المحافظون.. من رؤى المجتمع إلى العولمة والإمبريالية
في اللغة الدارجة نجد لتعبير "محافظ" معاني كثيرة منها ما له دلالات سلبية، ومنها ما له دلالات إيجابية، فمن الممكن أن يشير إلى السلوك الحذر أو المعتدل، أو أسلوب للعيش محافظ أخلاقيا، أو يصف اتجاها يميل إلى الخوف من كل ما هو جديد أو يرفض التغير والتغيير. ولكن في مجال الأيدلوجيات ودراسة المذاهب السياسية يعد الفكر المحافظ مدرسة فكرية بارزة على خريطة الفكر الغربي، وقد استخدم مصطلح "الفكر المحافظ" للتعبير عن أيديولوجية سياسية مميزة في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي. وقد ظهرت هذه الفكرة نتيجة للتغير السريع في الاقتصاد والسياسة الذي تزامن مع الثورة الفرنسية عام 1789، والتي أثارت ردود أفعال لدى العديد من القوى الفكرية والاجتماعية التي وجدت في هذا التحول السريع تهديدا للاستقرار السياسي والنظام الثقافي الأوروبي.
ولعل منشأ مبادئ الفكر المحافظ هي تلك التي تضمنها كتاب إدموند بيرك "تأملات في الثورة في فرنسا" مع ختام القرن الثامن عشر، والذي كان يأسف للتغيير الثوري الذي حدث "للنظام القديم". وخلال القرن التاسع عشر، حدث تحول للدول الغربية أحدثه الضغط الذي سببته الثورة الصناعية، والذي انعكس في نمو الليبرالية، الاشتراكية، والقومية.
وفي حين تطلعت هذه الأيديولوجيات للإصلاح وفي بعض الأحيان ساندت الثورات، وكان الفكر المحافظ يقف مدافعا عن النظام الاجتماعي التقليدي الذي كان محاصرا آنذاك، بل وعن الملكية وتطويرها دستوريا، لا هدمها.
وقد تغير الفكر المحافظ من فترة إلى أخرى ليواكب التحولات من ناحية، ويحافظ على التقاليد والأعراف من ناحية أخرى، ولم تقف المحافظة البريطانية عند أفكار بيرك بل تجاوزتها، ففي القرن التاسع عشر دافع المحافظون البريطانيون عن نظام اقتصادي واجتماعي قد تغيرت ملامحه تغييرا كبيرا عن ذي قبل، وعلى الأخص النقد القوي للسلطة المطلقة، وكان ذلك من تداعيات الثورة الإنجليزية في القرن السابع عشر. والأنظمة المحافظة الأوروبية، وخاصة في ألمانيا وإيطاليا، لم تتقبل بسهولة النظام الديمقراطي والإصلاح الاجتماعي إلا مع انتهاء الحرب العالمية الثانية وظهور الأحزاب المسيحية الديمقراطية في أوروبا لتجمع بين الحرص على الأصالة والدفاع عن الديمقراطية.
وعلى صعيد الولايات المتحدة نجد أنها تأثرت تأثرا أقل نسبيا بالأفكار المحافظة، فقد تكونت الولايات المتحدة بعد حرب طويلة وناجحة ضد المستعمر البريطاني، ويعكس نظام الحكومة الأمريكي وثقافتها السياسية القيم الليبرالية التي تأسست بها، ولم يحدث حتى الستينيات أن تم التعبير عن الأفكار المحافظة علانية داخل كل من الحزبين، والذي بدأ بالذات كوصف لبعض الديمقراطيين الجنوبيين وجناح من الحزب الجمهوري برز في الستينيات بقيادة السيناتور باري جولدووتر، والذي ساند رونالد ريجان في السبعينيات والثمانينيات حتى أصبح حاكما لولاية كاليفورنيا ثم رئيسا عام 1981 وحتى 1989.
وكما ظهر الفكر المحافظ كرد فعل للثورة الفرنسية ونمو المدن وثقافة الحداثة في الغرب، فإنه ليس من السهل نشر الفكر المحافظ خارج حدود أوروبا وأمريكا الشمالية، ففي آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ظهرت تحركات سياسية سعت إلى رفض التغيير والحفاظ على طرق الحياة التقليدية، إلا أنها نادرا ما كانت توظف قيم وجدل الفكر المحافظ الغربي كما تفعل التيارات الليبرالية أو الاشتراكية، ويصعب مقارنتها به. فليس كل صوت يدعو لاحترام التقاليد في إيران أو اليابان محافظ بالمعنى الاصطلاحي المذهبي أو يمكن مقارنته بالمحافظة الغربية.
وعلى الرغم من أن الفكر المحافظ هو أكثر الأيديولوجيات السياسية تبسيطا من الناحية الفكرية والفلسفية، فإنه بقي قويا ربما لهذا السبب تحديدا. وقد ازدهر الفكر المحافظ؛ لأنه لم يكن يريد أن يظل متقيدا بنظام ثابت من الأفكار الجامدة. وقد حدث إحياء للقيم المحافظة في السبعينيات مع الصراعات السياسية لاستعادة القوة والمكانة الإقليمية في عدد من الدول مثل ألمانيا، كندا، الدانمارك، والمملكة المتحدة، ونخص بالذكر في هذا المقام حكومة تاتشر في المملكة المتحدة، وإدارة ريجان في الولايات المتحدة، فكلاهما اتبع طريقة أيديولوجية جذرية غير مسبوقة في الفكر المحافظ سميت بـ"اليمين الجديد"، وكانت هذه الأفكار تهاجم بشدة تقييد اقتصاديات السوق مناقضة بذلك الفكر المحافظ الذي كان تقليديا ضد اقتصاد السوق ومع الإدارة الاقتصادية القوية، وهو ما أحدث الكثير من الانقسامات داخل الفكر المحافظ.
وقد تساءل بعض الباحثين عما إذا كانت "الريجانية " أو " التتشرية" تنتمي أصلا للفكر المحافظ، فعلى سبيل المثال وصف الاقتصادي البارز ملتون فريدمان مارجريت تاتشر بأنها ليبرالية من القرن التاسع عشر.
ومع أن "اليمين الجديد" كان يتحدى النظام التقليدي للفكر المحافظ في مجال السياسة الاقتصادية، فإنه لا يزال يعتبر جزءا من هذا الفكر. فأنصاره لم يهملوا القيم الاجتماعية التقليدية للاتجاه المحافظ، مثل الإيمان بالنظام، السلطة، والانضباط بل في أغلب الأحيان عملوا على تقوية هذه المفاهيم. وإن انقسم المحافظون الغربيون ما بين المساندة لتدخل الدولة في مجال الضمان الاجتماعي والخدمات الأساسية ودعم المستضعفين اقتصاديا من ناحية، والالتزام الليبرالي بالسوق الحر من ناحية أخرى. وتنبع أهمية "اليمين الجديد" في سعيه للحصول على التأييد الانتخابي للمحافظين عن طريق إعادة صياغة التوازن بين هذه التقاليد لصالح الاتجاه الليبرالي سياسيا.
