الاجتهاد السياسي: تقاطعات المدني والفقهي
وعلى هذا فإن عملية صنع القرار السياسي نوع من التفاعل والمواجهة مع الموقف، يتسم بلون معين من التفكير القائم على قواعد ضابطة لمساره حتى يصدر القرار صائبا لوجه المصلحة المقصودة من اتخاذه، ومن هنا فإن عملية صنع القرار السياسي في الرؤية الإسلامية هي في المقام الأخير لون من "الاجتهاد" لكن في الحياة العامة وليس في أحوال الأفراد، لمواجهة المواقف والوقائع المثارة فيها بقصد اختيار أحد البدائل أو الحلول العملية التي تفضي إلى جلب المصلحة ودفع المفسدة، وطبيعة عملية اختيار البدائل هذه تتطلب شروطاً وأوصافا معينة في القائم بها (صانع القرار) حتى يتمكن من اختيار البديل الصحيح من بين البدائل المختلفة للقرار، ومن منظور الشريعة الإسلامية.
يتحدث دارسو النظم السياسية الغربيون عن وظائف النظام السياسي ومنها وظيفة "صنع القواعد (القانونية والسياسية) أو صنع القرار (بمستوياته المختلفة)، وتشير عملية صنع القرار إلى حاصل التفاعل بين كافة المشاركين في تقرير السياسات العامة العاجلة والآجلة، فإصدار القرارات جزء أساسي من نشاط المؤسسات السياسية اليومي والبعيد المدى المرتبط بالموازنة العامة سنويًّا أو التخطيط السياسي الإستراتيجي الأطول في مداه. حيث تختار هذه المؤسسات أحد الحلول البديلة للمشكلة المثارة موضع القرار، بعد المناقشة والتقييم لكل بديل، والدراسات التي تهتم بعملية صنع القرارات تعنى بدراسة السياق أو البيئة التي تتم فيها هذه العملية أو محيطها من صانعي القرار وخصائصهم ونوعية التعليم التي حصلوا عليها والاتجاهات والقيم والدوافع النفسية لديهم والواقع الاجتماعي والسياسي الذي يتأثر ويؤثر فيهم، ورؤيتهم لدرجة المصلحة أو التهديد في البيئة المحيطة، وتحليل عملية صنع القرار نفسها بما تتضمنه من مراحل مختلفة ومن يؤثر في المراحل المختلفة.
والقرار السياسي غايته تقديم البديل العملي الذي يحقق نفعاً عامًّا أو يدرأ مفسدة عامة، ومن هنا فإن عملية صنع القرارات أو القواعد الملزمة لها أهمية كبرى في الرؤية الإسلامية؛ لأنها ترتبط بمصالح العباد في غالبيتهم العامة؛ ولذا فهناك قواعد صارمة وضعها علماء الشريعة يجب توافرها في القائمين على إعداد القرارات ذاتها، ومرجعية هذه القرارات.
هذه العناصر جميعها -التي تنطوي عليها عملية صنع القرار السياسي- تستمد تميزها وخصوصيتها من مفهوم الاجتهاد بمعناه الأصولي، حيث تعتبر عملية صنع القرار السياسي انبثاقا عنه وامتدادا له في مجال العمل السياسي، ومن ثم يغدو الاجتهاد -في مفهومه الأصولي- الأساس الذي يقوم عليه الاجتهاد في العملية السياسية الهادفة إلى الوصول إلى القرارات التي تستهدف حفظ مقومات المصلحة العامة، ولا يعني هذا تطبيق القواعد الشرعية التي تنطبق على الفرد على العلاقات السياسية والدولية دون تمييز بين المستويات أو السياقات بل يعني استحضار واستبطان صانع القرار السياسي لتلك المعايير وتواصل قنوات المشورة مع كافة أولي الأمر-الشرعي والتقني والاستشاري- من أجل تحقيق المصلحة، دون ازدواجية ودون انفصال. من هنا تبدو أهمية التعرف على مفهوم الاجتهاد الذي يتأسس عليه هذا الفهم لعبور الفجوة "العلمانية" بين العقل والوحي، أو المصالح المتغيرة والمقاصد الكلية للشرع التي أساسها العدل والنظر الاستشرافي الكلي.
المفهوم الأصولي للاجتهاد
الاجتهاد من مادة "جهد"، ومنه الجَهد –بفتح الجيم- بمعنى المشقة، وقيل المبالغة والغاية، والجُهد –بضم الجيم- الطاقة، واجتهد أي جد، والاجتهاد والتجاهد بذل الوسع والمجهود، والجهاد المبالغة واستفراغ الوسع.
وإذن فالاجتهاد لغة هو بذل الجهد واستفراغ الوسع والمجهود والطاقة في تحصيل أمر ما حسيا كان أو معنويا، والمقصود به هنا هو بذل الجهد واستفراغ الوسع والطاقة الذهنية، فالجهد والاجتهاد المعنى هنا هو المجهود العقلي، وقدح الذهن –فكريا- من أجل إيجاد أو ترجيح بديل من البدائل لمواجهة موقف أو حالة أو مشكلة من المشاكل على المستويين العملي والنظري.
وقد عرف الإمام الغزالي الاجتهاد بأنه بذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة، ويضيف بعض العلماء إلى الاجتهاد بمعنى استفراغ الجهد وبذل غاية الوسع في استنباط الأحكام الشرعية.
