مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

إذ يتحول العلمانيون إلى "جماعات مصالح"

محمود سلطان / 08-12-2004

أحمد لطفي السيد من آباء العلمانية المصرية
أحمد لطفي السيد من آباء العلمانية المصرية
شهدت مصر عددا من المعارك الفكرية الكبرى، اشتبك فيها إسلاميون وعلمانيون. اتشحت بوشاح "ثقافي" حينا، وبمظاهر "أكاديمية" حينا آخر، وعلى الرغم من أن الثقافي أو الأكاديمي منها لم يختف، باعتباره "أصل الأطروحة" المثيرة للفتنة؛ فإنه لم يلبث كل طرف أن أفصح عن "أجندته السياسية"، بيد أن الخبرة المصرية في هذا الإطار أفصحت عن أن ثمة تباينات بين الطرفين فيما يتعلق بممارسة السياسة من خلال الثقافة.

ففيما كان الإسلاميون -بحكم تقاطع وتداخل ما هو ديني (كمعطى ثقافي بحسب المفهوم العلماني على الأقل) مع كل ما هو دنيوي (بما فيه السياسي) في الخبرة الحضارية الإسلامية- ينزعون في عفويتهم إلى المباشرة والشفافية السلوكية، استنادا إلى أطر وثوابت شرعية حاكمة لهذا السلوك، وحاضنة له قد تعصمه من الانزلاق نحو "المكيافيلية"؛ فإن العلمانيين يقفزون على "النص" وعلى مشروعيته العلمية أو الأخلاقية، لا يقفون عند هذه "المشروعية" طويلا؛ إذ إن الأصل عندهم أنه "لا مشروعية" إلا لكل ما يمكن توظيفه في خدمة "الغائية العلمانية" التي قد تبدو للبعض أن ولاءها -في الظاهر- لأيديولوجيتها المعروفة: فصل الدين عن الدولة. بيد أن رصد نشاط الجماعات العلمانية في مصر منذ عام 1925 إلى عام 2000م بيّن أنها أشبه ما تكون -في بعض تجلياتها- بـ"النشاط الطفيلي" الذي يعتمد على "الشللية"، وفي بعضها الآخر تتصدر "الانتهازية السياسية" قائمة الأولويات والخيارات، وفي هذه أو تلك يكون الولاء عادة لـ"المصالح" وليس لـ"الأيديولوجيا".

الولاء للمصلحة أم للأيدلوجيا؟

هذه الظاهرة من اليسير رصدها بمعايشة بعض الأزمات التي تتمخض عن إصدار فكري أو ثقافي صادم لمشاعر الناس أو عن أزمات سياسية إقليمية أو دولية، تكون شديدة التماس مع قضايا محلية مصرية (أو عربية)؛ فمن المفارقات اللطيفة التي أفرزتها "الانتهازية السياسية" أن العلمانيين المصريين كانوا أول الذين دعوا -بعد سقوط الخلافة العثمانية عام 1924- إلى أن تكون القاهرة عاصمة الخلافة الإسلامية، وإلى إسناد منصب "الخليفة" للملك فؤاد الأول! وقد تبنى هذه الدعوة حزب الأحرار الدستوريين أكبر الأحزاب العلمانية المصرية آنذاك.

رغم أن حزب الأحرار كان في الأصل امتدادا (أو بالتحديد تجديدا) لحزب الأمة الذي تبنى تعاليم أحمد لطفي السيد وعلى رأسها "مدنية السلطة والحكومة" ومعارضة أي محاولة تعيد إحياء الحكومة الدينية، بيد أن الموقف الأخير للعلمانيين المصريين ممثلا في حزب "الأحرار الدستوريين" كان مستندا إلى مبدأ "نفعي وليس أيديولوجيا"؛ إذ كانت مصلحتهم تلتقي -آنذاك- مع مصلحة "القصر"، عندما كان حزب الأحرار الدستوريين مشاركا مع حزب "الاتحاد" الذي صنعه القصر الملكي في ائتلاف حكومي، في وزارة أحمد زيوار باشا، وبعدما فض الائتلاف الوزاري بينهما، وانتفت المصلحة، وشعر الدستوريون بمرارة التهميش.. انقلبوا على موقفهم السابق، وتحول حزبهم من التأييد "المصلحي" لفكرة إحياء "دولة الخلافة"، إلى إبداء العداوة والبغضاء لها وللمدافعين عنها، واحتضن الشيخ علي عبد الرازق، وتبنى الدفاع عن كتابه "الإسلام وأصول الحكم".