لم تكن تسمية "المحافظين" هي التسمية التي اختارها المحافظون لأنفسهم بالضرورة، حيث إنهم دأبوا على تسمية الاتجاه الذي يؤمنون به بالسلوك العقلي أو "الإدراك السليم" وليس أيديولوجية. فاللورد هيوج سيسيل على سبيل المثال كان يصف المحافظة بأنها "النزعة الطبيعية للعقل البشري"، بينما قال آخرون إن ما يجعلها مميزة هو تركيزها على التاريخ والخبرات المتراكمة إنسانيا، ونقدها للتفكير الرشيد بالمعنى البراجماتي النفعي، فنقادهم أهملوا وزن النظريات التي تدعم "الإدراك السليم" للمحافظين، فللمحافظين رأي يحترم في الإمكانات الرشيدة المحدودة للإنسان. والمحافظة قامت بناء على مجموعة معينة من المعتقدات السياسية عن الإنسان، والمجتمعات التي يعيش فيها، وأهمية وجود مجموعة مميزة من القيم السياسية. وعلى هذا الأساس من الممكن أن يطلق عليها: أيديولوجية، وأهم مرتكزات هذه الأيديولوجية الآتي:
1-التقليدية:
يجادل المحافظون ضد التغيير على عدد من المحاور، فالدفاع عن التقليدية هو أحد المواضيع المستمرة والرئيسية في الفكر المحافظ، بالإضافة إلى الرغبة في الحفاظ على المؤسسات القائمة بالفعل. بينما على الوجه الآخر نجد الليبراليين يذهبون إلى أنه لا يجب تقييم المؤسسات على أساس استقرارها وبقائها لفترة طويلة، ولكن إلى أي مدى تستطيع هذه المؤسسة تحقيق الأهداف التي قامت من أجلها، فإذا أخفقت هذه المؤسسات في هذا الاختبار كان علينا أن نعيد إصلاحها وهيكلتها، أو نقوم بإلغائها إذا ما لزم الأمر، فعلى سبيل المثال هناك ليبراليون في الكثير من الدول نجحوا في إثبات أن مؤسسة الحكم الملكي تعتبر مؤسسة زائدة عن الحاجة في العالم الجديد وعلى هذا فإنه يجب التخلص منها، أما المحافظون فهم يعترضون على ذلك اعتراضا شديدا ويرون أن المؤسسات القديمة يجب أن يتم الإبقاء عليها؛ وذلك لأنها نجحت في تحقيق أهدافها عبر التاريخ وتختزن خبرات ولها رمزية وطنية. وقد يعكس هذا المنظور جذور نظرة دينية عقائدية مسيحية للمذهب المحافظ، فإذا كان الله تعالى هو الذي خلق هذا الكون وهو مدبر أمره، فإنه يجب اعتبار المؤسسات والهيئات "هبة من الله"؛ ولذلك فهي لا يصح أن تتغير، والمجتمع تشكله حكمة إلهية، فإذا عبث البشر بالقانون الذي وضعه الله فإنهم بذلك يتحدون إرادته وبالطبع سوف يجعلون حياة الإنسان أشقى بدلا من جعلها أفضل.
ومنذ القرن الثامن عشر، كان من الصعب الحفاظ على عقيدة "التقليدية تعكس رغبة الرب"، وكان من الممكن أن يؤمن مفكر مثل بيرك أن الملكية كانت معينة من قبل الله سبحانه وتعالى، حيث إنها قديمة ولا زالت فعالة ومقبولة في مناطق كثيرة من العالم. ولكن مع تزايد سرعة عجلة التاريخ، واستبدال المؤسسات الحديثة بالقديمة، مثل النظام الانتخابي وحق الانتخاب العام، تبين أن هذه المؤسسات من صنع الإنسان وليست من صنع الله أو مسلم بها على أنها غير قابلة للتغيير أو التحويل.
إلا أن معظم المحافظين يتبعون منهجهم بغير الحاجة أن يعرفوا أصوله الدينية إن وجدت، فبيرك على سبيل المثال وصف المجتمع بأنه شراكة بين "الأحياء" و"الأموات" و"الذين لم يولدوا بعد"، بينما عبر عنها الروائي والكاتب الإنجليزي ج. ك. تشسترسون بقوله "التقليدية معناها التصويت لصالح أكثر الطبقات غموضا وهم الأجداد" فهي "ديمقراطية الأموات، فهي لا تعترف بالخضوع لحكم الأقلية المتغطرسة التي تمشي هنا وهناك" (ويقصد بذلك الأحياء)، وهي بهذا المنطلق تعكس الخبرات والحكمة المنتمية للماضي، فإن المؤسسات القديمة تم "اختبارها" بالفعل عبر التاريخ، وعلى هذا الأساس فإنه يجب الاحتفاظ بها لكي تخدم الأجيال القادمة. وفي هذا الصدد نشعر أن هناك تأثرا كبيرا بالنظرية الداروينية للتطور، فحيث إن البقاء للأصلح، فإن هذه المؤسسات ولدت لتبقى وتستمر وإلا ما كانت قد عاشت كل هذه المدة، وكأنها استمرت نتيجة "الانتخاب الطبيعي". وكما أشرنا على سبيل المثال نجد أن محافظي المملكة المتحدة يحافظون على الملكية البريطانية؛ لأنها تجسد الخبرة والحكمة التاريخية، فالتاج البريطاني زود المواطنين بحس وطني عالٍ يعلو على الأحزاب والسياسة، وببساطة فإنه في رأيهم نجح.
فالتغيير لدى المحافظين يعتبر رحلة إلى المجهول ويعطي شعورا بعدم الأمان وعدم الثقة ولذلك فهو يزيل أسباب السعادة من البشر، وعلى هذا الأساس نجد أن المحافظة لم تتضمن فقط المؤسسات السياسية التي أثبتت كفاءة واستمرارية عبر الزمن، بل هي تشمل جميع التقاليد والأعراف المألوفة والمتفق عليها ضمنيا والتي تولد الإحساس بالأمان والراحة، من إصرار القضاة على ارتداء الروب التقليدي وباروكة الشعر وحتى حملات المحافظة على التقليدي، مثلا لون وشكل صناديق البوستة وأكشاك التليفون.
2-قصور العقل الإنساني:
إذا كانت بعض الأيديولوجيات تفترض أن الإنسان يميل للخير بالفطرة، أو إذا كانت الظروف تسمح وتصور المجتمع البشري على أنه يتمتع بالكمال في بيئة مثالية ومجتمع مثالي، فإن المحافظين يستبعدون هذه الأفكار ويعتبرونها حلما من المستحيل تنفيذه، وينظرون إلى المجتمع البشري على أنه مجتمع غير كامل ولا يستطيع أن يكون كذلك. ومفهوم الكمال البشري أو الإنساني له أكثر من صورة، ففي المقام الأول نجد أن المخلوقات البشرية هي مخلوقات محدودة نفسيا ولا تستطيع الاعتماد على نفسها، وفي نظر المحافظين، فإن الإنسان لا يستطيع الانعزال أو تحمل عدم الاستقرار، وإنه –لذلك- ينجذب دائما نحو المألوف والطبيعي، وقبل كل شيء فإنه يسعى للأمان عن طريق معرفة موقعه و"مكانه". ونلاحظ اختلاف هذه الصورة المرسومة للجنس البشري بواسطة المحافظين عن تلك التي رسمها الليبراليون والتي تبرز الإنسان معتمدا على نفسه، جريئا، واعيا بمنفعته ومصلحته. وكان لاعتقاد المحافظين في احتياج الإنسان للأمان والانتماء أثره عندما شددوا على حتمية النظام الاجتماعي، والشك في وعود الليبرالية، فالنظام يضمن لحياة الإنسان الثبات، ومن الممكن توقع المستقبل بدرجة كبيرة، على عكس الليبرالية التي تفرز أفرادا مغامرين لهم القدرة على الاختيار المستقل وبالتالي تغيير وتهديد أمن واستقرار المجتمع. ولطالما ظل المحافظون يرددون شعارات توماس هوبز التي كان يقول فيها إنه مستعد للتضحية بالحرية في سبيل النظام الاجتماعي القويم.