وهكذا يمكن الانتهاء إلى ما يأتي:
1- الاجتهاد بذل أقصى الجهد الفكري بحيث لو كان تقصير في بذل هذا الجهد لم يعد اجتهاداً، فالقول في أحكام الله دون بذل غاية الجهد والطاقة في البحث عن الأدلة الشرعية وإمعان النظر فيها للوصول إلى الحكم لا يسمى اجتهادا وإنما هو أقرب لاتباع الهوى والمصلحة الفردية.
2- بذل الجهد من غير الفقيه أو في حال الشئون السياسية من غير المتخصص لا يسمى اجتهادا بالمعنى الأصولي، فلا بد أن يكون الجهد المبذول واقعا من فقيه مجتهد جامع لشروط الاجتهاد وملكته في مجاله التخصصي أو الشرعي.
3- هذا الجهد الفكري وقدح الذهن يكون بقصد استنباط الأحكام الظنية من المصادر التشريعية (الأدلة) وبذلك يخرج عن نطاق مفهوم الاجتهاد الأحكام القطعية كوجوب الصلاة وحرمة الزنا، فالعلم بها من أدلتها القطعية في دلالتها وفي ثبوتها لا يسمى اجتهادا؛ لأنه يحصل لكل عالم باللغة ومدرك للأحكام، ولا مجال لاجتهاد الساسة في نقضها بزعم المصلحة العامة لأنها تأسست أصلاً على حفظ تلك المصلحة بضوابطها وشروطها الدقيقة.
4- عملية بذل المجهود الفكري في استنباط الأحكام من مصادرها لها طرقها أو مناهجها التي تضبط مسارها نحو غايتها دون توظيف سياسي للنص الديني ضد مصلحة الناس.
والاجتهاد بهذا المفهوم ضرورة شرعية ووظيفة سياسية على ولاة الأمر من الساسة تحريها في تدبير مصالح الأمة للأسباب الآتية:
أ- أن الشرع الحكيم لم ينص حصرا على كل حادثة أو شأن عام بل ترك مساحة واسعة ليس فيها نصوص معينة ملزمة بل مبادئ عامة وحاكمة، وقد ترك الله مساحة الاجتهاد قصداً للعقل البشري في كل عصر لتكون مهمة المجتهدين في الأمة أن يملؤوها بما هو أصلح للعامة، وأليق بزمانهم وحالهم، مراعين في ذلك المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، مهتدين بروحها ومحكمات نصوصها، وبهذا يستطيع ولاة الأمر في الأمة أن يسنوا من القوانين والقرارات ما يستجيب لدواعي مصالحها المتجددة وحاجاتها المستحدثة، وهو ما يسمى هنا "الاجتهاد السياسي"، سواء في السياسة العامة أم العلاقات الخارجية.
ب- معظم نصوص الوحي في خاصيتها جاءت في صورة مبادئ كلية وأحكام عامة لم تتعرض للجزئيات والتفصيلات والكيفيات إلا فيما كان شأنه الثبات والدوام حتى وإن تغير الزمان والمكان، كالعبادات والزواج والطلاق والمواريث ونحو ذلك، وفيما عدا هذا مما يختلف تطبيقه باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والعوائد، فكانت النصوص فيه -غالباً- عامة ومرنة إلى حد بعيد لئلا يضيق الشارع على الناس إذا ألزمهم بصورة جزئية معينة قد تصلح لعصر دون عصر أو لإقليم دون إقليم أو لحال دون آخر، وهو ما كان من عوامل نشأة المذاهب الفقهية وثراء الاجتهاد الإسلامي عبر العصور.
ونظرا لما سبق فقد استنبط الفقهاء من نصوص الوحي قواعد كلية يندرج تحت كل منها ما لا يحصى من الحالات الجزئية. وعلى ضوء هذه الكليات من القواعد يستطيع المجتهدون أن يستخرجوا أحكام الحالات الجزئية التي تعرض في عصر ما ومكان ما؛ مراعين في ذلك ظروف الزمان والمكان.
ج- معظم النصوص التي تعرضت للأحكام الجزئية أو التفصيلية صاغها الشارع الحكيم صياغة تتسع لتعدد الأفهام والتفسيرات ما بين متشدد ومترخص، وما بين آخذ بظاهر النص وآخذ بروحه وفحواه، والأصل في الشأن العام التيسير والمندوب في الشأن الخاص مثل ذلك إلا أن يقرر الفرد الأخذ بالأحوط.
د- هناك تنوع في نصوص الوحي بين النصوص القطعية والنصوص الظنية، أما النصوص القطعية المحكمة المجزوم بثبوتها، القواطع في دلالتها، فهي التي أراد الشارع أن تلتقي عندها الأفهام ويرتفع عندها الخلاف وينعقد عليها الإجماع، وهذه هي التي تحفظ على الأمة وحدتها الفكرية والسلوكية، وأبرزها في الشأن السياسي الحفاظ على العدل والمساواة الأصلية- القانونية بين الناس وعدم مناصرة عدو على طائفة من الأمة على سبيل المثال، والتعاون العابر للحدود بين الجماعات والشعوب المسلمة أولاً ثم من يليها من غيرها إذا غلبت المصالح على المفاسد. ولهذا ففهم النصوص القطعية لا يناله التغيير على الزمان بل التغيير في ضبط الأحكام وكيفية التنزيل وطرقه وقواعده الإجرائية، بخلاف الأفهام الناشئة عن النظر في النصوص الظنية في دلالتها أو الظنية في ثبوتها فالاجتهاد أوسع، وينالها تغيير أكبر بتغير الزمن والأحوال والعوائد والأعراف، ولا منطق في أن يجمد الفقيه إزاءها على موقف واحد وإن تغير الزمان والمكان، بل يدور اجتهاده في بحوثه وتقنينه للمسائل مع المصالح وجودا وعدما، مراعيا المقاصد الكلية للشريعة وأهدافها العامة، ومستشيرا ذوي التخصص في كل أمر بعد أن اتسعت العلوم والمعارف والفنون في كل مجال، ولهذا فقد تقرر في علم الأصول مبدأ "تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال والعرف" كما فصَل ابن القيم في كتاب إعلام الموقعين.
