هَبَّات الجماهير.. فورية وعفوية وعملية
وأخيرًا حمل لنا سبتمبر 2001 ذكرى جديدة هي ذكرى 11 سبتمبر وسقوط رموز الحضارة الأمريكية مع انهيار برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، أو التفاحة الكبيرة كما يسميها الأمريكيون.
ومع كل الذكريات تنطلق الهواجس والأفكار.. ماذا حدث؟ وماذا يحدث؟ وما هي ردود الفعل على كافة المستويات؟
ما يعنينا هو رد الفعل الجماهيري على الأحداث، وتحديدًا على الأحداث المعاصرة، ما هو رد الفعل؟ وما هي أشكاله؟ وكيف حدث؟ ولماذا حدث؟ وهل استمر؟ ولماذا؟… تلك هي الأسئلة الأساسية التي تثيرها ذكريات سبتمبر القريب.
بداية علينا تعريف رد الفعل الجماهيري هذا الذي نتحدث عنه. ففي كل الأحداث الكبيرة ثمة دائمًا حركات جماهيرية تلي تلك الأحداث؛ لتعبر إما عن رضا الناس أو عن سخطهم، وكأن تلك الحركات، أو الهبات -كما اعتاد القدماء أن يسموها- بمثابة تعليق الناس على الحدث. ولكنه تعليق فوري وعملي وعفوي.
وفي الفورية والعملية والعفوية يكمن تعريف الهَبَّة الجماهيرية أو رد الفعل على الحدث الكبير.
فورية
* الفورية تعني أن الهبة تحدث كرد فعل فوري وآني على الحدث دون تخطيط مسبق أو إعداد أو تحضير. ودون دراسة أو بحث أو تمهيد، وهو ما حدث مع مظاهرات 9 و10 يونيو 1967. أو مع مظاهرات أطفال المدارس في مصر عقب انتفاضة الأقصى تهب الجماهير وتخرج دون إعداد فور سماع الحدث؛ أي فور علمها بالحدث في ذاته، وتخرج للشارع دون معرفة حقيقية بالحدث وأبعاده أو بالظروف الموضوعية المحيطة به، أو بالشارع الذي تخرج له تلك الجماهير. كما كان الأمر في 18 و19 يناير 1977.
* الفورية صفة أساسية من صفات الهبة الجماهيرية؛ فقد يقول قائل: إن الأمثلة التي ذكرناها كان ثمة تخطيط سابق لها، وهذا غير مطابق للواقع؛ حيث إن حجم الهبة سواء في 9 و10 أو 18 و19 كان أكبر كثيرًا من حجم الجهة التي ينسب لها التخطيط سواء الحكومة المصرية كما في 9 و10 يونيو، أو اليسار المصري كما في 18 و19 يناير. وفي المثال الأخير لا يعتبر الجمهور جزءًا من عملية التخطيط؛ فأطفال المدارس الابتدائية ليسوا قوة سياسية ذات أثر؛ بحيث يتم التعامل معهم كقوة ضغط لإحداث تغيير أو الوصول لهدف سواء من جانب القوة الضاغطة أو من جانب القوة التي تتعرض للضغط.
ويتجلى هذا في شكل شعارات مظاهرات الأطفال التي اتخذت شكل شتائم مسجوعة ضد القيادات الإسرائيلية، وأحيانًا بضعة حجارة تلقى على واجهات محلات، وصفت بأنها معادية سواء أكانت إسرائيلية أم أمريكية.
* الفورية تعبير شعوري خالص وغير عقلاني؛ فجمهور الفورية المشارك في الهبة قد لا يتحرك بهذا الشكل في حالات أخرى كثيرة.
* الفورية تعبير عن شعور مختزن داخلي يأتي الحدث ليفجره فورًا؛ بمعنى أن الإعداد يتم على مستوى شخصي، وتتكاثر الجماهير في الشارع، محدثة الهبّة نتيجة لأن الشعور المختزن الذي انفجر هو شعور عام قد يكون خاصًا أحيانًا، ولكن الانفجار يحدث في لحظة كرد فعل للحدث، ومن ثم يصير الحدث هو القشة التي قصمت ظهر البعير.
عملية.. عشوائية
ويتم التعبير عن الانفجار الداخلي بشكل عملي، وتلك هي الصفة الثانية العملية؛ بمعنى أن ثمة شكلاً عمليًا ملموسًا وفعالاً كتعبير عن الانفجار وعدم القدرة على كبت الشعور العام سواء كان هذا الشعور العام سعيدًا أو مدمرًا. العملية أيضًا صفة لاعقلانية، إنها تمثل رد الفعل العشوائي الذي يريد أن يظهر بصورة ملموسة.. جماهير في الشارع دون تنظيم أو تخطيط.. أحجار تلقى على واجهات المحلات.. ورموز محط الغضب أو الشعور المكبوت الجماهيري.