وعلى صعيد آخر، نجد أن فلاسفة محافظين عديدين قد تتبعوا أصول السلوك اللاأخلاقي أو الإجرامي في المجتمع، ويؤمن المحافظون أن الإجرام له جذوره في جميع أنفس الأفراد، فالكائنات البشرية غير كاملة بطبيعتها، فيتبنى المحافظون نظرة "هوبزية" متشائمة للطبيعة الإنسانية، فالإنسان يفترض أنه أناني بالفطرة وغير كامل البتة. وبالنسبة لمعظم المحافظين فإن ذلك يرجع أساسا إلى اعتقاد ديني في فكرة "الخطيئة الأساسية"، فالجريمة ليست نتاج الظروف الاجتماعية مثل الفقر أو عدم المساواة، ولكنها نتيجة للغرائز والشهوات الطبيعية، وعلى ذلك فإن الإنسان لا يستطيع أن يسلك المسلك القويم إلا إذا تم ردعه بواسطة القانون عن ممارسة رغباته العنيفة التي لا تناسب المجتمع، والقانون يرتكز لفلسفة العقاب حتى لا يخرج عنه أحد، ولذلك يؤمن المحافظون بالسجن لفترات طويلة أو حتى الإعدام كأمثلة لأنواع العقاب المختلفة، في مقابل الليبراليين الذين يكافحون من أجل إلغاء تلك العقوبات باعتبارها وحشية وضد حقوق الإنسان أيا كان حجم الجريمة، ونتيجة لكل هذا نرى أن مفهومي النظام والقانون متقاربان للغاية في ذهن المحافظين وكأنهم دمجوا وأضحوا مفهوما واحدا.
والطاقة الفكرية للجنس البشري أيضا بالنسبة لهم محدودة للغاية، فهم يؤمنون أن العالم معقد جدا على أن يعيه بالكامل العقل البشري، والعالم كما يراه الفيلسوف الإنجليزي مايكل أوكشوت (1901-1990)، ليس له حدود أو أعماق، ويمكننا أن نفهم من ذلك لماذا يعارض المحافظون الأفكار المجردة أو النظريات التي تدعي القدرة على تفسير العالم كالماركسية، فهم يفضلون أن يضعوا أي نظرية لهم على أساس من التاريخ، ويتبنون نظرة معتدلة، حذرة، ورصدية تاريخية للعالم، متجنبين قدر الإمكان الإغراق في المعتقدات النظرية. وإذا كانت هناك أيدلوجيات، مثل الليبرالية والاشتراكية تتبنى الإصلاح أو حتى الثورة من منطلق أن الإنسان يعي جيدا ماهيته ودوره في الحياة وما يناسبه، فالمحافظون يرون هذا تصورا متعجرفا ومضللا، وشعارات مثل الحرية والمساواة وحقوق الإنسان يراها المحافظون شديدة الخطورة عندما تؤخذ على أنها الطريق لإعادة صياغة وإصلاح العالم، وذلك يفسر رأي المحافظين في أن الثورة وإعادة الإصلاح سوف تضر البشرية ولن تقدم شيئا. وعلى سبيل المثال فقد قالوا إن الثورتين الفرنسية والروسية نتج عنهما إرهاب وظلم يختلف اختلافا جذريا عن الحلم الذي كان في أذهان الثوار أنفسهم قبل القيام بالثورة.
3-المجتمع العضوي:
النظرة المحافظة للمجتمع تختلف عن النظرة الليبرالية، فالليبراليون يؤمنون بأن المجتمع يتكون من تصرفات الأفراد التي تعتمد على المصلحة الشخصية لكل فرد، ويسير المجتمع في النهاية نحو الانسجام بطبيعية، أو بفعل "اليد الخفية" التي تحدث عنها آدم سميث رائد الليبرالية الاقتصادية بطريقة نظرية (والتي هي أقرب لفكرة الحكمة واللطف الإلهي في الفكر الديني)، وهو ما يعترض عليه المحافظون، حيث قالت مارجريت تاتشر ذات مرة إنه لا يوجد ما يسمى بالمجتمع، وإنما هم أفراد وعائلات فقط. ويرد المحافظون بأن هذه الصورة "ذرية" إلى حد ما بمعنى أنها مبنية على أساس تظاهر الأفراد بأنهم يريدون الاعتماد على أنفسهم، ويؤمن المحافظون -كما سبق الذكر- أن الإنسان مخلوق ضعيف يسعى إلى المجتمع وإلى الصحبة التي يستطيع الاعتماد عليها، وأن الإنسان لا يستطيع التخلي عن المجتمع؛ لأنه جزء من الجماعة التي تنشئه: العائلة، الأصدقاء، الزملاء... إلخ وهذه الجماعات هي التي تعطي الإحساس بالقيمة، ولهذا نجد أن المحافظين لا يستطيعون فهم "الحرية السلبية" على أساس أنها تترك الفرد وحيدا، فالحرية ليست كذلك، وإنما هي قبول الحقوق والواجبات الاجتماعية التي تربط الأفراد ببعضهم البعض، والحرية تشمل "أداء الفرد لواجبه"، فعلى سبيل المثال عندما يرشد الأهل أبناءهم فإنهم بذاك لا يقيدون حرياتهم، وإنما يوجهونهم لما فيه مصلحتهم، فإذا تصرف الابن أو الابنة بوعي وإدراك لواجباتهم وحقوقهم وأطاعوا والديهم فإنهم يكونون بذلك قد تصرفوا بحرية. ويرى المحافظون أنه إذا تصرف الإنسان بناء على حقوقه فقط بغض النظر عن واجباته فإن المجتمع بذلك يكون مجتمعا فرديا ولا جذور له.
ونظرية المحافظين في نشأة المجتمعات ترى أن الجماعات البشرية تكونت بطريقة طبيعية وليس نتيجة لأي صورة من الإرادة الفردية كما في نظرية العقد الاجتماعي، أو نتيجة للاحتياج الاقتصادي المتبادل، فأكثر المؤسسات الاجتماعية أهمية وهي الأسرة تتكون ببساطة من تراحم الأم والأب لإنجاب ورعاية الأطفال، ولا نستطيع القول بأي حال من الأحوال إنه كان هناك عقد بين الأطفال وذويهم يقتضي أن يقوم الأهل بالتربية حتى يصل الأبناء إلى سن معينة! فالمجتمع أنشئ قبل إرادة الفرد، والمجتمع يشبه الكائن الحي الذي تعمل أعضاؤه في تناغم وتعاون، وكل عضو من أعضاء المجتمع (الحكومة، العائلة، الكنيسة، العمل وهكذا) يلعب دورا معينا في الحفاظ على "صحة" و" سلامة" المجتمع. وهو ليس -كما يقول الليبراليون– ماكينة تم تصميمها بواسطة الراشدين والعقلاء؛ ولذلك يمكن تغييرها متى اقتضى الأمر، بل المجتمع كالكائن البشري، تم تصميمه بواسطة الله والتاريخ والطبيعة، ولذلك فلا يمكن العبث به أو تغييره وإنما يجب أن يترك كما هو؛ لأنه بالفعل على أحسن صورة.