فضلا عن أن حماسه للدفاع عن الأخير كان أكثر المواقف التي أفصحت عن "الانتهازية السياسية" في أجلِّ صورها؛ ففي حين كان الحزب يدافع عن حرية علي عبد الرازق، وعن حقوقه الدستورية شارك في الوقت نفسه في وزارة "زيوار" التي عطلت الدستور، واعتدت وصادرت الحريات العامة، وأصدرت في 2 إبريل عام 1925 -أي في نفس الشهر الذي صدر فيه كتاب "الإسلام وأصول الحكم"- قانونا يحرم قطاعا أساسيا من قطاعات المتعلمين والمثقفين وهم الموظفون من الاشتغال بالأمور السياسية، ويحول بينهم وبين العمل السياسي، ويمنعهم من كل قول أو عمل يشف عن غير النشاط الوظيفي والإداري في المصالح والدواوين، حتى إن أحمد بهاء الدين -وهو كاتب علماني شهير- عقب على هذا الموقف في كتابه "أيام لها تاريخ" متسائلا: "...كيف يزعجهم إلى هذا الحد مصادرة رأي كاتب واحد -يقصد علي عبد الرازق- ولا تزعجهم مصادرة الدستور وآراء الناس جميعا".

وفي المقابل كان موقف الإسلاميين -ممثلا في علماء الأزهر آنذاك- مثيرا للدهشة، عندما وقع أربعون منهم عريضة، ذكروا فيها "أن مصر لا تصلح في الوقت الحاضر دارا للخلافة، وهي لا تزال محتلة بدولة أجنبية، والحكم فيها لا يزال بأيدي غير أبنائها، وحكومتها أباحت المحرمات من خمر وبغاء وميسر قانونا".

وكان لافتا أن كبار المثقفين العلمانيين مارسوا السياسة انطلاقا من هذا المنحى الانتهازي النفعي؛ ففي حين كان رائد الليبرالية المصرية أحمد لطفي السيد يدافع عن الدستور والحرية، نجده يقبل المشاركة في وزارات عمدت جميعها إلى الانقلاب على الدستور والبرلمان والحريات العامة! ولعل هذه القراءة أيضا تفسر لنا التقلبات السياسية المتتابعة للدكتور طه حسين؛ فعندما كانت مصلحة الأخير مع "أصحاب البيوتات" وفي مقدمتهم "آل عبد الرازق" اندمج في حزب الأحرار الدستوريين، وهاجم سعد زغلول بأكثر من "مائة مقال" في الفترة ما بين 1922 إلى 1927 حتى وفاته.

وبعدما عجز الأحرار الدستوريون عن حماية علي عبد الرازق خلال أزمة "الإسلام وأصول الحكم" عام 1925، وعن حماية طه حسين في أزمة "في الشعر الجاهلي" عام 1926 تخلى حسين عن الدستوريين، والتحق بحزب الوفد طلبا للحماية السياسية، وكتب عن سعد زغلول مقالات رفعت الأخير إلى أعلى عليين!

جماعات مصالح أم تيار وحركة؟

ومن النتائج المهمة التي تستخلصها أي قراءة تحليلية لرد الفعل العلماني إزاء أي أحداث ثقافية بتجلياتها السياسية يكون الإسلاميون طرفا فيها.. هو التوصل إلى قناعة بأن غالبية العلمانيين المصريين لا يمثلون "حركة" أو تيارا "سياسيا أساسيا"، وإنما "مجموعات مصالح"، ترصد صعود وهبوط القوى المحلية والإقليمية والدولية، لا سيما المؤثرة على "صانع القرار" بالداخل المصري، وتتبنى مواقف ورؤى تأتي في سياقها العام منسجمة مع المحصلة النهائية لموقف النظام السياسي المصري من تلك القوى، بغض النظر عن صدقية أو شرعية تلك المواقف؛ إذ إن "جماعات المصالح" تحتاج عادة إلى حماية القوى السياسية الكبيرة، وليس إلى "الصدام" معها.