من هنا تبدو حاجة الأمة الإسلامية إلى علماء لديهم نظر سديد وثقافة عصر واسعة وتمكن في فقه الشريعة ومعرفة بمقاصدها، وخبرة بمواضع الحاجة في الأمة، ومقدرة على إمدادها بالمعالجة الشرعية لاستبقاء عظمتها، وعلى الأمة أن تقيم من بينها من هم أوسع علما وأصدق نظرا في فهم الشريعة، ويتعين أن يكونوا قد جمعوا إلى العلم العدالة واتباع الشريعة والمعرفة بالزمان واستقامة الطريقة لتكون أمانة العلم فيهم مستوفاة، ولا تتطرق إليهم الريبة في النصح للأمة، وهو ما صار يتطلب الاجتهاد الجماعي لتعقد شئون الحياة المعاصرة وعلاقاتها الاقتصادية والسياسية.
هذا عن مفهوم الاجتهاد عند علماء أصول الفقه الإسلامي وأهميته وحكمه، باعتباره الأساس الذي يقوم عليه بناء عملية صنع القرار السياسي بعناصرها ومقوماتها المختلفة في إطار الحياة السياسية الإسلامية، كما أن مؤهلات صانع القرار يمكن أن تقاس امتدادا على مفهوم المجتهد بشروطه، وعملية الاجتهاد المتمثلة في بذل غاية الوسع في استنباط الحكم من مصادرها التزاما بالضوابط والمصادر والخصائص التي تتسم بها عملية صنع القرار السياسي هي جزء من مسئوليته، وهي ما يمكن أن يطلق عليها "الاجتهاد السياسي من أولى الأمر".
أولو الأمر.. صانعو القرارات السياسية
إن محاولة تأصيل مفهوم الاجتهاد والمجتهد السياسي -الذي يناط به صنع القرار السياسي المتعلق بالمصلحة العامة، في إطار العملية السياسية من المنظور الإسلامي- ينبغى أن تستحضر مفهوم المجتهد ومستلزماته العلمية والثقافية من ناحية، وطبيعة المهمة التي تناط به أو التي يتعين عليه النهوض بها وهي الاجتهاد في التوصل إلى القاعدة الملزمة أو القرار السياسي الملزم، والذي يتضمن الحل العملي أو البديل الذي يحقق إما جلب منفعة عامة أو درء مفسدة عامة؛ فالسياسة لا تقل أهمية عن الاجتهاد في الشرع، والتراخي في شروط الوظائف العامة لا يؤدي لتضييع المصالح العامة فقط بل يضيع الدين ذاته إذا تم توسيد الأمر غير أهله (وهو من علامات الساعة).
وهنا يبرز على بساط البحث مفهوم "أولي الأمر" الذين تؤهلهم قدراتهم للقيام بمهمة "الحل والعقد" في أمور الأمة، والتي يعبَّر عنها في الدراسات السياسية الغربية بالعملية السياسية المتمثلة في اختيار صانع القرار باعتباره في التحليل الأخير كما تسميه النظرية السياسية المعاصرة "خادما عاما" وشروط وظيفة "صنع القرار" باعتبارها مسئولية جسيمة وليست منصبا وغنيمة؛ فالاجتهاد السياسي لا يختلف في مفهومه عن الاجتهاد الأصولي، إلا في كون الأول صادرا عن أولي الأمر في شئون المصالح العامة اليومية والسياسية، إما بقيامهم بالاجتهاد ابتداء أو تبنيهم اجتهادا سابقا في شكل ترجيح أحد الآراء الاجتهادية الفقهية أو البناء على خبرة إسلامية سالفة، وإدخاله دائرة الإلزام السياسي من خلال العملية السياسية بقوة السلطة السياسية التي عقد لها الناس بيعة التفويض في إدارة الشأن السياسي (بشروطها)، وهنا نجد مؤشرا قرآنيا يتعلق بمهمة أولي الأمر ومسئوليتهم عن صناعة القرار السياسي في قوله تعالى: ]وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ[، والاستنباط هو استخراج الفقه باجتهاد وحكمة؛ الأمر الذي يستعصي على فهم غير الخبير، والآية تنسب مهمة الاستنباط إلى أولي الأمر، وهذه إشارة إلى الاجتهاد السياسي المتمثل في عملية صنع القرارات السياسية من أولي الأمر، الذين يستنبطون للقواعد والقرارات الملزمة سلما وحربا، وليس من الضروري أن يتحقق مفهوم المجتهد والاجتهاد بالمعنى المطلق في فرد معين، بل يمكن أن يتحقق مفهوم الاجتهاد المطلق في أمور السلم والحرب وبالشروط الموضوعة لمفهوم المجتهد لمجموع أفراد من خلال المفهوم المؤسسي انطلاقا من فكرة "تجزئة الاجتهاد" أو "المجتهد الجزئي" أي في موضوع معين وتخصص دقيق من فنون السياسة والاقتصاد والتجارة والحكم، ومن هنا فكرة الاجتهاد الجماعي التي تشير لها الآية بذكر أولي الأمر بصيغة الجمع؛ بحيث يتحقق في المؤسسة التي يناط بها عملية الاجتهاد السياسي جميع العناصر البشرية المؤهلة التي من تكامل تخصصاتها العلمية المتنوعة -شرعية وتقنية وتخصصية وفنية- يتحقق مفهوم المجتهد المطلق الفرد الذي عرفته البحوث الأصولية قديما في هذا الميدان قبل تعقد العلاقات المدنية والدولية، فيكون لدينا -إن صح التعبير- المؤسسة المجتهدة، أو المجتهد/ المؤسسة مما يتيح أن تصدر القرارات مستوفية لشروط صحتها الشرعية والفنية والتي تحقق المصلحة الشرعية العامة في مجالات السياسات العامة.