وتعتبر الأسرة النموذج الأمثل لكل المؤسسات الاجتماعية، ولهذا فيجب أن تكون محمية بل -وفي بعض الأحيان- مدعومة، فهي ليست من صنع مذهب أو نتاج تفكير لأحد المفكرين أو أصحاب النظريات السياسية، وإنما هي نتاج المشاعر الإنسانية المجتمعية، مثل الحب والرعاية والمسئولية، فالأسرة توفر لأفرادها الأمان والحماية، كما أنها تعلمهم الإحساس بالواجب واحترام الآخرين، وعلى هذا الأساس يرى المحافظون أن الأسرة السليمة هي أساس قيام المجتمع الصحيح، وهذا يفسر حرص المحافظين الشديد على الأسرة وتكوينها، ووقوفهم الحازم ضد تهديد المادية والإباحية، حتى في حالة المحافظين الجدد الذين يقبلون بحرية السوق.
وتختلف المحافظة عن الاتجاهات السياسية الأخرى التي تركز على الدور الاجتماعي للدين، فهو ليس فقط ظاهرة روحانية ولكنه أيضا الدعامة الأساسية للمجتمعات التي يجب أن تقوم على مجموعة من الأسس والقواعد الأخلاقية التي يوفرها الدين، وعلى هذا الأساس نجد أن هناك علاقة وثيقة بين الدين ورؤية المحافظين للمجتمع وأسس إدارته وتماسكه، وترفع الأحزاب المحافظة التي تحمل تسمية "الديمقراطية المسيحية" في أنحاء أوروبا من شأن فضائل وقيم المسيحية، ويحظى الحزب الديمقراطي الإيطالي المسيحي مثلا بعلاقة قريبة ومتميزة بالفاتيكان.
ويرفض المحافظون ترك المسائل الأخلاقية للفرد كما كان يقترح بعض الليبراليين، مثل جون ستيوارت ميل؛ لأنه إذا تُركت الأخلاق في أيدي الأفراد، كان هناك اختيار شخصي فيها مما يعرض النسيج الذي يقوم عليه المجتمع للخطر، ولذلك فإن الأخلاقيات هي موضوع غير قابل للاختيارات، ويستطيع المجتمع الحفاظ على كيانه وبقائه عن طريق المحافظة على مجموعة القيم الأخلاقية والمجتمعية الموجودة به، ويكون ذلك بالرفع من شأن احترام الدين والكنيسة، وفي بعض الأحيان يُضطر إلى استخدام قوة القانون. ويرى المحافظون أن القانون ليس مجرد وسيلة للحفاظ على النظام العام، وإنما أيضا للحفاظ على القيم الأخلاقية والاجتماعية، وهو ما يعترض عليه الليبراليون بشدة، فقانون مثل تجريم ازدراء الأديان أو فرض الرقابة يفسره المحافظون بالتفسير السابق، فما يراه الناس في التلفاز أو يقرءونه في الكتب يجب أن يكون خاضعا لرقابة الجماعة؛ وذلك لحماية المجتمع من اللاأخلاقية، في حين يرى الليبراليون أن هذا ضد الحرية الفردية بالكامل.
أيضا المحافظون يؤمنون بفكرة "الأمة"، فالأمم مثلها مثل الأسر تتكون بطريقة طبيعية، وفي هذه الحالة يكون تكونهم نتيجة الانجذاب الطبيعي لمن لهم نفس الثقافة أو الدين أو العرق أو المكان، وعلى هذا الأساس يعتبر خوف المحافظين من الأجانب والمهاجرين إليهم وموقفهم الحريص ضد سياسات اللجوء السياسي والعمالة الوافدة لأوروبا وأمريكا (خاصة من العالم الإسلامي) أمرا متوقعا في ضوء أفكارهم؛ وذلك لأنهم ينظرون للقادمين من ثقافات أخرى على أنهم قد يهددون الترابط الاجتماعي. وعلى الجانب الآخر نرى أن الليبراليين يرحبون بالتعددية الاجتماعية والثقافية، بينما تساور المحافظين الشكوك حول فكرة الثقافات أو المجتمعات المتعددة. والبشرية والإنسانية بالنسبة لهم ليست عامة، فكل مجموعة من البشر يشتركون في هوية بشرية محددة، وكل مجموعة من الأمم للحفاظ على قوتها وهويتها، وتشك في سلوك ونوايا الأمم الأخرى.
4-السلطة:
ومن الموضوعات المميزة للفكر المحافظ تركيزه على أهمية وجود السلطة، فهم لا يتفقون مع اللبراليين في أن السلطة هي نتيجة عقد تمت صياغته بواسطة المواطنين الأحرار، فيرى الفكر الليبرالي أن السلطة أنشأها المواطنون أنفسهم من أجل مصلحتهم الشخصية، وطبقا لنظرية العقد الاجتماعي، يوافق المواطنون على أن يتم "حكمهم" بنظام ما، على عكس المحافظين الذين يرون أن السلطة -شأنها شأن المجتمع- تتطور طبيعيا. فالأهل لهم سلطة على الأبناء أثناء فترة الصغر بغير وجود أي صيغة للعقد بينهم، فالسلطة تنشأ من الاحتياج إليها وتأتي من أعلى، والسلطة نابعة من طبيعة المجتمع ذاته وكل المؤسسات الاجتماعية، ففي المدرسة تمارس السلطة من قِبل المدرس، وفي العمل من قبل رب العمل، وفي المجتمع ككل من قبل الحكومة. ويؤمن المحافظون أن السلطة ضرورية؛ لأن الجميع يحتاج للرشاد والتوجيه والأمان وتحديد المواقع والمسئوليات، وعلى ذلك فإن مفهوم السلطة يقابله بديل الفوضى أو التفكك الاجتماعي الناتج عن انعدام القيم.
كل ذلك دفع المحافظين إلى وضع أهمية خاصة للقيادة والنظام، فالقيادة مكون أساسي للمجتمع السليم؛ لأن فيها القدرة على الإرشاد وإلهام الآخرين، أما النظام فهو ليس فقط طاعة عمياء، ولكنه أيضا احترام صحي واختياري للسلطة. ويذهب المحافظون السلطويون إلى ما هو أبعد من ذلك فيصورون السلطة على أنها شيء مطلق وغير قابل للنقاش. إلا أن الغالبية العظمى للمحافظين تؤمن أن السلطة يجب أن تتم ممارستها داخل حدود ديمقراطية مقبولة، وأن هذه الحدود توضع ليس بعقد "صناعي" ولكن بالمسئوليات الطبيعية التي تقرها هذه السلطة، وبالالتزامات التي تفرضها، وبعدم التعسف في استخدامها، بدءا من سلطة الأسرة ووصولا لسلطة الدولة.