أعمال عنف تعبر عن العنف الداخلي المتراكم الذي وصل لذروته، وانفجر مع الحدث.
المظاهرات عشوائية ومطالبها مستحيلة أو بلا مطالب.. كإنهاء الاحتلال الإسرائيلي.. كيف؟ ومن سيستمع؟ لا يوجد تفكير.. شتائم لشارون، ماذا سيحدث نتيجة لها؟ لا يهم.. المهم هو إطلاق الشعور بشكل عملي فوري وتلقائي.
تلقائية وعفوية
التلقائية أو العفوية هي الصفة الثالثة كما رأينا وحددنا. حتى لو كان هناك مخطط فالهبة الجماهيرية تكون أكبر من قدراته. وحتى لو وجدت قوى سياسية فاعلة في الواقع فإن الهبة الجماهيرية تتجاوزها كثيرًا. فما يحرك الجماهير ليس هو ما يجول في خاطر القوى السياسية، وهنا ثمة مستويان: المستوى الأول يعبر عن العلاقة بين القوى السياسية والجماهير التي تقوم بالهبة، والمستوى الثاني هو رؤية الجماهير للقوى السياسية عامة.
بالطبع يمكن الكلام عن عدة مستويات أخرى، مثل علاقة الجماهير بموضوع الهبة، وعلاقة القوى السياسية الفاعلة بذات الموضوع، وغير ذلك.
لكن عند بحث عنصر العفوية في الهبة الجماهيرية سنجد أن المستويين السابقين يمثلان المكون الأساسي في هذا العنصر، وأيضًا يمثلان سببًا رئيسيًا في عدم استمراريتها بشكل منتظم.
إذا قبلنا فكرة أن الهبة تعبير عن شعور داخلي مكتوم يتصاعد لحد الانفجار، وينفجر مع حدث محدد؛ فسنجد أن عفوية الهبة تتعلق بالأساس في غياب التمثيل؛ أي شعور الجماهير بأن القوى السياسية لا تمثلها أو تعبر عنها، وبالتالي تعبر عن هذا الشعور. فلو تم التعبير عن هذا الشعور من خلال قنوات القوى السياسية من أحزاب وجماعات ضغط ومنظمات جماهيرية في مجتمع مدني فاعل.. فلن يحدث تراكم الشعور الداخلي، وبالتالي سينخفض التوتر المكتوم، وسيتم التعامل مع الحدث جماهيريا بشكل إرادي في مخطط قد يأخذ شكل الهبة أو الانفجار وفقا للحدث، ولكنه ليس عفويا ولا مجرد رغبة عملية.. بل وربما تنتفي عنه صفة الفورية.
غياب التمثيل
* فغياب التمثيل أو في أحسن الأحوال تشوهه يؤدي إلى الفورية والعملية والعفوية، وبالتالي عدم الاستمرارية؛ إذ بعد التعبير عن الشعور المكتوم والانفجار لا يمكن الاستمرار؛ حيث ستعود الأمور إلى نقطة ما قبل الانفجار وحدوث الهبة.
من جهة أخرى فإن رؤية القوى الفاعلة سياسيا للجمهور تتمثل أساسا في هذا الإحساس بغياب التمثيل؛ بمعنى أن الجماهير ليست فاعلة في نظر القوى السياسية، ومن ثم فهي وسيلة لغاية وهي السلطة. فالأجندة العملية للقوى الفاعلة تختلف عن أجندة الجماهير كثيرا أو لا تعبر عنها، ويتم استغلال الهبة في شكل محاولة للضغط في إطار لعبة القوى والتوازنات السياسية، وربما كان مثال الهبة الجماهيرية المصرية إبان ما عُرف بأزمة "وليمة لأعشاب البحر"، وتحول الأزمة إلى أزمة سياسية كبرى هو المثال الأجلى لهذا الغضب المكبوت لدى طلبة جامعة الأزهر؛ نتيجة لظروف خاصة بهم يحتاج لمنفذ، ويأتي الحدث ليعطي هذا المنفذ. القوى السياسية تحول هذا الحدث إلى أزمة كبرى ووسيلة ضغط، وينتهي الأمر بعملية تفريغ عامة دون حل حقيقي.