ومن هنا فإن الإطار العلمي العام لبنية عملية صنع القرار السياسي لا بد أن يتوافر فيه -بالإضافة إلى الشروط الأخرى- نوعان من الفقه أو العلم:
أولهما: علم بالأحكام الشرعية ومقاصدها، وهو ما يعني أن التأهيل الشرعي يجب أن يكون أساسيا في التعليم والتدريب في أقسام العلوم السياسية والمؤسسات الرسمية والحزبية السياسية بجانب العلوم المعاصرة الحديثة، فلا بد من الفهم المقارن الذي يمزج الشرع بالنظر المعاصر ناهيك عن أدوات الاستشراف المستقبلي والتي عرَّفها الفقهاء بفقه المآلات، وذلك كي يتوفر العقل السياسي القادر على النظر في نصوص الوحي لاستنباط الأحكام للحوادث والنوازل الواقعية، والقياس والاجتهاد الرصين المتجدد بحيث تستوعب بنية صنع القرار المقاصد الشرعية للمجال الذي ينتمي إليه القرار في كل حالة وتحيط بالمصالح المتغيرة وعلاقات القوة ونسبية المستجدات، خروجا من نزاع الدولة الدينية/اللاهوتية أم الدولة العلمانية الذي لم يعد يجدي ولا يؤسس ملامح للحاكمية في كل مجال بما يصلحه.
ثانيـا: العلم أو الفقه بدقائق متغيرات الواقع واستيعاب كامل لظروف وملابسات المستجدات والمشكلات موضع القرار، وهذا هو العلم بمعنى الخبرة الفنية، سواء كانت معرفة علمية كونية تتعلق بأسرار الطبيعة أو معرفة اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو عسكرية، أو مهنية من أي نوع؛ فالعلم بجميع فروعه، والخبرة المكتسبة الناشئة عنه، أمر ينبني عليه الفقه السياسي الإسلامي في صنع القرار، وهو هنا قرار سياسي مناطه المصلحة –شأن الحكم التكليفي- التي تتعلق بشتى مرافق الحياة في الدولة والمجتمع السياسي، وهذا يعني شموله الموضوعي الذي يتسع لجوانب الحياة العامة، وبالتالي حاجة عملية صنع القرار والاجتهاد السياسي إلى العلم والخبرة الفنية والتقنية.
وتفاعل هذين المتغيرين من متغيرات شرط العلم في بنية صنع القرار مع الشروط الأخرى -وخاصة شرط الأمانة- يفضي إلى البديل الأنسب لجلب المصلحة أو دفع المفسدة في الواقعة محل القرار؛ لأنه محصلة بذل الجهد واستفراغ الوسع من قبل من توفرت فيهم شروط الصلاحية لصنع القرار فيأتي مصيبا لوجه المصلحة غير مصادم لنص أو قاعدة كلية أو مقصد عام من مقاصد الشريعة الإسلامية.
مراحل صنع القرار السياسي في الرؤية الإسلامية
أما عن بنية صنع القرار المصلحي فيمكن القول بأن عملية "صنع القاعدة" أو القرار تمر بمرحلتين أساسيتين متكاملتين تمثلان في واقع الأمر نوعين من الاجتهاد السياسي:
المرحلة الأولى: بناء القاعدة الملزمة أو القرار السياسي:
مرحلة بناء القاعدة أو القرار وهي مرحلة التعامل مع نصوص الوحي ابتداء وتحكيما؛ أو العودة لها افتقارا عند مواجهة المشكلات، وهنا يكون الاجتهاد السياسي مستهدفا لاستخراج القاعدة أو القرار من النصوص مباشرة أو من معقولها وذلك باستخدام طرق الاجتهاد فيما ليس عليه نص معين للوصول إلى مراد الله في الواقعة.