ويؤمن المحافظون أن الهيكل الطبيعي للمجتمع هرمي، وعلى هذا فهم يرفضون أي شكل من أشكال التقيد بالمساواة الاجتماعية، فهم -مثلهم مثل الليبراليين- يؤمنون أن البشر قد خلقوا غير متساويين، وأن المواهب والمهارات المختلفة قد توزعت على البشر بصورة غير متساوية، إلا أن هذا الفكر يتطور لدي الليبراليين ليتحول إلى إيمان بتقدير الكفاءات، وبمقتضى ذلك فإن الأفراد يصعدون أو يهبطون في المجتمع وفقا لرغبتهم وقدرتهم على العمل. أما المحافظون فهم يؤمنون أن عدم المساواة لها جذور أعمق من ذلك: فهي صفة لا بد منها في مجتمع عضوي، وليست ببساطة نتيجة للفوارق بين الأفراد. وفي هذا الصدد يقبل المحافظون أمثال بورك فكرة "الأرستقراطية الطبيعية"، فكما يقوم القلب والكبد والمخ والرئتين كل بدور مختلف في الجسم البشري، كذلك يقوم كل عضو في المجتمع بأداء دور معين بغض النظر عن الفئة التي ينتمي إليها. وفي ضوء ذلك، لا بد من وجود القائد كما لا بد من وجود التابعين، وكما أن هناك مديرا هناك موظفون، وكما أن هناك من يذهب خارج المنزل للعمل، هناك من عليه أن يقوم بتربية الأطفال. وعلى هذا الأساس فإن المساواة المطلقة بين أفراد المجتمع هي محض هراء في نظرهم، ففي حقيقة الأمر نجد أن هناك فروقا "طبيعية" فيما يتعلق بالثروة والمركز الاجتماعي، فقد لا تتمتع الطبقة العاملة بنفس الامتيازات التي يتمتع بها أصحاب العمل، ولكنهم في الوقت ذاته لا يجب أن يتحكموا في رزق وأمان الذين يعملون لديهم.
ويتضمن دفاع المحافظين عن السلطة أيضا سلوكها تجاه الدولة، ففي بعض الطرق ينظر للمواطنين على أنهم أطفال داخل العائلة يحتاجون للنظام والإرشاد، ويجب تعليمهم الوعي بحقوقهم وواجباتهم. ولذلك فهم يرفضون النموذج الليبرالي للدولة محدودة السلطات في المجال السياسي والاجتماعي حتى لو قبلوا ذلك في الاقتصاد؛ لأنهم يؤمنون أن النسيج المجتمعي يجب أن تحكمه مجموعة صارمة من القوانين، ويتم معاقبة المخطئين عن طريق مجموعة القوانين التي وضعتها الدولة، وعلاوة على ذلك فالاتجاه المحافظ لديه تصور تربوي للحكومة، ورغم ذلك نجد أن المحافظين في الواقع هم أول من وقفوا ضد التدخل الحكومي غير المقيد، فيجب ألا تحاول الحكومات تغيير البشر، كما أن السياسة يجب أن تحدد في إطار فض النزاعات بين الأفراد والجماعات، ولا تتجاوز ذلك ليكون لها علاقة بالصواب والخطأ فيما يتعلق بالأخلاق والقيم. وقد عبر مايكل أوكشوت –أبرز مفكريهم المعاصرين- بطريقة نموذجية عن نظرة الفكر المحافظ للسياسة على أنها نشاط محدد ومقيد عندما أشار إلى أن الحكومات "لم تنشأ لجعل الإنسان جيدا أو حتى أحسن حالا".
5- الثروة والملكية الخاصة:
الثروة بمثابة دعم أمني ومصدر للثقة للأفراد. فامتلاك الفرد لسيارة أو منزل هو مصدر من مصادر الحماية له، ولذلك يرى المحافظون أن الاقتصاد (بمعنى عدم الإسراف) هو فضيلة في حد ذاته، وعليه فإنهم يشجعون الاستثمار والادخار.
يرى المحافظون أن الثروة ترفع من شأن مجموعة من القيم الاجتماعية، فمن يمتلكون ويتمتعون بملكيتهم، هم الأكثر قابلية لحماية واحترام حقوق الغير، كما أنهم سيكونون على دراية بأهمية وضرورة المحافظة على الممتلكات، وعلى هذا نجد أن أصحاب الممتلكات لديهم نصيب في المجتمع، ولديهم رغبة في الحفاظ على الأمن والنظام. وفي هذا الصدد نجد أن الملكية تستطيع الرفع من شأن ما يسمى بالقيم المحافظة في احترام القانون، والنظام الاجتماعي والسلطة. وينعكس ذلك في رغبة الأحزاب المحافظة في الإنشاء "ديمقراطيات الذين يملكون". ففي الثمانينيات قامت حكومة تاتشر برعاية "الرأسمالية الشعبية" عن طريق سن تشريع خصخصة المساكن الشعبية تدريجيا، وهو البرنامج الذي استكمل في عهد جون ميجور في التسعينيات، إيمانا بأن المواطن الذي يملك مسكنه سيهتم به وبالمنطقة المحيطة بيئيا وجماليا.
والسبب الأعمق لدعم المحافظين للملكية هو أنهم يعتبرونها امتدادا لشخصية الإنسان، فالناس ترى أنفسها فيما تمتلك، والممتلكات ليست أشياء "خارجية" تقيم لأنها ذات فائدة -كأن نقول إن المنزل ذو قيمة؛ لأنه يعطي الإحساس بالأمان والدفء أو السيارة لأنها وسيلة مواصلات- وإنما هي تعكس أيضا شخصية الفرد وإنسانيته، ولذلك نرى أن من أكثر الجرائم التي يكرهها المحافظون السرقة؛ وذلك لأن الضحية لا تعاني فقط من فقدان متاعها وإنما لأنها أيضا يتولد عندها شعور "بالانتهاك". والمنزل مثلا هو من أغلى وأقيم الممتلكات؛ لأنه يتم تأثيثه وتزيينه بما يتناسب مع ذوق وشخصية المالك؛ ولذلك فهو يعكس ذاته.
ولكن هذا لا يعني أن المحافظين يقبلون بفكرة حرية الملكية بالمعنى الليبرالي وفق مبدأ "دعه يعمل دعه يمر"، والذي يقضي بأنه من حق الفرد التصرف في ممتلكاته كيفما يشاء، وبينما من الممكن أن يتبنى المحافظون ذوو الاتجاهات الليبرالية نظرة متحررة بعض الشيء للملكية فإن غالبية المحافظين يؤمنون بأن جميع الممتلكات مقيدة بالواجبات، وأن الملكية ليست مهمة للأفراد فقط بل هي أيضا ذات أهمية للمجتمع، وأن رغبات الفرد يجب أن تقنن في سبيل وحدة وتوازن المجتمع والأمة. فعلى سبيل المثال لو أنه كان في مصلحة الدولة أن يتم التدخل الحكومي في الاقتصاد، فإن الحرية الخاصة لرجال الأعمال يجب أن تقيد في سبيل المصلحة العامة. كما أن معظم الممتلكات التي هي في يد الجيل الحالي ليست من صنعه، وإنما تم توارثها من الأجيال السابقة (الأرض، المنازل... إلخ) وبهذا المعنى نجد أن الجيل الحالي ما هو إلا مسئول عن الثروة التي انتقلت إليه من الأجيال السابقة، فهو مسئول عن حماية هذه الثروة لكي يتم انتقالها كاملة إلى الأجيال المقبلة. وهذا هو الموقف الذي اتخذه اللورد ستوكتون ضد سياسات تاتشر التي كانت بمقتضاها تقوم بعمليات الخصخصة، فوصفها بأنها "تبيع ميراث وثروة الأسرة".
