مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

كُل إناءٍ ينضحُ بمَا فِيه ..!

يونس بن علي / 04-11-2000

      إنّما كانت تسمية الشبكة بـ "الشبكة" لكثرة خطوط نقل المعلومات فيها، وتقاطعها وتشابكها، حتى لا تكاد تعرف أوّلها من آخرها .. وبينها وبين شبكة العنكبوت فارق رئيسي، وهو أنّ حشرة العنكبوت تنفرد بغزل شبكتها، وتحتلّ بها ركنًا من الأركان، أمّا الشبكة العالمية فيغزلها ويحبكها ألف مصدر ومصدر، ويقتحم بها ألف مكان ومكان، وكلّ مصدر ينزل بما لديه أو ما يريد أن يصل به لغيره، إلى الميدان الذي أصبح فسيحًا مشتركًا.. وكلّ منّـا مخيّر، إذا شاء أحجم عن هذا الميدان، أو شاء شارك فيه بنصيب؛ فصَنعَ زاوية من زوايا الشبكة، أو سَبَق إلى إقامة محطة فاعلة تسهم في تحديد معالمها، وفي إغراء الآخرين على أن يأخذوا منه ما يعرض ويقدّم .. أمّا من يرتضي لنفسه أن يكون نصيبه من شبكة العنكبوت -وهي ما يعتبرونه في الذروة ممّا وصلت إليه فعالية التواصل التقني بين البشر- نصيبًا مقتصرًا على الأخذ دون العطاء، والاستهلاك دون الإنتاج، وربّما الانتقاد دون التغيير.. فسيجعل من نفسه تلقائيًا في منزلة الطفيلي بدلاً من مرتبة الكريم، وقد يكون مصيره شبيهًا بمصير فريسة العنكبوت تلك، الهائمة على وجهها، حتى وقعت -لضعفها هي وهوانها- في شِباك أوهى البيوت!..
ولشبكة العنكبوت -أيها الزائر الكريم لهذه الزاوية من زواياها- حكايات وحكايات، بعضها ممتع أخّاذ، وما أجمل المتعة إن عدلت فما تجاوزت وقتها، واعتدلت بشكلها ومضمونها .. وبعض تلك الحكايات، بل أكثرها، نافع ومفيد .. ونحن أحوج إلى الانتفاع والاستفادة، ممّن سبق إلى شبكة العنكبوت من دوننا..
من دوننا ؟.. تلك مبالغة مقصودة، فلا نجهل أنّ بعضنا سلك الطريق، ولكن لا نبالغ أيضا مبالغة معاكسة .. فكلمة بعضنا هذه تمثّل قلّة، بمقياس عددهم إلى مجموع عددنا، وبمقياس عددهم إلى مجموع من سلك الطريق في عامّة الأمم والشعوب، وقلّة أيضا بمقياس أهم .. أي باعتبار القصد هو الأسبقية إلى الانتفاع والاستفادة من الشبكة، فهنا يتحدّد السؤال عن المشاركة في حجم المشاركة الإيجابية المبدعة المنتجة، الأهمّ من حجم المشاركة السلبية الراصدة المستهلكة فقط .. وفي المشاركتين خير وفائدة إن شاء الله !..
نريد المزيد .. ونحتاج إلى المزيد .. ونستطيع المزيد .. مع التركيز على النافع الممتع، إذ نعلم أنّ من الحكايات العنكبوتية أيضاً ما فيه أضرار جسيمة وأخطار وبيلة، ولا نجهل أنّ مَقاتل الأمم في قيمها وأخلاقها أوّلاً، فإن اضمحلّت أو نخرت وفسدت صارت الأمّة غثاءً .. حتّى ولو أضفت التقنيات عليها لحين من الدهر بريقًا وهّاجًا، ولمعانًا مبهرًا لأبصار من هم أضعف منها قوّة وعتادًا !..
لا غنى لنا في هذه الشبكة إذن عن موازين.. فلا نجنح إلى حظر لا يجدي، ولا انفتاح منفلت يتبعه ندم حيث لا ينفع الندم، بل هي الموازين التي تحقق الفوائد وقد أصبحت بمنزلة الضرورات، وتسمح بالمتعة ونحسبها من الحاجات لا التحسينات والكماليات فقط..كما تصنع في الوقت نفسـه ما يجب أن تصنع من أسباب الوقاية الفعّالة والمناعة الذاتية تجاه الأضـرار والأخطار، وتجاه من أصبحت صـنعة الأضرار والأخطار صنعتهم، وبات همّ بعضهم توجيه السهام إلى مَقاتل الأمم !..
فلنحدّد أين نحن .. وماذا نأخذ من الشبكة .. ولنحدّد أيضا ما نقدّم .. فكل إناء بما فيه ينضح !..
وهمسة عابرة أخيرة .. إنّ من يسلك في مثل هذه المسائل "المعاصرة" سبيلاً من السبل، فإنّه لا يحمل في ذلك المسؤولية عن نفسه فقط، فيستحق الأجر أو الوزر وانتهى .. بل ربّما كان هو المسؤول عمّن نسمّيهم "جيل المستقبل"، فما نزرع نحن يحصدون هم محصوله، وما شـاب أحدنا عليه طائعًا مختارًا، شبّ -في الأعمّ الأغلب- أولاده وأحفاده على مثله أو أشدّ منه، وربّما مضطرين مكرهين..

إقرأ في هذا الباب: الحرية سبيل الفكر العربي للخروج من التخلف