مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

"الخصوصية" مدخل لتوطين خطاب حقوق الإنسان

لعلها "في البدء كانت كلمة"، لكنها في الخاتمة – يقيناً – فعل! فلم تشفع كلمة – بل كلام كثير – وقَّعت عليها أكثر من مائة وخمسين دولة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ لحفظ هذه الحقوق بشكل فعلي في غالبية هذه الدول إن لم تكن كلها، يستوي في ذلك الغرب والشرق.. الشمال والجنوب، فكلنا في الهَمِّ "عالم واحد"، فلم يمنع الإعلان العالمي "الولايات المتحدة" من الاستمرار في سحق حقوق السكان الأصلية حتى الآن، ولم يمنع الميثاق "أوروبا" من قهر السود والآسيويين على مدى مئات السنين بما فيها الخمسين عاماً الأخيرة من القرن الآفل! ولم يكن توقيع الإعلان حائلاً، عند كل الأنظمة الشمولية والقبلية، دون إلغاء حقوق المواطنة والكرامة، ناهيك عن الاعتقاد والفكر.

واشترك الجميع - أيًّا كان النظام السياسي أو النسق الاقتصادي لهم - في إنهاك وسائل الاتصال للخصوصية الشخصية، وانتهاك آلة الاقتصاد لحرية الاختيار في الفعل الإنساني دون خوف من منافس متربص أو غدٍ قد تَعِزُّ فيه لقمة العيش؛ لأن البقاء للأقوى.

وكان المشهد مدهشاً عشية الاحتفال بمرور نصف قرن على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ إذ لم تخلُ ندوة أو حفل أقيم لاستعراض الإنجاز والاحتفاء به، من سؤال عن الخلل في الفعل؟ فرغم بَهاء "كلمات" إعلان حقوق الإنسان والتفاف العالم حولها، إلا أن "فعل الحقوق" في أنحاء المعمورة الأربعة مثير للشجن – على الأقل – إن لم يكن الرثاء! من يومها – وربما قبل ذلك بقليل – بدأت تتردد كلمة الخصوصية في تعريف وتطبيق ميثاق حقوق الإنسان، ولأسباب متعددة، على رأسها بالطبع طوفان العولمة، زادت الأسئلة حِدَّة لتطرح أيضاً خصوصية حقوق الإنسان نفسها وليس مجرد خصوصية التطبيق.

ولأن هواجسنا لا تبعد عن ذلك، فإننا نطرح الخصوصية كمدخل لتوطين خطاب حقوق الإنسان في عالم الجنوب بشكل عام، والوطن العربي بشكل خاص .

ماذا نقصد بالخصوصية؟

ربما تصلح "الماجنا كارتا" كمثال جيد لتوضيح مقصدنا بمفهوم الخصوصية في دائرة حقوق الإنسان، فهي – أي الماجنا كارتا – قائمة "الحقوق" التي منحها شقيق الملك ريتشاد "قلب الأسد" لنبلاء البلاط الملكي الإنجليزي، ووفقاً للمعايير "العالمية" الآن، فإن الماجنا كارتا هي ضد حقوق الإنسان؛ لأنها لا تساوي بين المواطنين وتعطي النبلاء حقوقاً تميزها على غيرها، لكنها وفقاً "لخصوصية" الحالة الأوروبية إبَّان حروب الفرنجة أو ما عُرف باسم الحروب الصليبية تُعَدُّ فتحاً "حقوقيًّا" ينظم العلاقات الإنسانية وفقاً لحقوق واضحة مكتوبة يلتزم بها الجميع: النبلاء والعبيد، وفي ظل "الثقافة الإقطاعية" السائدة في أوروبا آنذاك تحمل الماجنا كارتا أهميتها - ليس فقط من الناحية التاريخية - ولكن أيضاً من ناحية تفعيل حقوق الإنسان في الممارسة الفعلية بترتيب حقوق النبلاء وواجباتهم، متماشية مع الثقافة السائدة ونابعة منها، وبمشاركة الطبقة الإقطاعية وإنفاقها.
يعني هذا أن القبول والتفعيل جاء كلاهما من ارتباط الحقوق بالثقافة السائدة في المجتمع، ومراعاة "خصوصية" هذه الثقافة، ومن ثَمَّ انفتح الباب بعدها للتحصين والتطوير وصولاً لإنجاز حقيقي – بمشاركة الناس – في خطاب حقوق الإنسان.

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نفسه، يحمل قدراً مشابهاً من الخصوصية، فهو نتيجة مباشرة لانتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، وتواكب تفعيله مع مشروع "مارشال" لإعادة إنعاش أوروبا اقتصاديًّا، فحمل الإعلان في نصه وفي تطبيقه خصوصية الثقافة الأوروبية الغربية القائمة على التصنيع والحداثة، ومن ثَمَّ تبنَّى الإعلان منظومة القيم السائدة في ذلك الوقت وذلك المكان، مثل: الفردية المطلقة والمواطنة المنمطة والمادية الرشيدة.. وساد الإعلان بعدها ليصبح عالميًّا.

وما يعنينا هنا ليس عالمية الإعلان من عدمه، لكننا فقط نعني أن الخصوصية الثقافية وإدراك المكونات العقائدية والتراثية والاجتماعية ومنظومة القيم والمرجعيات الحاكمة لحركة المجتمع في عوالم الجنوب، قد تَضْمَن "فعلاً" للحقوق أكثر ارتباطاً بعامة الناس وجذورهم، بدلاً من "كلمات" عن الحقوق تتنافس النخبة – فقط – في ترديدها، والسلطات في إهدارها، والعامة ينظرون إليها من بعيد، وكأن الأمر لا يعنيهم؛ لأنه بالفعل لا يراعي مفاتيح الخطاب المناسب!