المحافظة والديمقراطية والعدل الاجتماعي
المحافظون المعاصرون شديدو الحرص على المبادئ الديمقراطية الليبرالية اليوم، رغم أن المحافظين كانوا تاريخيا لصالح السياسات السلطوية في أوروبا، وهذا التقليد يعود إلى أفلاطون، الذي رأى أن الحكومة يجب أن تكون مقصورة على عدد معين من المثقفين والفلاسفة، الأوصياء، وهؤلاء يجب أن تفوض لهم سلطة غير عادية وغير قابلة للمساءلة. وإبان الثورة الفرنسية عام 1798، كان المفكر الفرنسي جوزيف دو ماستر هو من دافع بضراوة عن الحكم السلطوي في فرنسا. فإن طاعة الحاكم حتى لو كان ظالما تعتبر من ضمن إجراءات الحفاظ على المجتمع؛ لأنه ما إن يبدأ الشك في النظام الحاكم حتى يتعرض أمن وسلامة المواطن للخطر.
وخلال القرن التاسع عشر بأكمله، ظل المحافظون في أنحاء أوروبا يؤمنون بأهمية وضرورة وجود السلطة الهرمية، ووقفوا بشدة ضد أي تيار ليبرالي أو اشتراكي.
وإن لاحظنا أن بعض الحكومات المحافظة هي التي أعطت حق التصويت للطبقة العاملة، وقامت بإصلاحات اجتماعية حسنت من ظروف الإسكان وخدمات الصحة العامة وتطهير المناطق العشوائية وتطوير المدن.
ونجد أن هناك تيارا بدأ في الصعود داخل المحافظين بعد الحرب العالمية الثانية، حاول التوفيق ما بين التدخل الحكومي والسوق المفتوحة، ففي الفترة التي سبقت 1945، أجمعت الحكومات المحافظة على أن الحكومة لا يجب فقط أن توفر الرفاهية الاجتماعية، ولكن أيضا يجب أن تتدخل بشكل مباشر في الاقتصاد. ولكن لأسباب متفاوتة حاولت الأحزاب المحافظة اتباع طريق وسط بين الليبرالية المتطرفة التي تترك باب الاقتصاد مفتوحا على مصراعيه، وتمنع أي تتدخل حكومي، وأيضا النظام الاشتراكي الذي يعطي الحكومة مطلق الحق في التدخل وامتلاك الاقتصاد كله. وعلى هذا الأساس نرى أن المحافظية كانت تسعى لإيجاد طريق لها بين الفردية الصاعدة والشمولية المتسلطة. ففي بريطانيا، كان الركود والمستوى العالي للبطالة في الثلاثينيات هو ما دعم من نظرية أن السياسة الاقتصادية لا يجب أن تترك لآليات السوق، وإنما لا بد من التدخل الحكومي. وفي كتابه "الطريق الوسط" الذي نشر عام 1966، قام هارولد ماكسميليان -الذي كان رئيسا للوزراء من عام 1957 إلى عام 1963- بتبني ما كان يطلق عليه "الرأسمالية المخطط لها"، والتي وصفها بأنها نظام مختلط يدمج ما بين حرية التملك، والتحكم في أشكال معينة من النشاط الاقتصادي بمشاركة ومبادرة القطاع الخاص.
كما أن السياسات التدخلية تبنتها أيضا الأحزاب المسيحية الديمقراطية في أوروبا بعد عام 1945. وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، تخلى المحافظون في أوروبا عن الأفكار السلطوية، وأصبح الشكل الجديد للمحافظية ملتزما أكثر بالديمقراطية السياسية، وتأثر بالمفاهيم المسئولية الاجتماعية للكاثوليكية. فالنظرية الاجتماعية البروتستانتية كانت غالبا ما يتم الربط بينها وبين الرأسمالية، حيث إنها تمجد من شأن العمل الشاق ومسئولية الفرد وقيمة الادخار. بينما نرى على الجانب الآخر النظرية الكاثوليكية الاجتماعية كانت غالبا ما تقوم بالتركيز على الجماعة أكثر من الفرد، وعلى العطاء ودوران المال والتشارك في منافعه، وتؤكد على أهمية انسجام المصالح بين الطبقات المختلفة. وبعد عام 1945، انعكس هذا المبدأ الاجتماعي الكاثوليكي في رغبة الأحزاب الديمقراطية المسيحية في اعتناق السياسات الكينزية. وعلى سبيل المثال دافعت عن هدف "اقتصاد السوق الاجتماعي"، الذي كان مؤثرا جدا في مناطق كثيرة في أوروبا. واقتصاد السوق الاجتماعي هو اقتصاد مبني على قوانين العرض والطلب وبعيد تماما عن تدخل الدولة، ويعمل في إطار المجتمع الذي يعمل في سياق مجتمع يحتفظ بتماسكه عن طريق نظام رفاهية شامل وخدمات عامة فعالة.
وقد تأثرت الأيديولوجية المحافظة عبر العقود بالأفكار الليبرالية وخاصة الكلاسيكية منها. ويرى ذلك في بعض الأحيان على أنه التطور الهام الذي شهدته نهاية القرن العشرين، ويمكن القول إن ما قام به "اليمين الجديد" هو اختطاف المحافظة لصالح الليبرالية الكلاسيكية التي تعطي أكبر قدر من الحرية للسوق، وتمنع تدخل الحكومة في الحياة الاجتماعية. ومن المؤكد أن المحافظين لم يتحولوا إلى الليبرالية، ولكنهم يؤمنون أن الاقتصاديات الليبرالية اليوم يمكن أن تتوافق مع فلسفة اجتماعية محافظة، مبنية على قيم مثل السلطة والواجب، أي صيغة جمهورية لليبرالية والمواطنة الديمقراطية الفاعلة والمسئولة.
والمحافظون الليبراليون لا يعتبرون ليبراليين تماما، فهم يؤمنون بالفردية وإبعاد الحكومة عن السوق الاقتصادي، ولكنهم على غير استعداد؛ لأن يمدوا هذه الحرية إلى أشكال ومظاهر أخرى من الحياة الاجتماعية. ويتبنى المحافظون، حتى الليبراليين سياسيا منهم، نظرة تشاؤمية للطبيعة الإنسانية، فالحكومة القوية مطلوبة للحفاظ على النظام والتأكد من أن السلطة موجودة وسائدة. ![]()
المحافظون الجدد في أمريكا.. مثلث الرعب
اليمين الجديد أو المحافظة الجديدة هو مصطلح واسع استخدم لوصف الأفكار التي تراوحت ما بين المطالبة برفع الضرائب إلى المطالبة بوجود رقابة صارمة على برامج الإذاعة والتلفزيون أو حتى الحملات التي قامت ضد الهجرة من خارج البلاد. ومن الممكن أن نرى اتجاهين واضحين في تلك التيارات الصاعدة: الأول هو الاتجاه إلى إحياء الاقتصاد الليبرالي الكلاسيكي، وخاصة الأفكار الليبرالية لآدم سميث. إذن هذا الحق الجديد يمكن أن يطلق عليه الحق الليبرالي الجديد. أما الثاني فهو يهتم بالأفكار الخاصة بالنظام والسلطة.
وهذه الأفكار الخاصة باليمين الجديد هي نتاج عوامل تاريخية عديدة، ربما أكثرها أهمية هو الانتعاش الاقتصادي الذي حدث بعد انتهاء الحرب العالمية والذي انتهى بالركود الهائل الذي حدث في السبعينيات، وهو ركود تزامن مع التضخم، وهي الحالة التي يطلق عليها الاقتصاديون الركود التضخمي. وعندما عادت هذه التهديدات الاقتصادية، ومع انتشار الفلسفة الاشتراكية. فقد خشي المحافظون من أن هذا قد يؤدي إلى الاعتماد المتزايد على الرفاهية.