فمرحلة بناء القاعدة أو القرار هي مرحلة إعمال العقل وقدح الذهن للوصول إلى القاعدة أو القرار من مصادره، وبطرقه الاجتهادية؛ فالقاعدة أو القرار الملزم، شأن الحكم الفقهي، إما أن يؤخذ من نص الوحي نفسه أي من اللفظ، ويسمى الاستدلال حينئذ استدلالا بالنص، كدلالة قوله تعالى ]وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ[ على حرمة القتل، وإما أن يؤخذ من معقول نص واحد، وهو القياس، وذلك إذا شهد النص لعين المصلحة، كأخذ حرمة النبيذ (أو المخدرات) ووجوب الحد على شربه، من معقول قوله تعالى: ]إنما الخمر والميسر… الآية[ فالنص بلفظه أفاد حكم الخمر وبمعقوله أفاد حرمة كل مفسد للعقل؛ فتحريم الشارع الخمر دليل اعتبار عين المصلحة وهي حفظ العقل في تحريم النبيذ والحد عليه، وهناك حالة ثالثة هي أخذ الحكم من معقول جملة نصوص لا يفيد كل واحد منها الحكم بانفراده، ولكنها تجتمع على معنى واحد وتدل على أصل كلي تعد المصلحة المفروضة في الفرع (الواقعة مثار القرار) جزئيا لهذا الأصل ونوعا يدخل تحت هذا الجنس الذي شهدت له النصوص وقامت عليه الأدلة.
وعلى هذا فإن الاجتهاد السياسي في هذه المرحلة من مراحل صنع القرار يدور في دائرتين: إحداهما: دائرة الاجتهاد فيما وردت فيه نصوص معينة من الوحي – قرآنا وسنة – سواء كانت نصوصا قطعية أو ظنية، ثانيا: دائرة الاجتهاد فيما لم يرد فيه نص معين من نصوص الوحي والاجتهاد في كل دائرة من هاتين الدائرتين له مستلزماته أو طرقه وأدواته التي يتعرض لها البحث فيما بعد.
وينطوي الجهد العقلي الذي يقوم به أولو الأمر المجتهدون السياسيون في هذه المرحلة من صنع القاعدة أو القرار على خطوتين أساسيتين:
1- الاجتهاد في تحديد المصلحة المستهدفة من القاعدة أو القرار:
سبقت الإشارة إلى أن الشارع قاصد بشريعته مصالح العباد، فكل نص أنزله وكل حكم شرعه يحصل مصلحة أو يدرأ مفسدة، ومن المهم أن ندرك أن هذه المصالح ليست بمعان خارجة عن نصوص الوحي حتى نطلب إدراكها من جهة غير جهة تلك النصوص، ولكن النصوص كلها جاءت تحملها في ذاتها؛ فالأمر بفعل شيء ما إنما هو نص على مقصد شرعي يحققه القيام بذلك الفعل، ومثال ذلك قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ} يتضمن هذا النص في ذاته أمرا بتحقيق مقصد الله في حفظ المال، من خلال الأمر بقطع يد السارق. وعلى هذا فإن عمل المجتهد السياسي في هذه الخطوة من بناء القاعدة أو القرار يتعلق بالاجتهاد في الكشف عن المصالح التي رعاها الشارع من جهتين:
الجهة الأولى: جهة المصالح المقصودة من خطاب الوحي، وتثبت عن طريق تحليل النص وتفسيره تفسيرا مصلحيا يكشف عن مقصود الشارع منه، وهي ما يسمى عبد البعض "تقصيد النصوص"؛ بمعنى إفراغ الباحث جهده العلمي في استجلاء الإرادة الشرعية من النصوص.
الجهة الثانية: هي العلل المقصودة من الأحكام -أوامر ونواه- وهو ما يسمى "تعليل الأحكام" فمن المقرر عند المحققين من العلماء أن أحكام الله تعالى مرتبطة بالمنافع والمضار التي تكون في الأفعال أو الأشياء، فإذا كان في الفعل منفعة خالصة أو راجحة على ما فيه من مضرة أمر الله تعالى به أو أباحه، وتختلف درجة الأمر تبعا لدرجة المنفعة التي تكون في الفعل محل الأمر، فإن كانت ضرورية في حياة الأفراد أو المجتمع كان الأمر لوجوب ذلك الفعل والإلزام به، وإن لم تكن المنفعة ضرورية كان الأمر لطلب ذلك الفعل على سبيل الندب أو الإرشاد أو لمجرد الإباحة.
وإذا كان في الفعل مضرة أو مفسدة نهى الله عنه، وهذا النهى تختلف درجته تبعا لدرجة المضرة أو المفسدة التي تكون في الفعل، فإذا كانت المفسدة كبيرة كان النهي لتحريم ذلك، وإن لم تكن المفسدة كبيرة كان النهي لكراهيته كراهة تحريم أو كراهة تنزيه على حسب درجة المفسدة قوة وضعفا.
2- الاجتهاد في بناء القاعدة الملزمة أو القرار السياسي:
وفى هذه الخطوة الثانية وعلى ضوء ما يكشف عنه البحث في المصالح التي رعاها الشارع يبني المجتهد السياسي الحكم أو القاعدة أو القرار الذي يحقق المصلحة التي قصدها الشارع، فهدف هذه الخطوة تحصيل صورة المراد الإلهي المضمر في النص الموحى في شكل الأوامر والنواهي التي تتعلق بما ينبغي أن تكون عليه أفعال الإنسان لتحقيق المصالح التي راعاها الشارع وصولا إلى إنجاز مهمة الاستخلاف والإعمار في الأرض؛ إذ إن الأحكام هي وسائل الشارع في تحقيق المصالح الشرعية، فما ورد فيه بعينه حكم من النوازل اتبع فيه حكم النص ويتم الالتزام به في إطار الحركة السياسية، أما ما لم يرد فيه بعينه نص حكم فيلتمس هذا الحكم أو القرار من النصوص الشرعية، وليس خارجا عنها، وعلى ضوء ما يكشف عنه الاجتهاد في تحديد المصلحة المستهدفة.