لماذا الخصوصية مدخل للتوطين؟

تظل كلمة "الخصوصية" من أكثر الكلمات التي يُساء استخدامها وفق الهوى، فلا تكاد نجد سلطة أو نظاماً أو جماعة أو فريقاً، إلا استخدمها بأشكال متعارضة لتبرير سلوك يفعله أو رأي يتبناه.

نقر بذلك..، ومع ذلك، تبقى الخصوصية هي الكلمة المعبرة عن التنوع الذي هو شرط التفاعل مع الذات والغير (الآخر)، ومن ثَمَّ يصبح للحقوق معنى، وللواجبات مكان، وإبرازها والحرص عليها، وفق هذا المفهوم يعني رغبة في الحوار والتفاعل والتعاون أكثر مما يعني تقوقعاً وانعزالاً.

وفي إطار خطاب حقوق الإنسان – عند التطبيق في الوطن العربي، تبرز أهمية مراعاة خصوصية الثقافة السائدة حتى يستوطن الخطاب العرف والسلوك اليومي للناس عامتهم وخاصتهم، شاءت السلطة أم أبت. فحديث الخصوصية هنا يستدعي الثقافة العربية والإسلام والتراث الحضاري الطويل، ويفتح الباب للإسهام الثقافي الإسلامي تحديداً – باعتبارها ثقافة المنطقة بصرف النظر عن الدين – في توطين القيم الأساسية لحقوق الإنسان: "التعددية - التسامح – كرامة الإنسان…"، وهي في الأخير مرجعية أساسية لثقافة الوطن العربي، فإذا التقى الخطاب الحقوقي مع استدعاء للمرجعية بات أصيلاً من أصالتها، عميقاً من تجذرها، بل لا نغالي إن ادَّعَيْنا أنه في هذه الحالة يحمل شيئاً من قداستها.

لا يعني هذا أن كل التراث الثقافي، ومنظومة القيم والأعراف السائدة نحن نتبناها أو نوافق عليها، لكننا نفتح الباب لمناقشة أثرها في إثراء وتوطين خطاب حقوق الإنسان، واستدعائه من صالونات الصفوة إلى أسواق العامة.

كذلك فإن الخصوصية وفق الفهم السالف، تساعد على إزالة حواجز الاستنكار  المبدئي لكل ما هو غربي أو غريب باعتباره بدعة وتراعي الاحتياجات الفعلية للناس، والحقوق المطلوب توفيرها، كما أنها تحدث ألفة بين الداعي والمدعو، تساهم في تطوير خطاب حقوق الإنسان ليصبح خطاباً يوميًّا وعاديًّا.

يُضاف لهذا أنها تساهم في قطع الطريق على المزايدة السياسية، سواء من السلطة أو من الفرقاء السياسيين أو أصحاب المصالح الذين يسيئون استخدام لفظ "حقوق الإنسان" سواء لتخويف العامة من كل ما هو خارجي تحت دعوى "الأمن القومي"، أو لابتزاز السلطة لتحقيق هدف يبعد أو يقترب من الاحتياجات الحقيقية لعامة الناس.

وأفضل ما يمكن أن يحققه مدخل الخصوصية في إطار حقوق الإنسان هو الاعتراف بالغير "الآخر" والتصديق بأهمية الاختلاف والتنوع، فالخصوصية بالتعريف تعني أن هناك خصوصيات أي تعدديات، ومن ثَمَّ فهناك آخرون يجب احترام حقوقهم ليفعلوا بالمثل، ومع ذلك هناك تراث إنساني مشترك لنا جميعاً.

وهذا المدخل في رأينا أفضل كثيراً في تفعيل حقوق الإنسان من البدء بإلغاء التنوع وإضفاء الشمول على الحقوق والمطالب لكل الأفراد في كل مكان؛ لأنه ببساطة لا يتعامل مع الناس على أنهم "أفراد" نمطيون متشابهون، لكنه يتعامل معهم على أنهم "بنو آدم" لكلٍّ حاجاته واهتماماته وحقوقه، وتبقى الفطرة الإنسانية المشتركة بين الجميع.

كيف يتم التوطين؟

يظل ما أسلفناه رهين "الكلام" ما لم يتحول إلى "فعل"، ونحو فعل التوطين لخطاب حقوق الإنسان في الوطن العربي، فإننا نقترح البدء بالنظر في عدد من المسائل منها على سبيل المثال لا الحصر:

·       مواطن خصوصية المجتمع العربي في دائرة حقوق الإنسان.

·   إسهام الثقافة الإسلامية والتراث العربي في إثراء فكرة الحقوق وممارستها وإبراز التنوع والتفاعل واحترام الآخرين وتكريم الإنسان.

·   الخلفية الثقافية ومنظومة القيم السائدة في العالم الغربي المعوقة والدافعة لتوطين وتفعيل خطاب حقوق الإنسان.

·       ملاحظات على الخطاب العالمي لحقوق الإنسان تؤثر على توطينه في المجتمع العربي.

وفي كل الأحوال فإننا نسترشد بما قاله حكيم الصين "لوتو" لتلميذه قبل أن يرسله ليُعلِّم الناس: "عش معهم، ابدأ مما يعرفونه، تَعَلَّم بالممارسة، وعَلِّم بالمشاهدة، عندئذ تعرف ما الذي يريدونه، فتعطيه لهم"، أو لعلنا نهتدي بما قاله الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُوْلٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُم…".

إقرأ في نفس الزاوية:

مكتبة الإسكندرية بالأرقام


  كاتب مصري