مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

المشكلات الثقافية فاقمت الفجوة التقنية بين الشمال والجنوب

حسام شاكر - قدس برس / 04-11-2000

فيينا- كثيرون أولئك الذين ذهبوا قبل سنوات قليلة مضت إلى التبشير بالاكتساح السريع لشبكة العنكبوت الدولية "إنترنت" للعالم. وبات واضحاً اليوم أن أولئك قد تجاهلوا واقع هذا العالم الذي يتحدثون عنه، فليست نيويورك أو باريس أو طوكيو إلا نقاطاً صغيرة بالنسبة للأرض وسكانها، فقبل ست سنوات فقط كان الصحافيون المبهورون بالكلمة السحرية الجديدة "إنترنت" ينسجون مستقبلاً ورديًّا عن طبيعة الانفجار المعلوماتي في حياة البشرية الذي ستحققه هذه الشبكة واسعة الإمكانيات قبل الألفية الثالثة.

أما اليوم فبعد أن تجاوزنا منعطف الألفية الثالثة لا نجد ذلك "الانفجار المعلوماتي" إلا محصوراً في نخبة العالم، خاصة وأن أمامنا القليل من الدول التي يربو عدد مستخدمي إنترنت فيها عن عشرة في المائة من سكانها.

الثورة التقنية.. عالمية أم نخبوية؟!

لا جدال أن الثورة التقنية قد حدثت بالفعل، لكنها ظلت نخبوية إلى حد كبير. تلك النخبوية تأخذ بعداً أمميًّا في سياق الفجوة المتفاقمة بين الشمال الذي يمثل الأقلية والجنوب الذي يمثل الأغلبية، كما تأخذ بعداً محليًّا واضحاً في كل دولة على حدة؛ حيث تبدو شبكة "إنترنت" من حظ الشريحة الميسورة والمثقفة وأبعد ما تكون عن السواد الأعظم من الجمهور.

وليس في ذلك غرابة، طالما أن جماهير القُرَّاء في الدول الصناعية ذاتها تفضل الصحف الصفراء المغرمة بملاحقة الفضائح أو اختلاقها، بينما تعرض عن الصحف المحشوة بالمواد المعتبرة.

إنّ الجمهور بكل بساطة لا يريد أن يحيط علماً بالمزيد، فما الذي يضطره لإجهاد نفسه بالانتقال من موقع إلى آخر عبر الشبكة الدولية؟!

قد تتلاشى هذه الظاهرة بالقدر الذي يتعزز فيه حضور الشبكة الدولية على المستوى الترفيهي والخدماتي، ويتزايد فيه دور الحاسوب كأحد أجهزة المنزل التقليدية؛ إذ ينبغي أن نلاحظ أنّ ارتياد شبكة "إنترنت" ما زال يتم في الغالب لخيارات متصلة ببيئة العمل أو الدراسة، وليس في المقام الأول بمبادرة ذاتية.

وإذا أضفنا إلى هذه الملاحظة طبيعة ما يدور داخل الشبكة أدركنا أنّ "الانفجار المعلوماتي" لم يتم حتى الآن بالكامل في المسار المطلوب، ويكفي أن نلاحظ نسبة استخدام الشبكة لأغراض إباحية وغرامية، والتي تؤكد الدوائر المراقبة بأنها الاهتمامات الكبرى لدى مستخدمي إنترنت. 

تأثير الأمية والتخلف الثقافي على توسع الإنترنت في العالم:

المؤكد أنّ العالم الصناعي يستأثر بنصيب الأسد في الإفادة مما طرحته شبكة إنترنت من مزايا، ويرجع ذلك في الواقع إلى جملة من العوامل التقنية والاقتصادية والسياسية، لكن المشكلات الثقافية تفسِّر هي الأخرى جانباً من جوانب ضعف الانتشار الذي تعانيه الشبكة الدولية في الجنوب.
حيث تبدو الأمية على رأس المشكلات الثقافية التي تعترض طريق المعلومات السريع في الدول الفقيرة والنامية، ففي الكثير من البلدان الفقيرة - حيث لا تتمكن الأغلبية الساحقة من الشعب من القراءة أو الكتابة - لا تبدي شركات المعلوماتية اهتماماً بالاستثمار في أراضيها من أجل مدِّ خطوط إنترنت، بينما تنشغل حكوماتها في مواجهة الأزمات الخانقة التي تصرفها عن التفكير في "حلم الإبحار عبر الشبكة الدولية".

لكن التحرر من أمية القراءة والكتابة لا يكفي وحده لتمكين صاحبه من الجلوس أمام الحاسوب والتعامل معه؛ لأنّ التعامل مع التقنية الجديدة يحتاج إلى حد أدنى من المهارات الغائبة لدى قطاعات واسعة في الدول الفقيرة والنامية.

