حلب... تُفتح بـ "بومبة"
تسمية المدينة
وردت حلب في عدد كبير من النصوص الأثرية، ففي لارسا واسمها الآن سنكرة أَثَران - يرجع عهدهما إلى 2036 - 2047 ق.م جاء في الأول: "إلى عشتار الحلبية أناوردسين ملك لارسا"، وجاء في الثاني "إلى عشتار الحلبية: ابنة البكر"، والرقم الأثرية تذكر حلب بأسماء متقاربة في اللفظ: ففي الآثار المصرية تذكر باسم "حلُبُو" و "حلب كو" و "حِللبون" وفي الآثار الحيثية تذكر باسم "حلب" و "حلباس" و "حالا اب".. إلخ.
ويعتقد عبد الفتاح رواس قلعة جي أن مدلول كلمة حلب لا يخرج عن كونه مكان التألب والتجمع أو مكان القلب وعلى هذا تكون الكلمة:
1 - إما مركبة من كلمتين: أ - حل وتعني نزول القوم بمحلَّة، وهو نقيض الارتحال ولها المدلول نفسه في العبرية إذا أبدلت اللام نونًا وهو إبدال معروف في العربية وسائر اللغات السامية، وفي البابلية لفظة قريبة من حل هي "إلى" وتعني المدينة، ومثلها في الأكدية "الو" وفي اللفظتين أبدلت الحاء بالهزة.
ب - لب وتعني التألب والتجمع، والقلب، وقد وردت في العبرية والسريانية والأكدية بمعنى القلب.
وعلى هذا يكون معنى حلب هو مكان التجمع والتألب أو مكان القلب، وكانت حلب مكان القلب والتجمع بين ماري وإيبلا وكركميش ومابوغ واوغاريت واراساوكانس وأراباد، وكانت المركز الديني الأول وقبلة المدن الأخرى بمعبودها الشهير الإله حدد، والمركز التجاري الأكثر أهمية.
2 - أنها تحمل معناها وتركيبها الأصلي فقد جاء في القاموس المحيط: حلَبَ القوم حَلْبًا وحلوبًا اجتمعوا من كل وجه. وقاموس اللغات العربية القديمة (السامية) غير منقطع عن قاموسها الجديد، وعلى هذا تكون أيضاً بمعنى التجمع فهي الواسطة بين مخاضات الفرات والبحر، وبين ممرات طوروس وجنوبي سورية وطريق مصر كما أسلفنا..(1)
إن أقدم ذكر لحلب يعود إلى ما قبل القرن الخامس والعشرين قبل الميلاد، وفي عهد ريموش بن سارغون الآكدي 2530 - 2515 ق.م، مؤسس أول إمبراطورية سامية في الشرق، لقد استولى ريموش على حلب وأسر ملكها أوشومكال، وكانت حلب آنذاك مدينة مزدهرة قوية (2).
حلب عبر العصور
كانت حلب عاصمة مملكة يمحاض الأمورية في فاتحة الألف الثاني ق.م، وهي من أعظم ممالك الهلال الخصيب. كانت لملوك حلب سطوة كبرى تشبه سطوة ملوك السلالة الأولى البابلية. وقد أرسلت مملكة حلب جيوشها الكثيرة العدد لمساعدة الملك البابلي المشهور حمورابي - وعقدت معاهدات صداقة بين حلب وبابل وماري (تل الحريري حاليًا على الفرات قرب البوكمال). ويدلنا على سطوة مملكة يمحاضي وقوة سلالتها الأمورية الحاكمة، أن عشرين ملكًا كانوا تابعين لها وخاضعين إليها.
وهاجم الحيثيون حلب في منتصف القرن الثامن عشر ق. م فقامت هجومهم وانتصرت عليهم بادئ ذي بدء، ولكنها ما لبثت أن خضعت إليهم، ودخلها الملك الحيثي مورشيل الأول فاتحًا، وخربت تخريباً شنيعاً انتقاماً لما أبدته من مقاومة، ونفى عددًا من سكانها إلى حاتوشا (عاصمة الحيثيين)، وقتل كثير من أبنائها، وظلت تحت نير الحيثيين، حتى منتصف القرن السابع عشر إذ استعادت استقلالها عنهم، ولكنها ما لبثت أن خضعت للميتانيين الذين حكموها حتى سنة 1473 ق.م، واستولى عليها بعد ذلك المصريون الفراعنة لفترة قصيرة وكانت في القرنين الخامس عشر والرابع عشر ق. م تقع تارة بيد الحيثيين وتارة أخرى بيد الميتانيين - ولكن الفاتح الحيثي شييلو ليوما فتحها، وأصبحت مملكة ذات أهمية يحكمها ملوك من السلالة الحيثية الكبرى، وقد خلف ملكها تليبينو ابنه تلمي شروما، وبقيت المملكة الحلبية تحت السلطة الحيثية حتى سنة 1200 ق.م؛ إذ انهارت المملكة الحيثية تحت ضربات الشعوب الآتية من الشمال والتي سميت بـ (شعوب البحر).