فحزب الأمة -الذي أسسه أحمد لطفي السيد وتحول فيما بعد إلى حزب الأحرار الدستوريين- كان محض "جمعية تضامنية" تمثل أبناء البيوتات الكبيرة، وكبار الملاك والإقطاعيين؛ أي كان تعبيرا عن مصالح "الأقلية الغنية"، ولذلك عزز من أواصر تحالفه مع السراي والإنجليز لحمايته من حزب "الوفد" الذي كان يمثل آنذاك "الأغلبية" والعامة من الناس، ومن ثم تجنب الصدام مع القصر من جهة أو تبني مواقف وطنية معارضة للاحتلال من جهة أخرى، بل بالغ في إبداء حماسه في تأييد وجهة النظر البريطانية الاستعمارية بشأن التعاون مع الجاليات المسيطرة المحتلة، ودعا إلى تملك هذه الجاليات للأراضي المصرية؛ فيكون لها الحق في التملك والسيطرة على البنوك والتجارة وغيرها.

ولم يجد رئيس الحزب (لطفي السيد) أي غضاضة في المجاهرة بتمجيد اللورد كرومر الحاكم البريطاني، الذي أذل المصريين لمدة ربع قرن؛ إذ قال عنه بمناسبة يوم خروجه من البلاد: "أمامنا الآن رجل من أعظم الرجال، ويندر أن نجد في تاريخ عصرنا ندا له يضارعه في عظائم الأعمال: هو اللورد كرومر"، وقال: "لو بقي اللورد كرومر عاما واحدا في منصبه لعيّد عيده الذهبي في خدمة دولته". وقد نشر "السيد" هذا في الجريدة في نفس اليوم الذي ألقى فيه كرومر خطاب الوداع فسب المصريين جميعا، وقال لهم: "إن الاحتلال البريطاني باقٍ إلى الأبد".

المسألة القبطية نموذجا

 هذه المدرسة (ممارسة السياسة والثقافة من منطلق نفعي يقذف بالأصول والثوابت الأيديولوجية في أقرب سلة مهملات متى تعارضت مع المصالح) باتت إرثا مشتركا لكافة "جماعات المصالح" العلمانية على اختلافها وتباينها، لا يختلف في ذلك الليبرالي عن الماركسي أو اليساري أو الشيوعي، توارثته الأجيال اللاحقة منهم في مصر، وفي هذا الإطار نشير إلى نموذجين أفرزتهما الأحداث خلال السنوات الأخيرة؛ الأول النموذج الماركسي المصري، عندما ظهر -في تسعينيات القرن الماضي- ما سميّ بـ"المسألة القبطية"، وتصديرها للخارج بهدف الضغط على الحكومة المصرية، وصعود أقباط المهجر كجماعات ضغط طائفية، وتحولها بمضي الوقت إلى "قوة" استطاعت أن تسبب بعض المشاكل للنظام السياسي المصري بالخارج، ومع الولايات المتحدة الأمريكية بصفة خاصة.

 وتطورت هذه المشاكل وتعقدت، لا سيما مع تنامي ظاهرة التودد الحكومي (وغير المبرر) لكل ما هو قبطي كلما زادت الحملة عليها بالخارج، على نحو الذي أفرز إحساسا عاما بأن أقباط المهجر باتوا تنظيما أقوى من السلطة المصرية، ناهيك عن إحساس زائف آخر، تسلل إلى نفوس قطاع ليس بالقليل، من بعض ممثلي التيار العلماني بأن أقباط الداخل مثل أقباط المهجر باتوا تحت "الحماية الأمريكية"، وهو إحساس تحول مع اعتماد الحكومة المصرية في إعادة هيكلة اقتصادياتها على "المعونة الأمريكية" من جهة، والاعتماد الكامل في تأمين السلام العربي الإسرائيلي على واشنطن وحدها من جهة أخرى تحول لدى بعض العلمانيين إلى معطى جديد يعتمد -وفق قراءتهم للأحداث- على "واقع حقيقي" وليس على محض أحاسيس، ولعل بعضهم استشعر -في ظل اختلال ميزان القوى لصالح أقباط المهجر- بأنه ليس ثمة تهديد أمني متوقع قد تتعرض له أي جماعة ثقافية أو سياسية من قبل السلطات المصرية، حال قيامها باستثمار "المسألة القبطية" وتحويلها إلى دولارات وشيكات وحسابات بالبنوك.

