مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

من يخاف طارق رمضان؟

يوسف أحمد / 09-01-2005

طارق رمضان
طارق رمضان
"من يخاف طارق رمضان؟".. بهذا السؤال صدّر الموقع الإلكتروني لمجلة "فورين بوليسي" الأمريكية (عدد نوفمبر/ ديسمبر 2004) حوارًا أجرته مع المفكر السويسري المسلم طارق رمضان الذي يدرّس الفلسفة والدراسات الإسلامية في جامعة فرايبورج وكلية جنيف بسويسرا. وفي مقدمة الحوار أفادت المجلة أن حكومة الولايات المتحدة تعتقد أن طارق رمضان يشكل خطرًا؛ لهذا ألغت تأشيرته للتدريس في جامعة نوتر دام. وتضيف المجلة أن البعض في أوربا يعتبر رمضان معاديًا للسامية، وأنه يدعو إلى الاعتدال من جهة وإلى الكراهية من جهة أخرى، لكن آخرين يعتقدون أنه الرجل الذي يوفق بين الإسلام والحداثة. ولمعرفة من المصيب -بتعبير المجلة- كان الغرض من الحوار.  

إشكالية العنصرية في أوربا

حول أي من الإسلاموفوبيا أو اليهودفوبيا (Judeophobia) التي تعتبر المشكلة الكبرى حاليًّا في أوربا، أجاب طارق رمضان بأن كليهما مشكل غير مقبول وتجب إدانته وأنه لا مجال لوضع ترتيب بين الظاهرتين. وأوضح أن العديد من المجتمعات الأوربية تشهد موجة جديدة من تصاعد العنصرية. وأضاف أن هناك تنافسًا في أوربا بين العرب والمسلمين من جهة واليهود من جهة أخرى حول من هو الأكثر استهدافًا. إلا أنه يرى أن الجميع مستهدفون، ويجب إدانة كل أشكال العنصرية كمواطنين وليس كعرب أو مسلمين أو يهود.

وعن رأيه إن كان يرغب في أن تصبح أوربا قارة ذات أغلبية مسلمة، رد طارق رمضان: "لا، لا على الإطلاق. وإن التحدي اليوم هو أن يفهم المسلمون أنهم ليسوا بحاجة لأن يكونوا أقل إسلامًا لكي يكونوا أكثر أوربية، بل الاثنين في آن واحد.. الأمر بالنسبة لي ليس أسلمة أوربا.. الشيء الوحيد الذي أريده لمسلمي أوربا وأمريكا هو أن يكون في مقدورهم البقاء كما يريدون هم أن يكونوا وأن يعيشوا مع الآخر.. لا أريد نشر ديانتي.. الحوار بيني وبين الآخر هو الثراء الذي أريد أن أحافظ عليه".

وعن سؤال عما إذا كان للعرب دور خاص داخل الإسلام، أجاب طارق رمضان بالنفي. وأضاف: "اللغة العربية هي لغة الإسلام، إلا أن الثقافة العربية ليست هي ثقافة الإسلام. هذا ما أقوله للمسلمين الغربيين والآسيويين.. في العام الماضي زرت إندونيسيا وحضرت "مجلس العلماء" الذي يضم من بين 30 عالمًا 7 نساء، وهذا لا يحصل في العالم العربي. على العرب أن يتعلموا من الآخرين؛ لأنه الطريق الأمثل لمواجهة التحديات الجديدة. وفي المستقبل القريب، سيرسل المسلمون في الغرب إجابات جديدة للعالم العربي".

مقاومة الاحتلال والإرهاب

أشارت المجلة إلى أن طارق رمضان قال سابقًا: إن لإسرائيل الحق في الوجود. وسألته إن كان يأمل يومًا أن تصبح إسرائيل طرفًا في سوق شرق أوسطية موحدة، وعما إذا كان هذا هو الحل (للصراع العربي الإسرائيلي). ورد رمضان: "إسرائيل موجودة، وأريد أن تصبح مجتمعًا مفتوحًا وأن يكون الجميع فيها متساوين في المواطنة. هذا ما أدافع عنه، وبالطبع سيكون هذا في إطار سوق مفتوحة". وأضاف أنه يريد أيضًا من مصر والأردن والدول الأخرى أن تدعم هذه القيم الكونية: "في كل بلد إذا كنت مسلمًا أو يهوديًّا يجب ألا يكون لك حقوق أكثر من الآخرين.. لنكن منطقيين.. حينما أقول إن هناك مواطنين من الدرجة الثانية في إسرائيل، يمكن أن أقول الشيء نفسه بالنسبة لمصر والسعودية، حيث هناك مواطنون ليسوا مسلمين".

وأبدى طارق رمضان معارضته الشديدة لجدار الفصل العنصري في الأراضي المحتلة، وأشار إلى أن سقوط جدار برلين خلق شعبًا واحدًا في أوربا. وأوضح أنه يريد العيش المشترك بين إسرائيل والمسلمين والعرب؛ لأن هذا يشجع على خلق مجتمع يتساوى فيه كل المواطنين.