ولا شك أن ظروف مطلع القرن الحادي والعشرين قد زودت المحافظة بعناصر قوة جديدة، فيبدو أن المحافظة قد حققت خلال القرن العشرين الكثير وخاصة منذ عام 1945 في سعيها لإنشاء بديل "مع السوق"، ولكن من الممكن أن يكون الشيء الأهم الذي تم تحقيقه هو القضاء على عدوها اللدود الاشتراكية. فانهيار الاشتراكية في أنحاء العالم قد أعطى الفرصة لظهور مذاهب سياسية أخرى، مثل تلك التي تدعو إلى السوق الحرة. وتوقف مستقبل المحافظة في ظل الفراغ الأيدلوجي على قدرتها على تجديد وتحديث نفسها بما يتوافق مع المفاهيم الحديثة، فبرزت في ثوب اليمين الجديد لتتوافق مع مفاهيم الفردية والمشاركة الاجتماعية في السلطة.
ويجب أن نشير في النهاية إلى بروز المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية ومدى ارتباطهم بالأفكار المحافظة التقليدية.
والحق أن التمييز هنا لازم بين الرؤية المحافظة والتوجه الجمهوري، على الأقل من الناحية النظرية، فبرغم أن الجمهوريين يؤمنون بأهمية المشاركة والولاء والالتزام كأساس للمواطنة والجماعة السياسية، ويميلون إلى مدخل الواجبات وليس مدخل الحقوق في رؤيتهم للمشاركة الديمقراطية، إلا أن القيم الجمهورية أو قيم الحرية المسئولة تجاه الجماعة والمواطنة الفاعلة (وليس السلبية) هي أيضا قيم يدافع عنها طيف متنوع من الديمقراطيين باعتبارها تعالج مثالب فكرة الفردية النفعية، دون أن يتبنوا بالضرورة رؤى المحافظة للتاريخ والفرد والجماعة، وهو ما يوضح أهمية التفريق والتمييز بالغ الحساسية من الناحية النظرية والفكرية بين الأفكار المختلفة ودورانها داخل الأنساق الفكرية، ومساحات التقاطع ونقاط الالتقاء، ومساحات التنافر ونقاط الافتراق، فخريطة الأفكار والأيدلوجيات مركبة ومتشابكة لا يجب اختزالها بنظرة سطحية متعجلة تطلق الأحكام السهلة، كما لا يجوز النظر لها بشكل جامد ثابت إذ إنها حية وديناميكية ومتطورة، وهو ما يستلزم الاستمرار في المتابعة والرصد بشكل مستمر وتطوير أدوات نظرية للتحليل والفهم، وأيضا تطوير قنوات عملية للفعل والتفعيل لواقعنا في الإدراك ما قد يمثله بعضها من إضافة يجب تحصيل منافعها، وما يمثله بعضها الآخر من خطر داهم ينبغي مجابهته.
ورغم أن المحافظة في الغرب كأيدلوجية هي نسق من الأفكار المتنوعة، لكن أبرز ما تتسم به هو تعريفها بما تعارضه وليس بما تمثله، أي أن المحافظين –خاصة على المستوى السياسي- يحددون مواقفهم كرد فعل رافض للسياسات الليبرالية، فحين كان الفكر الليبرالي يؤمن بحرية الفرد ركزوا على قيم الجماعة، وحين كان يؤمن بتحجيم الدولة ركزوا على النظام والتقاليد والتاريخ والمؤسسات النيابية المستقرة، لكن حين تنامت أفكار المواطنة الاجتماعية وحقوق المواطنين في الرعاية الصحية والتعليمية والحد الأدنى من الرفاهة الذي توفره الدولة عارضوا هذا التوجه باعتباره يزيد من سلطة الدولة في الاقتصاد والاجتماع، ويقيد الفرد والجماعات الاجتماعية. وهو ما دفع منافسي المحافظة لوصفها بالمراوغة والانتهازية والرغبة في مخالفة الليبرالية أيا كانت سياساتها.
والحق أن المحافظة كأيدلوجية لم تجد لها صدى في الولايات المتحدة الأمريكية حتى الستينيات، فقد كان كل من الجمهوريين والديمقراطيين يأنفون من تلك التسمية حتى ذلك العقد من القرن العشرين، لكن مناخ الحرب الباردة والرغبة في تكريس القيم الأمريكية في مواجهة المد الفكري الشيوعي أدى إلى بداية ظهور الأفكار المحافظة على سطح الحياة الفكرية والسياسية الأمريكية واكتساب وصف المحافظة ثقلا متناميا في الخطاب السياسي في الستينيات، وقد وصف بها بعض الجمهوريين من أنصار السيناتور باري جولدواتر، بل وبعض الديمقراطيين من الولايات الجنوبية في ذلك العقد من القرن العشرين.
وما يهمنا في تحليل الفكر المحافظ هو التصورات العامة المميزة له وآثارها السياسية: فالمحافظون حين يرفضون تدخل الدولة يتبنون رؤية تثق في الطبيعة الإنسانية وعفويتها ومنطقها، لكنها أيضا تقترب من الرؤية النفعية بل والداروينية من أن تطور المجتمعات يتم بشكل تلقائي لا يجب التدخل فيه بالتعديل والتغيير، والتقاليد التاريخية سواء على مستوى القيم أو المؤسسات بالنسبة لهم هامة، لكن هذا أيضا يشبه إيمان داروين بأنها كذلك؛ لأن المؤسسات والتقاليد التي استمرت تاريخيا لا بد أنها تتمتع بقوة وصلاحية ما مكنتها من الصمود في وجه التغيرات ولا تجب المغامرة بإبداع مؤسسات جديدة، وهم حين يرفضون النزعة العالمية والإنسانية العامة لليبرالية فإنهم يكرسون فكرة الاختلاف، لكنه ليس اختلاف التنوع الخلاق بل الاختلاف الذي يكرس التمييز بين الأنا والآخر، لذلك ففكرة الجماعة الوطنية والتقاليد والتاريخ لديهم تقترن بالتمييز بين الأنا والآخر، بل والنظر لمن ينشد التغيير الراديكالي باعتباره "العدو في الداخل" كما وصفت مارجريت تاتشر أحد إضرابات العمال احتجاجا على السياسات الاقتصادية لحكومتها، وهذه الفكرة التي ترى أن الذات لا تتماسك إلا بتمييزها عن الغير هي فكرة تضع الحرية قبل المساواة، وتحتاج باستمرار للفرز والتصنيف للآخرين وتصنيفهم دوما كي تكتسب شرعية الأنا وتميزها عليهم، ولذلك فلا عجب أن يعارض المحافظون التعددية الثقافية ويتبنون رؤية صلبة للجماعة الوطنية التاريخية لا تتقبل بسهولة الوافدين لأرضها من قوميات أخرى، أو أصحاب الرؤى الجديدة على الساحة الثقافية، بل والممارسات الدينية التي تعتنق أديان تخالف الأديان السائدة عدديا أو المستقرة وطنيا وتاريخيا.