ومصداقا لهذه القراءة أوضح جمال أسعد -وهو قيادي قبطي بارز- في كتابه "إني أعترف: كواليس الكنيسة والأحزاب والإخوان المسلمون" بعض التفاصيل عن علاقة الشيوعيين المصريين ببعض القيادات القبطية (بالداخل والخارج)، وكيف استثمر الطرف الأول هذه المسألة -رغم عدائه التاريخي والمعروف والمعلن لكل ما هو ديني- على نحو بالغ الخطورة على الأمن القومي المصري، دون أن يتعرض لأي شكل من أشكال المساءلة القضائية أو الأمنية.

أما النموذج الثاني فإنه يعبر عن موقف من يسمون برسل الليبرالية المصرية الجديدة من الرئيس الباكستاني برويز مشرف: فقد أجمع الليبراليون المصريون على إدانته عندما قاد انقلابا عسكريا في أكتوبر 1999 على حكومة "نواز شريف" المنتخبة من قبل الشعب الباكستاني. وبعد الهجوم على برجي مركز التجارة العالمي بالولايات المتحدة الأمريكية ومقر البنتاجون في 11 سبتمبر عام 2001 أثنت تلك الرسل الليبرالية على مشرف، واعتبرته "قائدا ديمقراطيا عظيما"!! فور موافقة الأخير على السماح للقوات الأمريكية، باستخدام أراضي بلاده، في الاعتداء على أفغانستان.

الموقف الأول من مشرف -موقف الإدانة- لم يثر استغراب أحد؛ إذ إنه يأتي متسقا مع قناعتهم السياسية كليبراليين ينحازون عادة للديمقراطية، غير أن الموقف الثاني (الدفاع عن مشرف) هو اللافت حقا للنظر؛ إذ إن الأخير لم يتغير، والذي تغير فقط هو موقف القوة العظمى الوحيدة في العالم (الولايات المتحدة): "من إدانة مشرف إلى مساندته" فتأتي تحولات قطاعات كبيرة من الليبراليين المصريين متسقة مع التحول الأمريكي!! حتى ذلك الحين كان ثمة افتراض بأن تنقل الليبراليين من النقيض إلى النقيض ربما يكون ثمرة المناخ العام الذي أفرزته المشاهد المروعة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، غير أن بعضهم كتب بما يشبه الفتوى مرخصا للمسلم التعاون مع واشنطن ولندن في الاعتداء على بلاده، إن كان ذلك "درءًا لمفسدة"، على حسب قولهم.

إن موقف الليبرالية المصرية الجديدة هو في واقع الحال شأنه شأن من سلف؛ حيث يعيد تشكيل الرؤى والمواقف السياسية والثقافية، ليس استلهاما من "المثل الأيديولوجية العليا"، ولكن استنادا إلى المحصلة النهائية لاتجاهات القوى (الدولية أو المحلية)، وهو سلوك لا تذهب إليه الجماعات التي يكون ولاؤها "للمثل"، وتتمسك بعروته الوثقى؛ أي تجمع -في قوامها الأساسي- شروط ومواصفات "الحركة السياسية" أو الفكرية أو الثقافية، ولكنه منحى "زئبقي" يتخذ شكله النهائي هيئة الوعاء الحاضن له؛ قد يكون هذا الوعاء قوى محلية (السلطة أو النظام السياسي القائم)، أو نظاما دوليا ترى أنه من الضروري الدعاية له أو الدفاع عنه، المهم أن المعيار في هذه وتلك هو "المصلحة"، فيما تعبر الأخيرة عن غايات وأهداف مطاطية وفضفاضة، ظاهرها الرحمة والمشروعية، وباطنها مترع بالشهوات وما تهوى الأنفس.