صورة العرب والمسلمين في المناهج الأوربية
صورة الإسلام في كتب التاريخ المدرسية الفرنسية
فغاية دراسة التاريخ أن يشعر التلميذ بأنه عضو من مجموعة بشرية في مستوى أول، وفرد من أسرة كبيرة في مستوى ثان، وأنه متضامن مع سائر البشر عبر الزمان وعبر المكان؛ فيدرك بصورة تدريجية أن حضارة اليوم هي نتيجة مجهودات بدأت مع الإنسان وإنجازات حققها السلف جيلا بعد يجيل؛ فهي حضارة في تكون مستمر وفي تطور متواصل، ومن واجب كل جيل ألا يعطل سيرها، وأن يسهل تطورها بإضافة مجهودات إلى مجهودات السلف، وإثراء التراث قبل تسليمه إلى الخلف.
وتجسيما لهذا المشروع الحضاري حرصت جل دول العالم على إدراج مادة التاريخ في مرحلتي التعليم الابتدائي والثانوي، وجعلها مادة تخصص في التعليم العالي. وتعد مادة التاريخ نموذجا مثاليا في دراسة العلاقات بين الشعوب، ومنها العلاقة بين الشرق والغرب وذلك بكشف طبيعة التعبير عن صورة الأديان والثقافات والحضارات. وقد آثرنا في هذا الإطار بالذات أن نتناول بالبحث صورة الإسلام من خلال كتب التاريخ المدرسية الفرنسية المعتمدة حاليا كعينة من الدول الأوروبية.
ويندرج تناول هذا الموضوع في إطار محاولة التثبت في مدى موضوعية صورة الإسلام التي تضمنتها هذه الكتب المدرسية. إنه منحى تقويمي؛ فالموضوعية حظيت باهتمام عديد من العلماء، أشادوا بها واعتبروها بمثابة التعبير عن إدراك الأشياء على ما هي عليه، بعيدا عن الأهواء أو المصالح أو التجهيزات؛ بحيث تستند الأحكام إلى النظر في الحقائق على أساس العقل، كما اعتبرت الموضوعية بمثابة الإيمان بأن لموضوعات المعرفة وجودا ماديا خارجيا في الواقع، وأن الذهن يستطيع أن يتمثل الحقيقة الواقعية القائمة بذاتها والمستقلة عن النفس المدركة إدراكا كاملا.
وتتنزل هذه المداخلة أيضا في إطار محاولة تصويب الأخطاء المتعلقة بصورة الإسلام في كتب التاريخ الفرنسية، إن وجدت، ونشر ثقافة الوفاق والتسامح والتواصل بين الأديان والثقافات والحضارات، وهي مسائل من أوكد حاجياتنا الثقافية الراهنة.
وقد اقتضت منهجيتنا أن نقسم هذا العمل إلا ثلاث مراحل: تتناول المرحلة الأولى الحيز النصي المخصص لدراسة الإسلام وحضاراته في كتب التاريخ المدرسية الفرنسية المعتمدة حاليا. وتتناول المرحلة الثانية مظاهر صورة الإسلام في هذه الكتب. أما المرحلة الثالثة فسنخصصها لاستعراض ما يمكن أن يلوح من توصيات في هذا المجال.
1 - الحيز المخصص لدراسة الإسلام وحضارته في كتب التاريخ المدرسية المعتمدة حاليا:
يشمل النظام التعليمي المدرسي في فرنسا ثلاث مراحل؛ وهي: التعليم التمهيدي والأساسي والثانوي. تدوم مرحلة التعليم التمهيدي ثلاث سنوات، وتتضمن الفرع القصير والفرع المتوسط والفرع الطويل. وتدوم مرحلة التعليم الأساسي خمس سنوات؛ حيث يدخل التلميذ القسم التحضيري في السادسة من عمره ثم يتابع تعليما أوليا خلال السنتين الأولى والثانية، وبعد ذلك ينتقل إلى التعليم المتوسط الذي يحتوي بدوره على سنتين وهما الرابعة والخامسة. أما التعليم الثانوي فهو يشتمل على مرحلة أولى إعدادية تدوم أربع سنوات يقضيها التلميذ بمدرسة ثانوية وهي السادسة والخامسة والرابعة والثالثة، ومرحلة ثانية تدوم ثلاث سنوات يقضيها التلميذ بمعهد ثانوي، ويشتمل على السنوات الثانية والأولى والنهائية.
وتدرس مادة التاريخ بفرنسا في المرحلتين الأساسية والثانوية، وتتميز كتب التاريخ المدرسية الفرنسية المعتمدة حاليا بتعدد دور إصدارها. فلئن تولت نشرها في المرحلة الأساسية كل من "دار هاشات" (Hachette) ودار "بورداس" (Bordas) ودار استرا (Istra).. فإن نشر كتب المرحلة الثانوية قد أشرفت عليه كل من دار "ماغنارد" (Magnard) ودار "هاتيي" (Hatier) ودار "ناثان" (Nathan) و دار هاشات (Hachette) ودار "بولان" (Belin). وتبعا لذلك وجدت مؤسسات التعليم في فرنسا نفسها -سواء في المرحلة الأساسية أو المرحلة الثانوية- أمام كتاب تاريخ متنوع بالنسبة للصف الواحد؛ فحق لها أن تختار الكتاب الذي تراه يتماشى مع الأهداف التعليمية التي رسمتها في مناهجها.