وهنا تتبع أدوات الاجتهاد فيما ليس فيه نص معين، وذلك بأن يعطي الواقعة المعروضة حكما يحقق مصلحة من نوع المصلحة الكامنة في هذه الواقعة أو مصلحة من جنسها.
وعلى هذا فإن عملية صنع القواعد الملزمة أو القرارات السياسية أو السياسات العامة تلتزم بالمصالح التي راعاها الشارع في مقرراته، وتبنى على أساسها باعتبارها خطابا ملزما، وتستمد منها شرعيتها، وحينئذ تكون سياسة شرعية، وسياسة عادلة -على نحو ما سلف– وإن تنكبتها كانت هوى وشهوة، تستوجب عدم العمل بمقتضاها لأنها سياسة ظالمة وليست من السياسة الشرعية.
المرحلة الثانية: مرحلة تطبيق القواعد الملزمة والقرارات السياسية على الواقع: (فقه تنزيل الأحكام):
وهي مرحلة تطبيق القاعدة أو القرار وهي مرحلة التعامل مع الواقع بقصد تنزيل القاعدة أو القرار -وهو يمثل البديل الأصلح شرعا للواقعة أو النازلة مثار القرار-وهذه المرحلة يتمثل فيها النوع الثاني من الاجتهاد السياسي، وهو الاجتهاد في تنفيذ القاعدة أو القرار، كي لا يؤدي التطبيق الخاطئ لإهدار المقاصد، ومن هذين النوعين من الاجتهاد يتكون الاجتهاد السياسي.
وتتأسس مرحلتا صنع القرار على ما ذهب إليه الإمام الشاطبي من أن كل مطلب شرعي مبني على مقدمتين إحداهما ترجع إلى نفس الحكم الشرعي، وهي نقلية (أي تتعلق بالنص)، والأخرى ترجع إلى تحقيق مناط الحكم، وهي نظرية بمعنى أنها تثبت بالفكر والتدبر (أي في الواقع محل القرار).
وإذا كانت المرحلة السابقة في صنع القرار السياسي هي مرحلة التعامل مع النصوص بقصد التجريد والتقعيد، فإن هذه المرحلة هي مرحلة التعامل مع الواقع بقصد التطبيق، وهو ما عرف لدى الأصوليين بتنزيل الأحكام على محالها الواقعية، وهو نوع من الاجتهاد السياسي في إجراء القواعد والقرارات على الواقع لتحصيل المصالح ودرء المفاسد في هذا الواقع.
هذا الاجتهاد السياسي في التطبيق أو التنزيل على الواقع يهدف إلى الوصل بين الوحي والواقع على معنى تبيين المسالك والكيفيات التي يأخذ بها الوحي مجراه نحو الوقوع، ويأخذ بها الواقع مجراه نحو التكيف بإلزامات الوحي، ويمثل كذلك حركة العقل بين أحكام النصوص ومقاصدها من جهة، وبين وقائع الناس وأحداثهم من جهة أخرى؛ بقصد توجيه تلك الأحداث والوقائع لتتطابق مع صورة الأحكام وتحقيق المقاصد، فهي حركة للملاءمة والمطابقة بين عناصر ثلاثة: تكاليف متمثلة في أوامر ونواه، ومقاصد أو مصالح، وصور عملية لأفعال الناس.
هذه المطابقة أو الملاءمة بين هذه العناصر تبدأ بالتعرف على الوقائع وقد استحضرت المصالح والتكاليف، إنها من منطلق التحليل السياسي محاولة لاكتشاف الوقائع ووصفها وتحليل عناصرها وتفسير أسبابها ومآلاتها، وهذا يتضمن دراسة وتحليل الظواهر وتمييز كل ظاهرة عن غيرها مما يمكن أن تتشابه أو تختلط معها، وذلك بتحديد خصائصها المميزة بدقة، والمصالح والمفاسد التي تنطوي عليها في الواقع، حتى يمكن تنزيل القاعدة أو القرار تنزيلا صحيحا.
وهذا ما سماه الشاطبي الاجتهاد في "تحقيق المناط" أي مناط الحكم أو القرار في الواقع وهو محله وموضعه، وليس ذلك إلا التصرفات والوقائع العملية؛ إذ إن الشارع نصوصه كلمات جوامع وقضايا كلية، وقواعد عامة، يمتنع أن ينص على كل فرد (حدث فردي) من جزئيات العالم إلى يوم القيامة، فلا بد من الاجتهاد في المعينات؛ هل تدخل في كلماته الجامعة أم لا؟ هذا الاجتهاد في المعينات الذي هو الاجتهاد في تحقيق المناط له وجهتان:
إحداهما: الاجتهاد في تحقيق نوع الوقائع والتصرفات، فالحكم الذي ينطوي عليه النص صورة كلية وقاعدة عامة تتجه إلى أجناس الأفعال. وبالرجوع إلى واقع الحياة الإنسانية يتبين أن تصرفات الإنسان تشتمل على أنواع كثيرة تـندرج تحت تلك الأجناس وتكون مشمولة بالأوامر والنواهي المتجهة إلى هذه الأجناس، فمثلاً الحكم بتحريم السرقة مقدمة نقلية ترجع إلى نفس الحكم الشرعي، وهو قاعدة عامة تتجه إلى أفعال كثيرة متشابهة في الواقع، منها اختلاس الدرهم من جيب أحد المارة، والسطو على بنك والاستيلاء على ما فيه من أموال، واغتصاب حافظة نقود من أحد رجال الأعمال، هذه صور عملية متشابهة وأنواع لسلوكيات متقاربة مشمولة بحكم السرقة، ولهذا فهي تحتاج إلى وصف وتفسير وتمييز لمضمونها، وآثارها الاجتماعية ومدى المفسدة التي تمثلها كل منها، ثم إدراج هذه الأنواع من الصور العملية إلى جنسها ليشملها الحكم الخاص بهذا الجنس، وهذا النوع من الاجتهاد هو المقصود بتحقيق مناط الحكم وهو التدبير والنظر في الواقع العملي للأحكام.
