رعاية المصلحة في الوقف الإسلامي (تعقيب)
علاقة الوقف بالمصالح
وهذه التقريرات القيمة والتأصيلات الدقيقة أقف معها داعما ومؤيدا، مضيفا أو مفصلاً بعض المسائل المتعلقة بها، وهي:
1- الشعائر التعبدية.. توقيفية
الأمر الأول: أن العبادات (بمعنى الشعائر التعبدية، وليست بمعناها العام لكل عمل صالح يراد به وجه الله تعالى) -مع كونها مرتبطة بتحقيق المصالح للعاجل والآجل، للدنيا والآخرة- دلت دلائل معتبرة على أنها توقيفية من حيث الزيادة والنقصان، وبالتالي فإن المصالح المعتبرة فيها غير متعدية، وأن عللها (عند القول بكونها معللة) قاصرة حتى لا يقاس على أصل العبادة بزيادة عبادة أخرى، أو نقص عبادة ورد بها الشرع، وإن كان القياس بين الجزئيات واردا كما استعمل كثير من الفقهاء.
ومن هنا، ففي نظري المتواضع: هناك فرق بين كون العبادة توقيفية تعبدية وبين كونها منوطة بالمصالح في العاجل والآجل، وحتى القول بكونها معللة حيث لا تعارض بينهما؛ وذلك لأن الأدلة الشرعية (بل واستقراء النصوص) تدل على أن العبادات (الشعائر التعبدية) أيضا مرتبطة بتحقيق المصالح؛ فالعقيدة الصحيحة تحقق الأمن والاطمئنان والاستقرار للمؤمن {فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأمْنِ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} (سورة الأنعام: 81-82)، والصلاة -إضافة إلى كونها راحة للقلب وصلة بين العبد وربه- تنهى عن الفحشاء والمنكر {إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} (سورة العنكبوت: 45)، والصوم لتحقيق التقوى في النفوس، ولإصلاح الداخل، وترويض النفس على التعويد على الصبر والابتعاد عن المحرمات بعدما ترك المباحات طوال شهر كامل {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 183)، وقال أيضًا: {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (البقرة: 185)، والحج لشهود منافع دنيوية وأخروية واقتصادية وسياسية واجتماعية قال تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} (الحج: 28).
فالنصوص الشرعية دلت على وجود مصالح دنيوية وأخروية في هذه العبادات، كما أن نصوصًا كثيرة أيضًا دلت على عدم الزيادة والنقصان من حيث المبدأ، وعلى عدم جواز استحداث البدعة فيها حماية لهذه الأمة على توازنها بين أمور الدين والدنيا، ولعدم وقوعها في الرهبنة التي ابتدعها النصارى، ثم لم ينجحوا فيها، بل {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} (الحديد: 27)، فأصبح لهذه العبادات ميزان خاص على التوقف بهذا الاعتبار، في حين أن غير العبادات لها ميزان خاص وهو أن الإبداع فيه مطلوب، بل لا يتحقق التعمير القائم في هذا الكون ولا الاستخلاف إلا من خلاله.
- المصالح كلها معتبرة..!
ومن جانب آخر فإن شيخنا العلامة ابن بيّه ذكر أقوال الفقهاء والأصوليين في أن المصالح ثلاثة أقسام، وهي المصالح المعتبرة، والمصالح الملغاة، والمصالح المرسلة. وفي نفسي حول هذا التقسيم شيء كثير أجد فرصة لعرضه على أصحاب الفضيلة للتقويم والتأصيل والمناقشة، وإن كنت أستوعب الأسباب التي دعت الأصوليين إلى هذا التقسيم، وهي أنهم يبحثون عن المصالح في إطار المناسب المؤثر (العلة)، وبالتالي فالمصالح المرسلة غير صالحة للقياس.
ومع ذلك إنني أعتقد أن هذا التقسيم غير دقيق، أو يحتاج إلى تفصيل وتحرير للنزاع، وذلك لما يأتي:
أولاً: أن المقصود بالمصالح التي هي من مقاصد الشريعة ليست المصالح التي تنبع من الأهواء حيث قال الشاطبي: (المصالح المجتلبة شرعا، والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية أو درء مفاسدها العادية... فالمعتبر إنما هو الأمر الأعظم، وهو جهة المصلحة التي هي عماد الدين والدنيا، لا من حيث أهواء النفوس؛ حيث إن العقلاء قد اتفقوا على هذا النوع في الجملة، وإن لم يدركوا من تفاصيلها قبل الشرع ما أتى به الشرع، بحيث منعوا من اتباع جملة من أهوائهم بسبب ذلك...).
فإذا فسرنا المصالح بهذا المعنى فهي كلها معتبرة، ولكن بعضها منصوص عليها، وبعضها غير منصوص عليها بنص خاص، ولكنها داخلة في عموم النصوص العامة.
وعلى ضوء ذلك يكون التقسيم الصحيح هو أن المصالح نوعان؛ مصالح منصوص عليها، ومصالح غير منصوص عليها، فيكون التقسيم ثنائيا.
ثانيا: إن الشريعة الإسلامية حرمت الأشياء أو أباحتها على ضوء الغلبة، حيث قال الشاطبي: (فإن المصالح الدنيوية -من حيث هي موجودة- لا يتخلص كونها مصالح محضة... كما أن المفاسد الدنيوية ليست بمفاسد محضة من حيث مواقع الوجود... وذلك أن هذه الدار وضعت على الامتزاج بين الطرفين والاختلاط بين القبيلين، فمن رام استخلاص جهة فيها لم يقدر على ذلك، فإذا كان كذلك فالمصالح والمفاسد الراجعة إلى الدنيا إنما تفهم على مقتضى ما غلب، فإن كان الغالب جهة المصلحة فهي المصلحة المفهومة عرفا، وإذا غلبت الجهة الأخرى فهي المفسدة المفهومة عرفا؛ ولذلك كان الفعل ذو الوجهين منسوبا إلى الجهة الراجحة)1.