وبعد تفحصنا لمجمل كتب التاريخ المدرسية الفرنسية المعتمدة حاليا تبين لنا أن الإشارة إلى الإسلام وحضارته لم ترد إلا في بعض كتب التعليم الأساسي والثانوي. ففي المرحلة الأساسية تمت الإشارة إلى الإسلام في كتابين؛ فقد خصص كتاب الصف الثالث الدرجة الأولى فقرتين في الصفحة رقم 23. تعرضت الفقرة الأولى للمسلمين، وعرف بهم بإيجاز، مع إشارات مقتضبة إلى الديانة الإسلامية والقرآن والرسول محمد صلى الله عليه وسلم. أما الفقرة الثانية في الصفحة نفسها فقد أشارت إلى بعض ما أخذه الغرب من معارف العرب خصوصا في الطب والفلك.
وتضمن كتاب الصف الأول الدرجة الثانية بإيجاز أهم ما أخذه الأوربيون عن المسلمين خلال الحروب الصليبية مثل "فن رصد النجوم" و"استعمال الأسطرلاب".
أما في المرحلة الثانوية فقد تم التعرض للإسلام في ثلاثة كتب هي: كتاب المستوى الخامس والمستوى الثاني ثم النهائي. تناول كتاب المستوى الخامس في ست عشرة صفحة كيفية انتشار الإسلام وطبيعة الحضارة التي انبثقت عنه، وقد تطلب ذلك الحديث عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ونشر الإسلام والقرآن ككتاب وحي، ودور المساجد، وتطور العلوم والفنون في العالم الإسلام، ثم بعض معالم الإسلام وحضارته.
وتناول كتاب المستوى الثاني ضمن مبحث "البحر المتوسط ملتقى ثلاث حضارات خلال القرن الثاني عشر للميلاد" الإسلام كعالم ممزق، ومناطق الصدام، واللقاء بين الحضارات، ومصادر الحضارة الإسلامية. أما كتاب المستوى النهائي بفروعه الثلاثة: الآداب والعلوم والعلوم الاقتصادية والاجتماعية؛ فقد أشار إلى تنوع الحركات الإسلامية في الربع الأخير من القرن العشرين بكل ألوانها السياسية والأيديولوجية، فضلا عن ظاهرة التطرف بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.
2 - صورة الإسلام من خلال كتب التاريخ المدرسية الفرنسية المعتمدة حاليا:
تقتضي موضوعية التقويم العلمي ضبط الإطار الذي وردت فيه صورة الإسلام في هذه الكتب. إنه إطار مدرسي يستوجب تحديد رؤية ووسائل مجانسة لهذه الصورة، علاوة عن الإطار المتعلق بطبيعة المتلقي الذي هو متعلم مبتدئ من جهة وغريب عن الحضارة الإسلامية من جهة أخرى. وتبعا لذلك جاءت المقاربة ميالة إلى الاقتضاب والتبسيط، وبالتالي مختلفة في طبيعتها كما وكيفا عما دأب العلماء وأهل التخصص على النظر فيه. وتهدف إشارتنا إلى هذه المعطيات بالأساس إلى وضع الأمور في نصابها بغية الاقتراب من الإنصاف والابتعاد عن الإجحاف. ومن هذا المنطلق يمكن تصنيف صورة الإسلام التي تضمنتها كتب التاريخ المدرسية الفرنسية المعتمدة حاليا إلى صورة ذات طابع إيجابي، وأخرى ذات طابع متسم بالنقص من حيث الدقة والتوضيح.
أ - صورة الإسلام ذات الطابع الإيجابي:
تتمثل أهم سمات صورة الإسلام ذات الطابع الإيجابي الواردة في هذه الكتب فيما يلي:
تناول صورة الإسلام بمنهجية مواكبة للتطور وخادمة العملية التعليمية:
إن المتأمل في كتب التاريخ المدرسية الفرنسية المعتمدة حاليا يدرك بيسر أن واضعيها قد راعوا المبادئ البيداغوجية الصحيحة من حيث كيفية تقديم المعلومة، وعرض بعض وسائل الإيضاح مثل الخرائط والمساجد والمكتبات والمدن والآثار، وحسن صياغة التمارين الرامية إلى اختبار الحاصل في ذهن التلميذ من المادة المقدمة.
الحضارة الإسلامية ذات إشعاع ولها دور فعال في إثراء الحضارة الإنسانية:
لم تنتقص كتب التاريخ المدرسية الفرنسية المعتمدة حاليا من الدور الذي أداه المسلمون خلال العصور الوسطى في مجال البحث العلمي والعمل على تطويره. فقد أشارت إليه وأبرزت معالمه.
اقرأ في أوراق المؤتمر:
-
صورة الثقافة العربية والإسلامية الخاطئة في الكتب المدرسية بفرنسا.. د. مصطفى الحلوجي.
-
صورة الإسلام والمسلمين في كتب التاريخ في مدارس إيطاليا.. د. صلاح رمضان السيد.
-
صورة الإسلام في الكتب المدرسية في النمسا.. د. محمد أحمد منصور.
-
صورة الإسلام في كتب التاريخ المدرسية الفرنسية.. د. العروسي الميزوري.
-
صورة العرب والمسلمين في الكتب الدراسية في بريطانيا.. عبد المحسن بن سالم العقيلي.
-
صورة العرب والمسلمين في الكتب الدراسية في أمريكا.. د. أحمد بن عبد الله البنيان.
-
صورة العرب والمسلمين في الكتب الدراسية في إسرائيل.. د. علي بن صالـح الخبتي
-
التوصيات.. سلوى السنيورة الأمين العام للجنة الوطنية اللبنانية لليونسكو.




