ثانيهما: اجتهاد في تحقيق الأفعال المشخصة، هذا النوع من الاجتهاد يشبه سابقه المتعلق بتحقيق الأنواع ولكنه أخص وأدق، إذ هو تحقيق ونظر في أفراد الأعمال والتصرفات من جهة فاعليها، والسبب الدافع، والظرف المكاني والظرف الزماني، والمصلحة أو المفسدة الثاوية في هذه الأفراد من الأعمال (الوقائع الفردية)، وهذه المتغيرات لا يمكن أن تجتمع في أكثر من حادثة لأنها ستفترق في هذه العناصر وبعد هذا التحقيق تُدرج أفراد الأعمال والتصرفات في أنواعها وبالتالي في أجناسها، وحينئذ يتبين مسلك تنزيل الحكم المناسب عليها من بين الأحكام المختلفة لهذه الأنواع.
وهكذا فإن البحث الذي يقوم به المجتهد السياسي في وصف الواقع وتفسيره واستيعاب ملابساته، وتمييز الأفعال والتصرفات بإلحاق الأفراد إلى الأنواع والأنواع إلى الأجناس من شأنه أن يوفر المعطيات الأساسية التي بحسبها يلائم العقل بين الصورة الواقعية للفعل وهي "المناط الواقعي" وبين ما يناسبها من الحكم.
فقه الواقع
فقه الواقع والعلم به في جميع عناصره ومكوناته وما ينطوي عليه من مصالح ومفاسد لا يقل أهمية في عملية صنع القرار السياسي عن فقه النصوص والأحكام وما تتغياه من مصالح ثاوية فيها، وضرورة تزامن هذين النوعين من الفقه في جميع مراحل عملية صنع القرار، وهذا يكشف عن أهمية عنصر الخبرة العلمية والفنية والوسائل والأدوات المعرفية والمنهجية التي تساعد في فهم الواقع وتفسيره، وهذا يشمل كافة العلوم الإنسانية والكونية، وهذا ما أكده الإمام الشاطبي في قوله: "لأن المقصود من هذا الاجتهاد إنما هو العلم بالموضوع على ما هو عليه (أي في الواقع) وإنما يُـفتقر فيه إلى العلم بما لا يعرف ذلك الموضوع إلا به من حيث قصدت المعرفة به فلا بد أن يكون المجتهد عارفا ومجتهدا من تلك الجهة التي ينظر فيها ليتنزل الحكم الشرعي على وفق ذلك المقتضى".
إن الاجتهاد في تحقيق المناط الواقعي للأحكام والقواعد والقرارات بوجهتيه السابقتين له أهمية في دراسة الظواهر السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتحليل عناصر هذه الظواهر ووصفها أو تشخيصها بغية معالجتها بحسب أحكام الوحي، عن طريق وضع السياسات العامة على ضوء من فقه هذه الظواهر كما هي في الواقع، وفقه المقاصد والأحكام التي تندرج فيها هذه الظواهر بمتغيراتها، كما أن هذا النوع من الاجتهاد في تنزيل الأحكام والقواعد له أهميته في القضايا النظامية المتعلقة بإسناد وتوزيع الأدوار أو القيام بالواجبات الكفائية العامة ومعرفة قدرات الأشخاص في تحمل الأمانات العامة التي سيكلفون بها؛ تنزيلا للأمر التكليفي بأن تُـؤدى الأمانات إلى أهلها وأن يولَّى الأمور من يصلح لها، وكون هذا الشخص المعين صالحا لذلك أو راجحا على غيره، وهو أمر لا يمكن أن تدل عليه النصوص، ولا يُعلم إلا باجتهاد خاص.
ومما يذكر أن هذا السياق الفكري الخاص بالاجتهاد في فهم الواقع يتعلق مناطه أيضا بدراسة وتحديد الأهداف والمطالب السياسية العامة التي تعبر عن المصلحة العامة في مستواها الواقعي وهو ما سبق أن عُـبر عنه بمستوى "الأهداف السياسية"، وهنا يتجه الاجتهاد إلى دراسة هذه المطالب والحاجات الواقعية وتشخيص وجه المصلحة والمنفعة ووجه المفسدة والمضرة من حيث هي في الواقع تمهيدا للكشف عن مدى اندراجها وتوافقها مع المقاصد والمصالح الشرعية، ومن ثم بناء الأحكام والقواعد والسياسات العامة التي تحقق هذه المطالب على مقتضى النصوص والأحكام.
ويترتب على القول بأن كل حكم أو قاعدة أو قرار يحتاج في تنزيله إلى اجتهاد في تحقيق محله في الواقع نتيجة مفادها تجدد النظر الاجتهادي في كل واقع جديد ليقع الانتهاء فيه إلى تنزيل جديد للأحكام مهما كان الواقع الجديد في حالاته الفردية وظواهره العامة مشابها للواقع القديم، ومحاولة تنزيل اجتهاد قديم على واقع جديد تمثل خللا في مقتضيات تنزيل الأحكام على الوقائع؛ الأمر الذي يقع بسببه حرج ومشقة للخلق بسبب تنزيل الأحكام والقواعد في غير محالها في الواقع، وهذا الخلل لا يقل أهمية في آثاره عن الخطأ في تنزيل الأحكام على واقع الحياة دون تفهم لنصوص الوحي ومقاصدها والأحكام وعللها، حيث يؤول الأمر إلى إجراء الحياة على غير المراد الإلهي.