وأصبحت حلب قاعدة لمملكة صغيرة آرامية مستقلة إلى أن فتحها سلمنصر الثالث في سنة 853 ق.م، ثم استولى عليها ساردوري ملك الأوراتو (أرمينيا الحالية)، ولكن سرعان ما استعاد الآشوريين الاستيلاء عليها في عهد تغلا تفلصر، وبقيت تحت سلطتهم حتى انهيار دولتهم في سنة 612 ق.م، وخضعت حلب بعد ذلك للحكم البابلي الحديث لمدة قرن تقريبًا، ثم دخلت في حوزة الإمبراطورية الفارسية الأخمينية وبقيت حتى سنة 333 ق.م، حيث فتحها الإسكندر الكبير المقدوني.
ودخلت، بعد وفاة الإسكندر في حوزة قائده سلوقس نيكاتور مؤسس السلالة السلوقية، فأعاد إليها مجدها ورممها وجدد بناءها وسماها (بيروة) تخليدًا لاسم مدينة بيروة المقدونية، وسكنت حلب جالية مقدونية كبيرة أتت من بيروة فأصبحت من جديد إحدى المدن السورية الكبرى. واحتلها الأرمن لقليل من الوقت في عهد ديكران الكبير.
ثم فتحها الرومان سنة 64 ق.م على يد قائدهم بومبه، وقد ازدهرت في عهد السِّلم الروماني، وكانت في العهد البيزنطي، أبرشيه كبرى. وغزاها في سنة 540م الفرس الساسانيون وخربوها وحرقوها وإن لم يتمكنوا من فتح قلعتها، ولكن الإمبراطور البيزنطي جستنيان رمَّمها وبناها وحصنها.
الفتح الإسلامي لحلب
فتح المسلمون حلب في سنة 636م بقيادة أبي عبيدة عامر بن الجراح وخالد بن الوليد – رضي الله عنهما - وازدهرت حلب في العصر الأموي والعصر العباسي، وحكمها في القرن 4هـ/10م بنو حمدان، وبلغت ذروة مجدها في أيام سيف الدولة الحمداني، وكان له فضل كبير في قيادة الحروب التي دارت رحاها بين المسلمين والروم، وقد غزا هؤلاء في عقر ديارهم، في قلب الأناضول، ولكنه غلب على أمره أخيراً، واستطاع نيقفور فوكاس غزو حلب، فخربها تخريبًا شنيعًا وإن لم يتمكن من قلعتها، وقاد كثيرًا من سكانها أسرى حينما غادرها، ثم عاد إليها سيف الدولة فرمَّمها وأسكن بها سكان قنسرين عوضًا عن سكانها الأصليين الذين أسرهم الروم. وكان سيف الدولة يكرم الشعراء والكتاب والعلماء، ومن أشهرهم الشاعر أبو فراس الحمداني وأبو الطيب المتنبي.
ثم تناوب الحكم على حلب العبيديون في سنة 406هـ/ 1015م والمراداسيون سنة 415هـ/ 1024م، والسلجوقيون سنة 475هـ/ 1086م. وحين زحف الصليبيون على سوريا واستولوا على أنطاكية سنة 492هـ/ 1098م سعى رضوان أمير حلب السلوجقي، مع سائر الأمراء المسلمين إلى استعادة أنطاكية فلم يفلح. وقد حاصر الصليبيون حلب مراراً وفرضوا الجزية عليها، ثم استعان الحلبيون بعماد الدين بن زنكي أمير الموصل الذي قبل اعتلاء عرش حلب. ونجت هذه في عهده من الكابوس الصليبي. وخلف نور الدين محمود والده وتكاثرت انتصارات المسلمين على الصليبيين وتمكن جيوش حلب من أسر كثير من رؤوس الصليبيين والروم ومن بينهم بووان الثاني ملك القدس، ورينودي شاتيون أمير أنطاكية، وجوسلان كونت اديسا (الرها - اروفه).
وحكم حلب بعد وفاة نور الدين ابنه، ثم آلت إلى صلاح الدين الأيوبي الذي وضع أخاه حاكماً عليها، ثم أعطاها إلى ابنه الملك الظاهر غازي. وكان هذا من أعظم ملوكها ومصلحيها، فقد رمَّم أسوارها وحصَّن قلعتها وجعلها مركزاً له ولبلاطه.
