صورة العرب والمسلمين في المناهج الأوربية
صورة الإسلام في الكتب المدرسية باليونان
حاولت تلك الكتب عرض وإبراز صورة الإسلام بشكل منهجي وموضوعي، على الرغم من وجود بعض السلبيات والمفاهيم الخاطئة الموروثة التي أوردتها بين صفحاتها، منها على سبيل المثال مفهوم الجهاد (أو ما يعرف باسم دولة الله أو الحرب المقدسة)، صورة المرأة، محلية الدين الإسلامي في إطار شبه الجزيرة العربية، الإسلام وواقع المسلمين في التاريخ المعاصر وغيرها من الموضوعات التي تحتاج إلى توضيح ودراسة.
فحول مفهوم "الجهاد" وما يعرف بـ"الحرب المقدسة" أو "دولة الله" -على سبيل المثال- استعرض كتاب "التاريخ البيزنطي" هذا المصطلح في معرض حديثه عن الإسلام أكثر من مرة، مشددا على أن الإسلام تمكن في بادئ الأمر من توحيد عقيدة القبائل العربية باختلاف توجهاتها الدينية تحت معية إله واحد وهو "الله" ، ثم تمكن في الوقت نفسه من توحيد تلك القبائل والعشائر في دولة واحدة هي "دولة الله". ويضيف الكتاب أيضا أنه يتعين على المؤمنين العرب –أي "المسلمين"- أن يتخلوا عن حياتهم الخاصة، وأن يهجروا عاداتهم وتقاليدهم، وأن يولوا وجوههم نحو الله، مجندين أنفسهم لدولته؛ تلك الدولة التي تقوم على أسس دينية وسياسية في الوقت نفسه". ويرى الكتاب أيضا أن ازدهار الإسلام داخل شبه الجزيرة العربية يرجع إلى أن الإسلام ليس فقط دينا، ولكن في الوقت نفسه حركة سياسية وعرقية كما سبق أن ذكرنا. بمعنى آخر فإن الإسلام في حد ذاته هو نفسه "دولة الله".
ينبغي القول هنا أولا: إن الإسلام احتفظ بخصوصية وعادات وتقاليد تلك الشعوب التي آمنت به. وذلك بما لا يتعارض ويصطدم بشريعته التي تناسب مبادئ القوانين الدولية، ولم يسع الإسلام إلى تجريد تلك الشعوب من هويتها، ولم يمس ثقافاتها بسوء، ولم يفرض عقيدته عليها، وترك لهم حرية العبادة، وكفل لمن ظل على دينه أمنه وسلامته، في مقابل دفع الجزية، وفي الوقت نفسه كان المسلمون يدفعون الزكاة. وحينما دخل الإسلام مصر لم يمس قط حضارتها، على الرغم من وجود وانتشار التماثيل الفرعونية في ربوع مصر وخاصة صعيدها، وأبو الهول شاهد على ذلك، وظلت كنائسها محتفظة بصلواتها. وعلى ذلك فقد ساهم الإسلام في ازدهار ثقافات تلك الشعوب التي آمنت به.
ثانيا: لا يوجد في الإسلام سلطة دينية على نمط سلطة الكنيسة. فالإسلام لا يفرض نظاما سياسيا محددا تلتزم به الشعوب الإسلامية، ولكنه وضع الأسس والقوانين العامة كتحريم الظلم وإقامة العدل والمساواة، وترسيخ مبدأ الشورى والديمقراطية بين أبتاعه "وأمرهم شورى بينهم" الشورى 38، "وشاورهم في الأمر" آل عمران 159، "فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما" البقرة 233، وهي جميعها أسس لا تتنافى مع مبادئ القوانين الدولية ومبادئ حقوق الإنسان المعمول بها حاليا. يتعين علينا أن نشير هنا إلى أن منطق الإسلام لا يتعارض مطلقا مع مفهوم الديمقراطية التي يتباهى بها الغرب في الآونة الأخيرة. فالديمقراطية هي أفضل نظام إنساني يمكن من خلاله تطبيق مبدأ الشورى في الإسلام.
لقد أفاض كلا الكتابين في الحديث عن أن الإسلام انتشر بحد "السيف" وبالقوة، وأن "السيف" هو الذي أكره الناس على الدخول في هذا الدين. وأن الرسول في أكثر غزواته كان هو البادئ بالهجوم، والطالب للعدو، والغازي له في عقر داره، وهذا يعطي انطباعا خاطئا لطلبة المدارس اليونانية حول حقيقة هذا الدين. لا شك أن من غزوات الرسول محمد ما كان هجوما من المشركين على المسلمين، كما كان في غزوة "أحد" و"الخندق"، وما قد يحسب أنه ابتداء من المسلمين أنفسهم يعتبر عند التأمل فيه دفاع أو وقاية للأمة الإسلامية؛ أي ما يسمى الآن بالحرب الوقائية. فالإسلام يتعامل مع المخالفين له بسماحة منقطعة النظير، ويأمر بالصبر على أذى الخصوم، والصفح عنهم، وترك أمرهم إلى الله يحكم بينهم يوم القيامة. كما يدعو إلى الدخول في السلم كافة، والإعراض عمن تولى عن الدخول في الإسلام، ولا يشرع القتال إلا لرد العدوان، وقتال من يقاتل المسلمين.
وإذا اضطر المسلمون إلى القتال فعليهم أن يلتزموا بآداب وأخلاق توقفهم عند حدود الله؛ فلا يقاتلون إلا من يقاتلهم، ولا يقتلون امرأة ولا وليدا ولا شيخا، ولا راهبا في صومعته، ولا فلاحا يحرث أرضه، ولا تاجرا في متجره، لا يخربون عامرا، ولا يقطعون شجرا، ولا يفسدون في الأرض. ففي فتح مكة قال النبي محمد: "ألا لا يجهزن على جريح، ولا يتبعن مدبر، ولا يقتلن أسير، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن" (رواه عبد الرازق بن أبي شيبة والبيهقي).