التأثير الثقافي لتنفذ اللغة الإنجليزية والمواقع الأمريكية في الشبكة:

أما بالنسبة للشعوب التي لا تعتبر الإنجليزية لغتها الأم، فإن تنفذ اللغة الإنجليزية وعدد قليل من اللغات اللاتينية الأخرى في عالم البرمجيات وتطبيقات إنترنت يترك أثره في كبح جماحها عن التعامل مع الشبكة الدولية. ولا يبدو الأمر هيناً طالما كانت حصة الشعوب المتحدثة بالإنجليزية تمثل ستين في المائة من بين إجمالي مستخدمي الإنترنت حسب تقديرات تموز (يوليو) 1999م. ورغم أنّ حصة الشعوب الأخرى مرشحة للزيادة التدريجية خلال السنوات المقبلة فإنّ ذلك لن يتعارض مع سيادة الصبغة الإنجليزية للشبكة التي تكرست طوال السنوات الماضية.
كما أنّ الولايات المتحدة الأمريكية ما زالت تحتفظ وحدها بنصف عدد مرتادي شبكة العنكبوت الدولية حتى اليوم، رغم أن حصتها تراجعت بشكل حاد مع انتشار التشبيك الأممي عبر البحار عامًا في إثر آخر.

ويعني ذلك بوضوح أن الطابع الأمريكي الذي اكتست به الشبكة كان الأسبق وسيظل تأثيره على النمط العام بعيد المدى بحكم الأسبقية في الابتكار والتنفذ.

ولا يغيب عن الأذهان أن سعي الدول الصناعية المنافسة للولايات المتحدة لتوسيع حصتها في هذا المجال يحمل في طياته كذلك الرغبة في توكيد الحضور الثقافي مقابل تكرس التأثيرات الأمريكية.

وعند تناول مجموعة اللغات السامية - ومنها العربية - يتبين على الفور حجم التحدي الذي واجهته، فالتباعد الثقافي مع "العالم الجديد" يبدو أكثر اتساعاً، علاوة على عدم توافق اللغات السامية مع نظم الكتابة الأصلية المعمول بها في الصناعة البرمجية، مما جعل الشبكة الدولية تعرِّف معظم النصوص العربية على أنها كائنات رسومية أو صور، وهو ما انعكس بالسلب على سرعة التعامل معها، وحرم المستفيدين منها من إمكانات الاستدعاء والبحث والمعالجة وإعادة التشكيل. ولكن قفزات واسعة تحققت في الفترات الأخيرة أوجدت حلولاً جزئية لهذا المشكل الذي لم ينته بالكلية.

والأزمة هنا أعمق من كونها مسألة تقنية يمكن حلها عاجلاً أم آجلاً، فهي خاضعة لحالة التبعية الثقافية التي تفرض على الأمم النامية والفقيرة أن تنزل إلى الحلبة كآخر اللاعبين دوماً، وبشروط محددة بالسقف الذي يتيحه لها الآخرون، وهو أدنى مما وصلوا إليه بكل تأكيد.

الإنترنت.. هل يساهم في تنميط الأذواق الإنسانية في قالب أمريكي؟!

ثَمَّة خوف عميق كامن من الشبكة الدولية، إنه الخوف على الخصوصيات الثقافية وملامح الهوية، تماماً مثل الخشية من العولمة الزاحفة التي يثور الشك باستمرار من مساعيها لتنميط الثقافات والأذواق الإنسانية ضمن قالب أحادي أمريكي الطابع.
وليس الأمر من قبيل المبالغة، فإن كان الأمريكان هم أكثر من نصف مستخدمي الشبكة الدولية، ولهم الأسبقية الزمنية في ابتكار الشبكة والتعرف على معالمها، وشركاتهم العملاقة هي الرائدة في تطويرها، فإن لنا أن نتخيل حجم المضامين والتوجهات والقيم الأمريكية المبثوثة فيها.

إن المضامين الأكثر شيوعاً في الإنترنت تعبر عن قيم وثقافة العالم الصناعي، وهي لا تتفق بالضرورة مع الاحتياجات الثقافية للدول النامية، ويكفي أن نلاحظ – مثلاً - أثر تعزيز النزعات الاستهلاكية على شعوب لم تخرج بعد من ربقة الفقر والجوع والتخلف، ولم تقطع مسيرتها التنموية حتى النهاية.

كما أن عولمة الثقافة والقيم واللغات الغربية، لا بد أن تعني في الوقت ذاته انحساراً للإشعاع العالمي لثقافات الأمم الأخرى، رغم أنها قد تلجأ إلى مزيد من التشبث بثقافاتها والاعتزاز بخصوصياتها في ظل إلحاح سؤال الهوية. ولا جدال أن الخشية من عولمة الثقافة الأمريكية لا تقتصر على بلدان الجنوب، بل تتجاوزها إلى العالم الغربي ذاته، فللأوروبيين خصوصياتهم التي لا تتفق مع النموذج القادم من العالم الجديد، وهناك خوف فرنسي من سيطرة الثقافة الأمريكية، وحتى كندا أبدت حساسية من التأثيرات الأمريكية عليها التي تتدفق عبر منافذ إنترنت.

ولكن، لا داعي لإثارة الهلع، فالثقافات أكثر تجذّراً في حياة الأمم، ورياح التغريب مهما اشتدت فلن تؤدي إلى اقتلاع خصوصيات الآخرين من جذورها.

وعلى العكس من ذلك، نتلمس هنا وهناك مؤشرات على تعزز روح المقاومة الذاتية وتزايد تأثير "المضادات الحضارية"، وهي الحالة التي تتمثل في التشوف المتنامي في العالم الإسلامي للعودة إلى الأصالة، كما تتجسد في ظاهرة البحث المتزايد عن الجذور وتجديد الحضور الثقافي بالنسبة للأقليات المندثرة والمجموعات البشرية المنسية حول العالم.