وخلف الملك الظاهر ابنه الملك العزيز ثم الملك الناصر الثاني يوسف، وقد استولى المغول في عهد الأخير على حلب بقيادة هولاكو وذلك سنة 658هـ/1260م. وقد أحرقها هذا وسبى سكانها وتمكن من قلعتها بعد حصارها ووعده باحترامها واحترام من فيها، ولكنه قتل حماتها وخربها.
وخرج المغول من حلب بعد انتصارات المماليك عليهم في عين جالوت وحمص. ورمم الملك الأشرف قلاوون المدينة والقلعة. وما لبث المغول أن عادوا إلى حلب واحتلوها في عهد تيمورلنك سنة 804هـ/ 1401م، وهدموها وأحرقوها ودمروها من جديد، ولكنهم لم يمكثوا فيها طويلاً، فعاد إليها المماليك ورمموها وظلوا فيها إلى عام 922هـ/ 1516م.
ودخلت حلب في حوزة العثمانيين بعد معركة مرج دابق – شمال حلب – وظلت خاضعة للعثمانيين حتى سنة 1247هـ/1831م، حيث استولى عليها إبراهيم باشا بن محمد علي باشا والي مصر. وظلت خاضعة للحكم المصري حتى عام 1256هـ/1840م، وعاد إليها العثمانيون من جديد بمعونة إلى الدول الأوروبية وعلى رأسها إنجلترا وروسيا والنمسا وظلوا فيها إلى آخر الحرب العالمية الأولى. وحينئذ دخلت في حكم الأمير فيصل بمساعدة الحلفاء، ثم خضعت مع المدن السورية للحكم الفرنسي منذ عام 1920م حتى عام 1946م حين نالت سوريا استقلالها.
أسواق حلب
عرفت حلب بأسواقها المتنوعة التي سميت بأسماء الحرف والصناعات التي كانت قائمة في المدينة ومنها سوق النحاسيين وسوق العطارين وسوق الحدادين، وسوق البن، وسوق الجمال، وسوق الحرير، وسوق الحصارين، وسوق الخابية، وسوق الخشابين، وسوق الخضرية، وسوق الخيل، وسوق الزجاجين، وسوق الصباغين الذين كانوا يقومون بصبغ الأقمشة، وسوق الصرماياتية ويسمى القوا فخانة، وتصنع في هذا السوق وتباع الأحذية الحلبية التقليدية والمعروفة باسم الصرماية وتكون حمراء أو صفراء، وسوق الصياغ، ويوجد في حلب سوقان للصياغ، وفيها الآن عدة أسواق للصياغ. وكان نتيجة ازدهار التجارة أن انتشرت الخانات بحلب ومن أشهرها خان السبيل وخان الحرير وخان إسطنبول وخان الشوربجي، وكثرة الخانات في حلب دليل واضح على ازدهار الحركة التجارية.
مساجد وجوامع ومدارس حلب
جامع حلب الكبير: بُنِي جامع حلب الكبير في العهد الأموي على هيئة جامع دمشق في أيام الخليفة سليمان بن عبد الملك، ثم تهدم أكثر من مرة، كانت الأولى حين غزا الإمبراطور "نقفور فوكاس" مدينة حلب وخربها، والأخيرة كانت على يد تيمورلنك، وجدد في العهد المملوكي. وأقدم شيء فيه مئذنته الرائعة، وهي مربعة الشكل شيدت في عام 1090م، ويشتهر أيضاً بمنبره الخشبي المصنوع من خشب الأبنوس المطعم بالعاج، صنع في أيام السلطان الناصر محمد بن قلاوون في القرن 8هـ/ 14م.(3).
وفي حلب كثير من المساجد أهمها جامع الأطروش الغني بواجهاته المبنية بالحجر المنحوت وهو من العهد المملوكي، ثم جامع الخسروية وجامع العادية والبهرمية وهي من العهد العثماني، وفي القرن 10هـ/ 16م تمثل فن العمارة العثماني بقبيباتها والقاشاني الذي يزين جدرانها.