لا شك أن ما سبق ذكره من خلال الكتابين قد يفرض علينا التساؤل التالي وهو: هل كان محمد رجل حرب أم رجل سلام؟
أولا ينبغي أن نعرف أن غزو مكة كان بعد هجوم مشركي مكة على المسلمين في غزوات عديدة مثل بدر وأحد والأحزاب، ولم يحترم مشركو مكة الاتفاقية التي وقعوها مع المسلمين. المعروف أن قتال الكفار أباحه الإسلام للدفاع عن النفس، عن المال، عن الوطن، عن الدين. وحرم في الوقت نفسه الاعتداء. يقول الله: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (البقرة 190)، { لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}، الممتحنة 8، {لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ} الغاشة 22.
إن محاربة الكفار لم تكن بسبب أنهم كفار، ولكن لأن الكفار كانوا يقاتلون ويعتدون على المسلمين مثل كفار مكة، وأما بعض من حارب غير المسلمين كما هو الحال في زمن الإمبراطورية العثمانية فكان ذلك لأهداف سياسية محضة، ويجب التفريق هنا بين التاريخ السياسي أو تاريخ الحكام المسلمين، وتعاليم الإسلام. لقد كانت الحروب الإسلامية دفاعا عن الإسلام، أو لشن حرب وقائية أيام الرسول وأبو بكر وعمر، وبعض الحكام أراد التوسع، وعلى ذلك يجب التمييز –كما سبق أن ذكرنا– بين تعاليم الإسلام وتاريخ الحكام المسلمين، يقول الله {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} النساء 90. فحروب المسلمين هي حروب دفاعية ووقائية؛ دفاعية لحماية حدود الدولة الإسلامية من مناوشات أعدائها مثل الروم الذين هددوا المسلمين، ولم تكن حروب المسلمين وسيلة لنشر الإسلام أو لإكراه الشعوب وإجبارها على الدخول فيه. وتأمر الآيات القرآنية بعدم الإكراه في الدين واحترام الأديان الأخرى {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} البقرة 256 وسورة الكافرين {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} الكافرون: 6.
يتعين علينا أن نؤكد هنا أن الجهاد لم يكن محصورا في دفع عدوان المعتدين، بل بدأ في نشأته من خلال القرآن الكريم، ويهدف إلى أن يكون الإنسان مواطنا مفيدا لدولته، سواء كانت مسلمة أو غير مسلمة. غير أن القتال بوصفه نوعا من الجهاد غلب على بقية الأنواع، وأصبح الجهاد في الغرب يعرف بمعنى القتال.
الإسلام لا يفرض القتال إلا مع وقوع التعدي والظلم. فهذه النظرة الغربية تختلف عن مبادئ وروح الإسلام دين السلام، لكن يبدو أن تلك الأحكام المسبقة ترجع إلى عدة أسباب، أهمها: الحروب الصليبية، والحروب العثمانية في أوربا، وأفعال المتطرفين، والحملات الإعلامية في الغرب ضد المسلمين. الحقيقة أنه يجب علينا أن نفرق بين مفاهيم "الجهاد" و"الحرب": فالأول فكر ديني محكوم بالممارسات الدينية والوحي، ينشر أفكارًا ومبادئ تسعى لتحقيق قيم العدل والخير والتسامح بين الشعوب، وأما الثاني -أي الحرب- فهو فكر سياسي/عسكري يرتكز على المصالح والمنفعة الذاتية، محدثا بذلك دمارا وفقرا، وفسادا، وأمراضا.
وقدمت الكتب المدرسية اليونانية بعض المفاهيم الإسلامية الأخرى مثل الجهاد؛ كوضع المرأة في الإسلام، ومحلية الدين الإسلامي، وربط واقع المسلمين اليوم بالإسلام... إلخ.
واهتمام المدرسة اليونانية بتقديم المفاهيم العربية الإسلامية في سياقاتها التاريخية والجغرافية والدينية والاجتماعية والسياسية والحربية يليق بالمدرسة اليونانية التي تعد من أفضل مدارس العالم وبالدين الإسلامي الذي أهدى للعالم الحضارة العربية الإسلامية. ويؤدي توضيح هذه المفاهيم إلى إثراء الثقافتين وتقارب وتعاون شعوب المنطقة والتعايش معا في أمن وسلام.
اقرأ في أوراق المؤتمر:
-
صورة الثقافة العربية والإسلامية الخاطئة في الكتب المدرسية بفرنسا.. د. مصطفى الحلوجي.
-
صورة الإسلام في الكتب المدرسية باليونان.. د. طارق رضوان.
-
صورة الإسلام والمسلمين في كتب التاريخ في مدارس إيطاليا.. د. صلاح رمضان السيد.
-
صورة الإسلام في الكتب المدرسية في النمسا.. د. محمد أحمد منصور.
-
صورة الإسلام في كتب التاريخ المدرسية الفرنسية.. د. العروسي الميزوري.
-
صورة العرب والمسلمين في الكتب الدراسية في بريطانيا.. عبد المحسن بن سالم العقيلي.
-
صورة العرب والمسلمين في الكتب الدراسية في أمريكا.. د. أحمد بن عبد الله البنيان.
-
صورة العرب والمسلمين في الكتب الدراسية في إسرائيل.. د. علي بن صالـح الخبتي
-
التوصيات.. سلوى السنيورة الأمين العام للجنة الوطنية اللبنانية لليونسكو.




















