوقف بشراء وقف آخر مثله، فإذا لم يفِ بذلك يوجه الثمن للمساهمة في شراء وقف آخر مثله، نص عليه أحمد؛ لأن المقصود استبقاء منفعة الوقف الممكن استبقاؤها وصيانتها من الضياع، ولا سبيل إلى ذلك إلا بهذا الطريق68.

3. إذا كان الموقوف شجرة جفّت، أو قلعتها الريح، يباع ما بقي، ويصرف الثمن إلى الموقوف عليه في وجه عند الشافعية، أو يشترى به شجرة أو شقص من جنسها أو فسيل يغرس ليكون وقفا في الوجه الثاني عندهم69.

4. إذا كان الوقف حصر المسجد، أو أخشابه، أو أستار الكعبة ولم يبق فيها منفعة ولا جمال تباع ويصرف ثمنها في مصالح المسجد عند جماعة من الفقهاء، قال النووي: (والقياس أن يشترى بثمن الحصر حصير... قال الإمام: وإذا جوّزنا البيع فالأصح صرف الثمن إلى جهة الوقف)70، ثم قال الرافعي: (جميع ما ذكرناه في حصر المسجد ونظائرها هو فيما إذا كانت موقوفة على المسجد، أما ما اشتراه الناظر للمسجد، أو وهبه له واهب وقبله الناظر فيجوز بيعه عند الحاجة بلا خلاف... قال النووي: هذا إذا اشتراه الناظر ولم يقفه، أما إذا وقفه فإنه يصير وقفا وتجري عليه أحكام الوقف)71.

ومع هذا الترتيب فإن الشيء الذي يدور معه الوقف هي المصلحة الراجحة وما يحقق مقاصد الشرع ثمَّ الواقف.

شروط الاسـتبدال:

يشترط في الاستبدال ما يلي:

1- أن لا يكون في الاستبدال غبن فاحش لجهة الوقف وذلك لأن الغبن الفاحش يؤثر في عقد الوقف فيجعله باطلاً عند البعض، وغير لازم عند جماعة من الفقهاء قال ابن عابدين: (إن بيع الوصي مال اليتيم بغبن فاحش: باطل، وقيل فاسد، ورجح... وعلى هذا قيم الوقف)72، وجاء في الفتاوى الهندية: (وإن باعه أي الوقف بما لا يتغابن الناس فيه فالبيع باطل كذا في المحيط)73.

2- أن لا يكون في الاستبدال تغرير وغش، وإلا فيكون بيع الموقوف وشراؤه باطلين، أو فاسدين أو غير لازمين على اختلاف بين الفقهاء74.

3- أن لا يكون في الاستبدال تهمة، أي بأن لا يكون هناك قرائن تدل على وجود محاباة، أو تحقيق مصالح للقيّم، أو لأقاربه.

4- أن لا يتم الاستبدال بدين مؤجل، لاحتمال ضياعه بسبب المماطلة، أو عدم القدرة على الأداء75، أما إذا وجدت مصلحة في الاستبدال بالدين على ملأ غير مماطل فلا مانع منه.

5- أن يكون الاستبدال إما بنقد يشترى به وقف آخر، أو بعقار ليحل محله، حفاظا على الوقف76 حتى لا يسهل أكلها.

6- أن يتم البيع عن طريق قاضي الجنة حسب تعبير الحنفية77 أي القاضي العادل؛ لئلا يؤدي إلى التساهل في أوقاف المسلمين إلا في بعض حالات يجوز للقيم العادل أن يقوم هو ببيع الموقوف مثل أن يرغب إنسان في العين الموقوفة -غير المسجد- ببدل أكثر غلة وأحسن مكانا فيجوز على قول أبي يوسف وعليه الفتوى78.

تابع في هذا الموضوع:


 أستاذ ورئيس قسم الفقه والأصول بجامعة قطر والخبير بمجمع الفقه الإسلامي، بمكة المكرمة، وجدة وعضو المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث

[8]شرح منتهى الإرادات (2/406)

[9]الذخيرة ، ط . دار الغرب الإسلامي (6/326)

[10]مجموع الفتاوى (31/98)

[11]نوازل العلمي (2/313 ـ 314)

[12]المصدر السابق ( 2/344 ـ 345 )

[13]المصدر السابق ( 2/344 ـ 345 )

[14]المبدع في شرح المقنع ، ط . قطر (5/355 ـ 357) بتصرف غير مخل.

[15]مجموع الفتاوى (31/361)

[16]الفتاوى الهندية (2/478)

[17]فتاوى قاضيخان بهامش الفتاوى الهندية (3/292)

[18]المصدر السابق (3/397).