* غياب التمثيل سمة تميز الوطن العربي حاليا وتشكل خصوصية له، ولنأخذ مثالين على هبات جماهيرية خارج الوطن العربي: المثال الأول أوروبي، وهو حركة الفلاحين الفرنسيين بقيادة بوفيه في مواجهة حرب الأسعار على منتجاتهم، هذه الهبة الفورية والعفوية التي اتخذت شكلا عمليا هو تحطيم الشاحنات المحملة بالمنتجات الزراعية المستوردة الرخيصة تحولت مع وجود التمثيل والقنوات إلى شكل منظم عُرف فيما بعد باسم حركة مناهضة العولمة، وأصبح متكررا في أنحاء كثيرة من العالم، وخاصة مع تقدم تقنيات الاتصال وإمكانيات التنظيم العالية والمتاحة حاليا، وصار بوفيه "الفلاح زعيمُ الحركة" رمزًا عالميا لها، وتحول إلى قيادة مستمرة، وصارت هناك حركة محددة المعالم يمكن التعامل معها.
المثال الثاني أفريقي من مدغشقر أو مالا جاشي، تلك الجزيرة الصغيرة في الجنوب الأفريقي التي تحولت فيها الهبة الجماهيرية من نتائج الانتخابات الرئاسية إلى ثورة عارمة أطاحت بالرئيس ديريه راشيراكا نتيجة استمراريتها، ووجود قنوات حقيقية للاتصال بين الجماهير والقوى الفاعلة.
بمعنى آخر: إن وجود التمثيل والتعبير عن مشاعر حقيقة للجماهير يؤدي لاستمرارية حقيقية للهبة.
ولنأخذ هنا مثالا ثالثا مركبا عربيا، وهو حركة مقاطعة السلع والبضائع الأمريكية بعد الانتفاضة..
فقد تشكلت لجان مقاطعة فورية، وحددت سلعا بعينها للمقاطعة، وأحدث هذا أثرا حقيقيا أدى إلى لجوء شركات كبرى إلى شراء شركات عربية لبيع منتجاتها؛ وذلك نتيجة للأثر الذي أحدثته المقاطعة، بل ولجأت شركات كبرى أخرى إلى حملات إعلانية ضخمة لتقول بأنها شركات عربية، ولجأت شركات ثالثة إلى الابتعاد والخروج من السوق نتيجة للأثر الضخم الذي أحدثته المقاطعة، وتلك هي النقطة الأساسية.. هل تمت دراسة المقاطعة كفعل وآثاره السلبية؛ بمعنى آثاره على الجماهير في ذاتها؟ المقاطعة سلاح فعال وناجح كما رأينا، ويتميز بقدر كبير من الاستمرارية، ولكنه يحتاج لبنية تحتية كبرى تتمثل في قنوات اتصال بين القوى الفاعلة والمنظمات المتكونة وبين الجماهير المتحركة.. فما هو البديل لأولئك العاملين في الشركات موضوع المقاطعة؟ وهل تتوقف المقاطعة على مقاطعة السلع والبضائع؟ ماذا عن مقاطعة الإعانات والمساعدات؟ كيف يتم التعامل مع آثار هذه المقاطعة عامة؟ هل هناك صناديق دعم للمتضررين؟... إلى آخر هذه الأسئلة البديهية والضرورية التي تعبر في الأساس عن وجود تلك القنوات الاتصالية والبنية التحتية.
الاستمرارية
الاستمرارية هنا تعبير عن تمثيل حقيقي للجماهير، وعن شعور حقيقي يتحول إلى شكل فاعل ومستمر يقدم بدائل كثيرة على مستويات عديدة؛ فالإضراب مثلا شكل من أشكال الاحتجاج العمالي على مظاهر ظلم محددة؛ لكن الإضراب لا يمكن أن ينجح إلا بضمان استمرارية من خلال لجنة الدعم النقابية التي توفر للعاملين المضربين بديلا ماديا ملموسا عن أجورهم، وتقدم لهم المعونات، وتوفر عملية الدعاية اللازمة خارج نطاق المؤسسة المضربة، وغير ذلك.
أن العلاقة المبتسرة بين الجماهير العربية والقوى السياسية الفاعلة في الوطن العربي تؤدي إلى توقف الهبات عند مرحلة الهبة، ولا يحدث التراكم الحقيقي المؤدي لتغيير فاعل..
والسؤال الذي يطرح نفسه: هل ستظل العلاقة على ما هي عليه؟
المؤشرات لا تقدم دليلا على أن ثمة تغييرًا حقيقيا في تلك العلاقة، وما زالت الحاجة ماسة لحدوث هذا التغيير. والله أعلم.



