ثم قال الشاطبي: (وأما... من حيث تعلق الخطاب بها شرعا فالمصلحة إذا كانت هي الغالبة عند مناظرتها مع المفسدة في حكم الاعتياد فهي المقصودة شرعا، ولتحصيلها وقع الطلب على العباد، ليجرى قانونها على أقوم طريق وأهدى سبيل... وكذلك المفسدة إذا كانت هي الغالبة بالنظر إلى المصلحة في حكم الاعتياد، فرفعها هو المقصود شرعا، ولأجله وقع النهي)2.
ثم أوضح الشاطبي: أن المصالح المعتبرة شرعا، أو المفاسد المعتبرة شرعا وهي خالصة غير مشوبة بشيء من المفاسد لا قليلاً ولا كثيرا، وإن توهم أنها مشوبة فليست في الحقيقة الشرعية كذلك؛ لأن المصلحة المغلوبة أو المفسدة المغلوبة لا تقتضي التفات الشارع إليها (وهذا المقدار هو الذي قيل: إنه غير مقصود للشارع في شرعية الأحكام)3.
وهذا هو منهج القرآن الكريم الذي أوضحه عند الحديث عن الخمر، فقال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} (البقرة: 219)؛ ولذلك حرمها الله تعالى حيث بيّن هذا الإثم فقال: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنصَابُ وَالأزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُم مُّنتَهُونَ} (المائدة: 90، 91).
فعلى ضوء ذلك لا نقول: إن المصالح هنا ملغاة، وإنما هي مرجوحة فلا اعتبار لها، وكذلك الأمر في الربا الذي يعطي الفوائد للمرابي، ولكن على حساب الظلم للمجتمع إضافة إلى المفاسد الاقتصادية وغيرها، وبالتالي فالربا أصبح في عرف الشرع مفسدة معتبرة خالصة.
وكذلك ينبغي ألا نقول إن مصالح المجاهد الذي يدافع عن دينه ملغاة؛ لأنها أساسا مرجوحة أمام المصالح الأخروية له أيضا، والمصالح الدنيوية والأخروية للمجتمع، إضافة إلى أن ضرورة الدين مقدمة على ضرورة النفس في حالة الجهاد، وبالأخص جهاد الدفع، وهكذا فعلى ضوء ذلك فالجهاد مصلحة معتبرة شرعاً أو مصلحة محضة في نظر الشرع.
وبناء على ذلك، فهذا التقسيم الثلاثي الذي ذكره معظم الأصوليين ربما يكون مبنيا على النظرة الجزئية، وليست النظرة الشرعية؛ فالنظرة الشرعية تقتضي القول بأن الشريعة جعلت هذه الأشياء التي أمر بها مصالح محضة والتي نهت عنها جعلتها مفاسد محضة.
2 - الوقف معقول المعنى مصلحي الغرض
الأمر الثاني: أن الوقف معقول المعنى مصلحي الغرض، حيث يجمع بين الهبة والصدقة، وأفاض العلامة ابن بيّه في هذا المجال. ونحن معه في ذلك حتى في الوقف الخيري الذي يراد به التصدق لوجه الله تعالى، فهو وإن كان من باب التعبد، لكنه يعقل معناه، وتظهر منه بوضوح المصالح المعتبرة للعاجل والآجل من دفع الحوائج، وعلاج المرضى، وتحقيق التنمية والتكافل الاجتماعي إلى غير ذلك من المصالح المعتبرة المبتغاة من الوقف.
فهو مثل الزكاة التي هي -مع أنها ركن من أركان الإسلام- معقولة المعنى، بل معللة بعلل مؤثرة متعدية، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الوقف على الأغنياء فقط: (... والصحيح الذي دل عليه الكتاب والسنة والأصول: أنه باطل؛ لأن الله تعالى قال في مال الفيء: {كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَاءِ مِنْكُمْ}، فمن جعل الوقف للأغنياء فقط فقد جعل المال دُولة بين الأغنياء)، ثم قال: (إن بذل المال لا يجوز إلا لمنفعة في الدين أو الدنيا، وهذا أصل متفق عليه بين العلماء... فالوقف عليهم خالٍ من انتفاع الواقف في الدين والدنيا، فيكون باطلاً)4.
وهذا الكلام واضح على أن الوقف مرتبط بمقاصده من تحقيق المصالح في الدنيا والآخرة، أو في إحداها.
وقال أيضا: (الناظر ليس له إلا أن يفعل شيئا في أمر الوقف إلا بمقتضى المصلحة الشرعية، وعليه أن يفعل الأصلح فالأصلح، وإذا جعل الواقف للناظر صرف من شاء، وزيادة من أراد زيادته ونقصانه... وإنما ذاك تخير مصلحة لا تخير شهوة... ويتبع فيه المصلحة الشرعية)5.
وجاء في شرح العناية للهداية: (ومحاسن الوقف ظاهرة)6، وجاء في حاشية القليوبي على شرح المحلى: (ويشمل الكافر... لأن الوقف ليس قربة محضة)7.
تابع في هذا الموضوع:
-
علاقة الوقف بالمصالح
[1]الموافقات (2/339-340)
[2]المصدر السابق (2/340)
[3]المصدر السابق (2/341)
[4]مجموع الفتاوى (31/32-34)
[5]المصدر السابق (31/67-68)
[6]شرح العناية على الهداية (6/200)
[7]حاشية القليوبي على شرح المحلى على شرح المنهاج (3/98) .


