وأضاف: "الوسيلة المثلى لحماية الإسرائيليين هي فهم أن للفلسطينيين حقوقًا يجب احترامها.. أنا أدين كل التفجيرات الانتحارية.. لكني أفهم ذلك في سياقه، فشيء ما حدث هناك يفسره، لكن لا يعني أن يبرره، فطوال أكثر من 50 عامًا كان هذا الشعب (الفلسطيني) يحاول فقط المقاومة. بعد ذلك بدأ مشوار أوسلو للسلام، وشعر الفلسطينيون أنه ليس هناك أمل.. حين يغيب الأمل يتصرفون فقط كشعب بدون أمل".

وعن رأيه كيف يجب على الفلسطينيين أن يقاوموا، أجاب: "إنه حقيقة أمر صعب. في رأيي، إنها مقاومة مشروعة، لكن عليهم أن يستعملوا وسائل مشروعة.. شكل من المقاومة السلمية (اللاعنف) الحازمة وبالأساس المنظمة.. الطريق الوحيد لدينا لنأمل في مقاومة شرعية ذات وسائل شرعية هو أن نرفع أصواتنا باسمهم، لكن أن نهدأ ونقول "حسنًا، أوقفوا هذا" فهذا لا يصلح؛ لأنه بالنسبة للفلسطينيين هذا هو الطريق الوحيد لإسماع صوتهم على المستوى الدولي. إذن لنرفع أصواتنا باسمهم (الفلسطينيين) حتى تسمع من أجلهم لكي يتوقفوا؛ لأن هذا يجب أن يتوقف الآن. المطلوب شبكة عالمية من "دعاة السلام" (nonviolent people) يتكلمون باسم الفلسطينيين المضطهدين".

وحينما يستعمل الإسلام لتبرير الإرهاب، قال رمضان: إنه يشعر بالفظاعة ولكن أيضًا بالمسئولية. وتابع قائلاً: "حينما وقعت هجمات الأقصر الإرهابية (في مصر) منذ ثماني سنوات (منذ زمن طويل قبل 11 سبتمبر) كتبت "رسالة من سويسري مسلم إلى مواطنيه" موضحًا أن هذا غير مقبول.. علينا إدانة هذا كمسلمين وكبشر. وعلينا عمل كل ما نستطيعه داخل التجمعات الإسلامية لنشر فهم جيد حول من نحن وكيف نتعامل مع الآخرين.. يمكن أن تكون هناك مقاومة مشروعة للظلم، لكن الوسائل يجب أن تكون مشروعة. فالإرهاب الذي يقتل الأبرياء مرفوض إسلاميًّا. ويوجد في الإسلام تنوع مقبول -يمكن أن تكون نصوصيًّا، صوفيًّا أو إصلاحيًّا، شرط ألا تقول إن هؤلاء أقل إسلامًا من أولئك- ولا يجب على الإطلاق القول إن الإرهاب أو العنف جزء من هذا التنوع المقبول".

خلافاته مع بعض المثقفين في الغرب

وبخصوص ادعاء فؤاد عجمي، الأستاذ بجامعة جونز هوبكنز الأمريكية، أن طارق رمضان يعتقد جواز الكذب على غير المسلمين فيما يخص النوايا الحقيقية، كان رده أن هذا كذب ومجرد ادعاءات لا تقوم على أي دليل. وتابع بأن فؤاد عجمي يردد انتقادات فرنسية قديمة جدًّا لم تثبت أبدًا، فقط أثارت الشبهات حولي لأني حفيد حسن البنّا. وأوضح أنه طوال ثمانية عشر عامًا يقول عكس هذا الادعاء للمسلمين ولغيرهم. "كنت دائمًا أقول: رجاء فقط كلمة واحدة داخل المسجد وخارجه".

وأرجع أسباب عداء بعض المثقفين في فرنسا تجاهه إلى حالات شخصية أحيانًا، ولكن بشكل رئيسي: "لأني أتيت بخطاب جديد، فأنا أقول للمسلمين ابقوا كما أنتم، والطريقة التي أطرح الإسلام بها تدعو إلى الاستقلالية والتفكير النقاد وحرية التعبير". وأضاف: "أنا فقط نموذج لما هو آت، جيل جديد من القادة المسلمين، رجالاً ونساء، يتكلمون الإنجليزية كما تتكلمونها أنتم، والفرنسية كما في فرنسا. إنهم أوربيون، إنهم أمريكان، وسيعبرون عن أنفسهم".

وتصدر مجلة " فورين بوليسي " كل شهرين عن مؤسسة كارنيجي من أجل السلام الدولي ، ومن مؤسسيها سنة 1970 صموئيل هنتنجتون الشهير بأطروحة "صراع الحضارات". ولها طبعات دولية بعدة لغات، منها العربية، حيث تصدر بشراكة مع كل من دار الوطن للنشر بالكويت، ومركز طارق بن زياد بالمغرب. وتضم الطبعة العربية مواد مترجمة وأخرى خاصة بمنطقة الشرق الأوسط.