المدرسة الشاذ بختية: أنشأها الأمير جمال الدين شاذ بخت الهندي الأثايكي، وذلك تلبية لأمر نور الدين محمود سنة 589هـ/ 1193م، على مدخلها (4) الرئيسي الذي يقع في مقابلة إيوان القبلة. ولما تم بناؤها استدعى الأمير جمال الدين شاذ بخت، العلامة نجم الدين مسلم بن سلامة من سنجار ليتولى التدريس بها، وتقع المدرسة في السوق المعروفة باسم سوق العزب، وهي تعرف حالياً باسم جامع المعروف.(5)
المدرسة الجوانية: من المدارس ذات الإيوانين بحلب المدرسة الجوانية أو السلطانية التي بدأ في تأسيسها الملك الظاهر بن صلاح الدين، إلا أنه تُوُفِّي سنة 613هـ قبل إتمامها، وبقيت مدة بعد وفاته حتى شرع في تكملتها شهاب الدين طغرل أتابك الملك العزيز فعمرها وأكملها سنة 620هـ/ 1223م. وقد كانت مدرسة مشتركة فقد خصصت لتدريس مذهبي الشافعية والحنفية، وقد درس بها القاضي بهاء الدين بن شداد، وولي نظرها القاضي زين الدين أبو محمد عبد الله الأسدي قاضي قضاة حلب (5).
المطبخ العجمي: قصر قديم من القرن 6هـ/12م، يقع إلى جوارخان الوزير بحلب، يعتبر ما بقي منه من روائع العمارة ويمثل بأواوينه ومقرنصات قتبة فنًّا أصيلاً توطد في عصر السلاجقة وأتايكهم.
البيمارستان الأرغوني (المستشفيات): لعله أهم البيمارستانات التي ما تزال قائمة في الشام، ويعتبر مثلاً كاملاً للبيمارستانات التي كانت تقوم مقام المستشفيات في عصرنا، وهو بناء هام من حيث مخططه وفن عمارته، بناه في محلة باب قنسرين نائب السلطنة أرغون شاه سنة 8هـ/ 14م، ويوجد بحلب بيمارستان أقدم منه بني في عهد نور الدين في محلة الجلوم لكنه متهدم بعض الشيء.
السور والأبواب
ما تزال مدينة حلب تحتفظ كأكثر مدن الشرق بجزء من أسوارها الحصينة وعدد من بواباتها الضخمة، وقد تهدم سورها مرات خلال الغزوات التي اجتاحت المدينة في أيام الروم والتتار ثم أعيد ترميمه، وما يشاهد منه اليوم يرجع إلى العهدين الأيوبي والمملوكي، وأهم أبواب السور الباقية: باب النصر، وباب الحديد، وباب أنطاكية - وباب قنسرين.
قلعة حلب: تاريخ القلعة يعتبر صدى لتاريخ المدينة، وهو حافل بأحداث النضال والمقاومة تذكرنا القلعة بأبي عبيدة وخالد – رضي الله عنهما - وقصة الفتح الخارقة، وتذكرنا بسيف الدولة وحروبه الدائمة مع الروم البيزنطيين، وبالملك العادل نور الدين ومعارك التحرير التي قادها ضد الصليبيين، إلى ذلك من المواقف والذكريات.
شيدت قلعة حلب في العهد الهلنستي فوق مرتفع طبيعي يتوسط المدينة، كان في العهود السحيقة مقرّ للمدينة القديمة التي تهدمت مع الزمن. ولكن الأبنية التي نشاهدها الآن ترجع في مجملها إلى العهدين الأيوبي والمملوكي، وأكثرها يعود إلى أيام الظاهر غازي، ثم ترميمات من عهد سلاطين المماليك، قلاوون وقايتباي وقانصوة الغوري.
وأهم شيء في القلعة اليوم، خندقها العميق الواسع الذي يبلغ قطره الكبير أكثر من خمسمائة متر وعرضه ستة وعشرين مترًا، وسفح القلعة المشرف على الخندق كان مصفحًا بالحجارة المنحوتة، ثم المداخل الحصينة التي ما تزال قائمة بحالة جيدة، وتعتبر من أرقى ما وصل إليه فن التحصين العسكري من براعة الهندسة وإتقان البناء.
اقرأ في نفس الزاوية:
الصوفية المقاتلةالإبداع خلاصة فكر.. لا تنتهي عجائبه
هوامش ومصادر:
1 – عبد الفتاح رواس قلعة جي: حلب القديمة والحديثة، ص 21 مؤسسة الرسالة دمشق.
2 - المرجع السابق، ص25.
3 - محمد أبو الفرج العشي وعبد القادر الريحاوي، المعالم الأثرية والمتاحف في الجمهورية العربية السورية ص264.
بحث في كتاب المعالم الأثرية في البلاد العربية جـ 2، إصدار المنظمة العربية للتربية والثقافة، والعلوم، القاهرة، 1972م.
4 - أسعد طلس، الآثار الإسلامية والتاريخية في حلب ص73.
5- سعاد ماهر محمد، العمارة الإسلامية على مر العصور، ص514، جـ2، دار البيان العربي، جدة، 1405هـ/ 1985م.





