ويمكن التمييز بين أساطين الفكر المحافظ الكلاسيكيين والذين تعد قراءة كتبهم حول العلم والتاريخ والعقلانية متعة ذهنية أيا كانت مساحة الاتفاق أو الاختلاف، فعلى مستوى الفكر المحافظ تبرز أسماء، مثل ليو شتراوس في مجال الفلسفة، وملتون فريدمان، وفريدريك حايك في مجال الاقتصاد والاجتماع، والتي ترى أن الليبرالية الفردية أهدرت قيم الحرية وكرست عبر سياسات الرفاهية الاعتمادية على الدولة، وأفسدت قوة الدافعية الفردية لدى الناس، وتتدخل في مسار التاريخ بالهندسة الاجتماعية والتخطيط والمركزية، كما أنها سعت لتطوير فكرة العدالة الفردية على يد أبرز مفكريها الليبراليين، مثل جون رولز وتناست قيم الحرية والمساواة، وأهدرت الفردية التنافسية الإبداعية. أما على مستوى رموز كتاب المحافظين شهرة في مجال الفكر الأمريكي المعاصر فنجد أرفينج كريستول على سبيل المثال صاحب الكتابات العديدة في فلسفة المحافظين الجدد، لكن العمق الفلسفي يتوارى هنا في مقابل الحسابات السياسية والمصالح النخبوية.
ورغم أن أنصار المحافظة في الأصل يحترمون التقاليد الدينية كمصدر أخلاقي ودور الدين كمؤسسة لها دور اجتماعي، ويؤكدون على أهمية الأسرة فإنهم لا يقترنون بالضرورة باليمين الديني. لذا من المهم هنا إذن التأكيد على أن المحافظة والفكر الجمهوري واليمين الديني ليست مفاهيم مترادفة في النظرية السياسية بأية حال من الأحوال، حتى لو تقاطعت بعض أفكارها هنا أو هناك.
هذا عن النظرية والأفكار، فماذا عن اللحظة الأمريكية الراهنة ودلالاتها بالنسبة لنا تحديدا؟
لعل أبرز ما يميز المشهد الأمريكي الآن هو ما يمكن أن نسميه هنا عن حق "مثلث الرعب"، وهو اجتماع الجمهوريين مع أتباع الفكر المحافظ مع أنصار اليمين الديني المتطرف بشكل غير مسبوق تاريخيا، وهو ما أفرز محافظين "جددا" أفكارهم لا تقاس على الفكر المحافظ كما يتم تدريسه نظريا في كتب الفكر والنظرية السياسية، إذ إن هؤلاء المحافظين الجدد الآن في الولايات المتحدة يركزون على التاريخ والثقافة الأمريكية كفكرة إقصائية، فلا عجب أن تكرس سياساتهم التمييز المدني والأمني ضد الأقليات العرقية والدين الإسلامي، ولا شأن لهذا التحيز بأحداث الحادي عشر من سبتمبر بالضرورة من وجهة نظرنا، فهي قد أعطتهم مناسبة جيدة (سواء قدرية أم مدبرة إذا قبلنا الشكوك حول التحقيق في أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي يحاول الديمقراطيون الآن بعد استقرار الأوضاع فتح ملفها الشائك والغامض).
والطريف أنه رغم انتماء الفكر المحافظ في نشأته للأرضية المسيحية من الناحية الأخلاقية فإن أبرز رموز هذا الفكر الآن في أمريكا من اليهود (بدون أية تلميحات لرؤى مؤامرة أو أي نزعة "معادية للسامية"- هذه فقط ملاحظة موضوعية)، ومن المهم قراءة بيان "ما الذي نحارب من أجله" الذي وقعه عدد من المفكرين والمثقفين الأمريكيين لدعم الحرب ضد أفغانستان بعد 9/11 لنرى عددا من أبرز أسماء اليهود الموقعين عليه.
وأيضا من أسباب العداء الصاعد للإسلام التعريف الضيق "المحافظ" للتاريخ الأمريكي كمصدر للشرعية والهوية الأمريكية وزعم "المحافظة على التقاليد الأمريكية" (من المضحك –عفوا- أن أمريكا أصلا دولة بلا تاريخ ولا تقاليد)، فضلا عن الحاجة للبحث عن عدو، فكما ذكرنا فإن المحافظين يبنون رؤية الذات عبر تمييزها عن الآخر، فعلوا ذلك مع نمو فكرهم في الستينيات ضد الشيوعية، وبعد تراجع قوة الشيوعية كأيدلوجية صار الإسلام عدوا مثاليا... أراضيه مستباحة، ونخبه الحاكمة طيعة للخارج، باطشة على الداخل.
سبب ثالث للعداء للإسلام هو التحالف المحافظ مع اليمين المتشدد الديني، وخاصة أصحاب الرؤى الأصولية الإنجيلية الألفية التي تؤمن بقرب نهاية العالم، وتبشر بعودة المسيح وتدعم إسرائيل كي تعجل بمجيئه كما تقول تأويلاتها للإنجيل، فلا بأس بذبح وإبادة الفلسطينيين لو كان هذا هو الثمن، وتقطيع أوصال العالم الإسلامي إذا كان هو القوة الرئيسية (وليست الوحيدة بحال - فأعداء أمريكا كثير والحمد لله) التي تقف في مواجهتها.
هذا المثلث المرعب يدمر الآن التجربة الليبرالية والإنسانية الهامة للولايات المتحدة -بما لها وما عليها- ويوظف الفكر الجمهوري المحترم صاحب رؤى المواطنة الإيجابية والفعالة والديمقراطية النشطة ضد الحريات المدنية لجموع الأمريكيين في هذه اللحظة التاريخية، ويهدر جوانب اجتماعية هامة في الفكر المحافظ حين يصبغها برؤية إقصائية ضد التعدد الثقافي، ويضرب عرض الحائط بحقوق الإنسان في مشهد جوانتنامو البربري، ويقوم الآن -للطرافة- بدهم الغزو العسكري واجتياح البيوت وترويع المدنيين في العراق بشكل يحاكي السياسات الإسرائيلية في فلسطين، ويستقر هذا المثلث بقوة على أرضية الرأسمالية العالمية، فهي ترى فيه حليفا سياسيا يحقق لها اجتياح المزيد من الأسواق، وعقد المزيد من الصفقات، وفتح المزيد من مجالات الاستثمار، وفي هذا المشهد تتراجع قيم حقوق الإنسان والمساواة والعدالة وتسود معايير المصلحة والمنفعة، والعقل المحافظ الذي كان قديما ضد العقلانية النفعية يجيد الآن تبرير سياساته بخطاب لزج عن الحرية و"الحرب على الإرهاب" ونشر الليبرالية بالقوة، أما البنية التحتية للرأسمالية العالمية من قوى وشركات ومنظمات ومؤسسات ومصارف وأسواق نقدية لا تبالي أي خطاب يستخدمه الساسة على أية حال.
إن دراسة الأيدلوجيات هي دراسة هامة ومفيدة، بل شيقة وممتعة، لكن ما نشهده الآن هو انتحار الفكر المحافظ لا تطويره، واغتيال الليبرالية وليس نشرها في العالم، وهيمنة الإمبراطورية التي في الحقيقة لا تعبأ كثيرا بالفكر، ولا العقل، ولا الإنسان. فهل يمكننا القول إننا نشهد حربا غاشمة على رؤى الكرامة الإنسانية والمجتمع العضوي ومكانة التاريخ التي كان الفكر المحافظ يغذي بها الفكر الإنساني منذ قرون؟


