لقد أثمر اجتهاد الفقهاء في التعامل مع الوحي وفهم نصوصه والنظر في الواقع وفك التباساته ثروة فقهية عظيمة من الأحكام التي تنقسم قسمين:
القسم الأول: أحكام ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، ولا تختلف المصلحة فيها باختلاف الأحوال والأزمان والأماكن، وهي الأحكام الناتجة من الفهم والنظر في النصوص القطعية في ثبوتها ودلالتها على المراد الإلهي، فهذه النصوص صيغت بحيث لا يمكن بحال أن يفهم منها إلا وجه واحد من وجوه المعاني بحسب ما يقتضيه اللسان العربي، وتتحقق هذه القطعية في نصوص القرآن والسنة المتعلقة بالعقائد والعبادات والمقدرات من الكفارات والحدود، وفرائض الإرث.
القسم الثاني: أحكام مرنة قابلة للتغير، منها ما هو محصلة الفهم والنظر في النصوص الظنية في ثبوتها أو دلالتها، فهذه الأحكام ناشئة بعد النظر في احتمالات مختلفة وقع ترجيح أحدها بناء على أدلة وقرائن بذل العقل وسعه في الإدلاء بها لترجيح ذلك الاحتمال، وهذه الأدلة والقرائن قد تكون محل نظر جديد بناء على معطيات جديدة يتوصل إليها العقل بالتفكير، أو تكشف عنها مستجدات المعارف والعلوم الإنسانية وتكون نتيجة ذلك النظر العدول عن أدلة الترجيح وقرائنه القديمة إلى أدلة وقرائن أخرى ترجح احتمالاً آخر، فينشأ فهم جديد.
ومما يعتبر من الأحكام القابلة للتغير وفقا للمستجدات تلك الأحكام التي تدخل في الوظيفة الاستدلالية للسياسة الشرعية، وهي الأحكام التي لم يرد فيها نص خاص صريح والتي تثبت من أول الأمر بعرف أو مصلحة مرسلة، مما ليس نصا أو إجماعا، ثم يتغير ما بني عليه الحكم، بأن يتغير العرف، أو تتبدل المصلحة تبعا لتغير الأزمنة والأمكنة والمجتمعات فيتغير الحكم تبعا لذلك، وقد تكون أحكاما ثابتة في أول نشأتها بنص جاء موافقا لعرف موجود وقت نزول التشريع، أو معللا بعلة غائية، أو مؤقتا بوقت، أو مقيدا بحال من الأحوال أو مرتبطا بمصلحة معينة، ثم يتغير العرف أو تزول العلة، أو ينتهي الوقت الذي وقِّت به الحكم، أو تتغير الحال التي قيد بها الحكم، أو تنتفي المصلحة المعينة التي ربط الحكم بها، وعندئذ يتغير الحكم تبعا لذلك كله كما تقضي بذلك القواعد العامة في الشريعة.
والجدير بالذكر أن المصلحة التي بني عليها الحكم، أو تغير الحكم إليها، لا تكون صادرة عن هوى أو شهوة أو مصلحة خاصة بفرد أو جماعة سياسية معينة، بل المراد بها المصلحة المعتبرة شرعا وهي التي يترتب على بناء الحكم عليها جلب مصلحة أو درء مفسدة على سبيل التحقيق وأن تكون عامة لا خاصة، وألا يترتب على بناء الحكم عليها مخالفة لنص أو إجماع.
وهكذا فإن دائرة الأحكام الثابتة تتضاءل أمام اتساع دائرة الأحكام القابلة للتغير، وهو ما يعطي لأولي الأمر صانعي القرار السياسي مجالاً فسيحا، وصلاحيات واسعة يمكنهم بمقتضاها التصرف والتدبير، واتخاذ ما يلائم ويساير التطورات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في حياة الأمة من قواعد وسياسات وقرارات تقتضيها المصلحة العامة، ولو لم يرد بذلك نص خاص، ولا انعقد عليه إجماع، ولا دل عليه قياس، وذلك بالاعتماد على أسس وأدوات أقرت الشريعة بصلاحيتها لاستنباط الأحكام والقواعد الملزمة والقرارات السياسية بواسطتها مثل المصالح المرسلة والاستحسان، وقواعد اعتبار المآل... الخ.
وختاما فإن عملية صنع القواعد والقرارات السياسية ليست مقصورة على التوصل إلى قرار أو قاعدة ملزمة في المسائل المستحدثة التي لم يسبق بحثها فقها أو لا يوجد بخصوصها رأي فقهي سابق، بل تمتد لتشمل الترجيح بين الآراء الفقهية المتعددة في الوقائع المعروضة، بمعنى أنها تستفيد بطبيعة الحال من الثروة الفقهية للأمة وذلك بإدخال هذه الآراء الراجحة -المناسبة للوقائع المثارة- إلى دائرة التبني والقبول السياسي تأسيسا على المواءمة التاريخية والتيسير على العباد وتحقيق المصالح.


