[19]حاشية ابن عابدين (3/387)

[20]الهداية مع فتح القدير (6/244 ـ 228)

[21]الغاية القصوى (2/649)

[22]المغني لابن قدامة (5/631)

[23]فتح القدير (6/221)

[24]يراجع حاشية الدسوقي (4/90 ـ 91)، وروضة الطالبين (5/357)، ويراجع: د. وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي (8/219)

[25]فتح القدير (6/237)، والمغني لابن قدامة (5/631)

[26]فتح القدير (6/221)

[27]فتح القدير (6/228)

[28]الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (4/94)

[29]الغاية القصوى (2/649)، والمغني لابن قدامة (5/636)

[30]المغني لابن قدامة (5/634)

[31]المغني لابن قدامة (5/634)

[32]فتح القدير (6/228)، ويراجع الشرح الكبير، وحاشية الدسوقي (4/92)

[33] مختصر الخليل مع الشرح الكبير وحاشية الدسوقي (4/92)

[34] أي إذا كان الوقف لجهة عامة، أما الوقف على معين فتكون نفقته على الموقوف عليه، انظر حاشية الدسوقي (4/90)

[35] فتح القدير (6/288)، وحاشية ابن عابدين (3/376)، وحاشية الدسوقي (4/90)، وروضة الطالبين (5/356 ـ 357)، والمغني (5/632).

[36] فتح القدير (6/221)، والفتاوى الهندية (2/417)

[37] الفتاوى الهندية (2/417)

[38] فتح القدير (6/228)، ويراجع الفتاوى الهندية (2/399)

[39] فتح القدير (6/228)

[40] المحلى (10/188)

[41] حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (4/89)

[42] العناية مع فتح القدير (6/236 ـ 237)

[43] الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ( 4/91 ) ، والغاية القصوى (2/649) ، والروضة ( 5/357 )

[44] انظر الحديث في صحيح البخاري مع الفتح ( 5/399 ) ، ومسلم (3/125)

[45] المغني لابن قدامة (5/632)

[46] مجموع الفتاوى (31/212)

[47] مجموع الفتاوى (31/214)

[48] المرجع السابق (31/215 ـ 216 ـ 217)

[49] المصدر السابق (31/217)

[50] المصدر السابق (31/219)

[51] رواه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة مع عون المعبود (2/260)، وأحمد في مسنده (5/145)

[52] مجموع الفتاوى (31/222 ـ 223)

[53] مجموع الفتاوى (31/225 ـ 226)

[54] مجموع الفتاوى (31/244)

[55] سنن أبي داود الحديث (3305)، الدارمي (2/184)، والبيهقي (10/82)، وابن الجارود الحديث (945)، وقد صحح الحديث ابن دقيق العبد، والألباني في الإرواء الحديث (2597)

[56] صحيح مسلم (2/1012)، وأحمد في مسنده (2/16 , 68 , 69 , 102) و (4/5)

[57] مجموع الفتاوى (31/246 ـ 249)

[58] المغني لابن قدامة ( 5/632 ـ 633 )

[59] المرجع السابق

[60] السنن الكبرى ( 5/159 )

[61] المغني ( 5/633 )

[62] المغني لابن قدامة ( 5/632 )

[63] المرجع السابق

[64] المغني لابن قدامة ( 5/632 )

[65] حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ( 4/91 )

[66] الشرح الكبير على مختصر خليل مع الدسوقي ( 4/91 )

[67] يراجع المغني لابن قدامة ( 5/633 ) ، والروضة ( 5/356 ـ 357) ، والشرح الكبير مع الدسوقي ( 4/90 )

[68] يراجع لتفصيل هذه الأحكام: فتح القدير مع شرح العناية (6/236)، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (4/91)، والروضة (5/356 ـ 357)، والمغني ( 5/633)

[69] الروضة (5/356)

[70] الروضة (5/357)

[71] الروضة (5/358)

[72] يراجع حاشية ابن عابدين (5/59)، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير (3/140)، وشرح ابن مياده الفاسي على تحفة الأحكام (2/38 ـ 40)، ويراجع لمزيد من التفصيل في إحكام الغبن: مبدأ الرضا والعقود، دراسة مقارنة، ط. دار البشائر الإسلامية، بيروت (2/742)

[73] الفتاوى الهندية (2/400)

[74] يراجع مبدأ الرضا في العقود دراسة مقارنة (1/600 ـ 704)

[75] الفتاوى الهندية (2/400)، ويراجع خلاصة أحكام الوقف في الفقه الإسلامي للشيخ علي حسب الله، ط . دار البيان العربي 1956 بالقاهرة (32-33)، و د . خليفة بابكر الحسن : "استثمار موارد الأوقاف "، بحث ضمن بحوث الدورة الثانية عشر لمجمع الفقه الإسلامي الدولي (ص18)

[76] الفتاوى الهندية (2/400)

[77] السعاف ( 22 )، والفتاوى الهندية ( 2/401 )

[78] المصادر السابقة، ويراجع الفقه الإسلامي وأدلته (8/222)