صورة العرب والمسلمين في المناهج الأوربية
صورة الثقافة العربية والإسلامية في الكتب المدرسية بفرنسا (ملخص)
وإذا كانت صورة الحضارة إيجابية فإن صورة الإسلام تظل سلبية. ففي جميع كتب التاريخ المدرسية الفرنسية، نجد أن الكثير من الأخطاء والتفسيرات السلبية مستندة بصفة خاصة على آيات قرآنية مترجمة ترجمة خاطئة أو مقتضبة أو ملغاة ولكن يعتبرونها لا تزال سارية.
فالإسلام نفسه مقدم كدين طاعة بالمعنى السلبي للكلمة. ولكن نسيت أو تناست الكتب أن طاعة المسلمين لله تعني فعل الخير ورفض الشر؛ فالمسلم مسئول أمام أسرته ومجتمعه وربه.
تقدم الكتب الدراسية الفرنسية للطالب تاريخ ظهور القرآن من خلال مجموعة أساطير غير منطقية مستوحاة من صور من نفس الطبيعة (كصورة النبي محمد بين أجنحة سيدنا جبريل، كتاب هاتيه للصف الخامس، عام 2001 الصفحة رقم 31.
أما النبي محمد فهو مقدم في تلك الكتب على أنه محارب وليس رجل سلام، متناسين أن النبي وكافة المسلمين لم يلجئوا للحرب إلا للدفاع عن النفس {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (البقرة: 190). وهكذا، تعطي الكتب للإسلام صورة متطرفة، في حين أن الإسلام يدين العنف ويعتبر من يقتل بشرا كأنما قتل الناس جميعا {مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} (المائدة: 32).
وفيما يتعلق بالخلافة، تصور الكتب خطأ أن الخليفة هو القائد السياسي والديني للمسلمين، في حين نجد أن الإسلام لا يعترف بأي سلطة دينية أو وساطة بين المسلمين وبين الله عز وجل.
أما الشريعة فهي مقدمة على أن مصدرها الوحيد هو الإسلام والسنة؛ فهي تعتبر إذن كقانون جاهلي قديم. فالكتب تتجاهل المصادر الأخرى: كإجماع الفقهاء والقياس والاستحسان والعرف والرأي والاستصلاح. في القرن الثامن الميلادي، ذكر الإمام مالك، أحد رواد المذاهب الفقهية الأربعة، أن الآيات القرآنية والأحاديث لا تمثل سوى العشر من قواعد الفقه أما الأعشار التسعة الباقية فمصدرها العقل والحكمة.
أما الجهاد فتصوره الكتب على أنه يعني فقط الحرب المقدسة عند المسلمين للدفاع عن الإسلام أو نشره. ويبدو أن مؤلفي هذه الكتب المدرسية قد نسوا أو تجاهلوا أن الجهاد في اللغة العربية وفي الإسلام هو في الأصل نضال داخلي ضد الذاتية بهدف أن يصبح الفرد نافعا لوطنه الإسلامي أو غير الإسلامي. بالإضافة إلى ذلك، تحرم الآيات القرآنية العنف وتحلل الدفاع ضد المعتدين بصفة فردية أو على مستوى المجتمع وذلك باستخدام الوسائل الملائمة {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (البقرة: 190).
تقدم المناهج المدرسية آيات قرآنية محرفة أو آيات مرتبطة بحدث معين. في هذا الإطار يذكر الكتاب المدرسي – طبعة ناتون الثانية – لعدد 2001، ص 86 الآية القرآنية التالية: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآَخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (التوبة: 29)، لم يذكر المؤلف أن الآية القرآنية السابقة موجهة بصفة خاصة إلى كفار مكة الذين كانوا يعتدون على المسلمين، ولم يذكر أنها تتعلق أيضا بيهود المدينة الذين نقضوا عهدهم مع المسلمين في غزوة الأحزاب. هذه الآية وغيرها من الآيات المشابهة لا تنطبق على غير المؤمنين أو اليهود أو المسيحيين الموجودين في عصرنا هذا، ويجب أن نذكر أيضا أن المسلمين لا يعرفون الحرب المقدسة وهو المصطلح الذي درج المسيحيون على استخدامه أيام الحروب الصليبية؛ فالكتب المدرسية تعرف الجهاد بشكل خاطئ على أنه الحرب المقدسة.
ويساعدنا التعريف العربي لكلمة إسلام على فهم معناه الصحيح؛ فأصل كلمة إسلام حسب الجذور العربية الشامية – سلم – ومعناه بكل اللغات الشامية سلام وأمن، أيضا كلمة سلام هي اسم من أسماء الله الحسنى، كما أن الليلة التي نزلت فيها الآيات القرآنية الأولى تعرف في القرآن بليلة السلام {سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} (القدر: 5). هذا بالإضافة إلى أن من أسماء الجنة "دار السلام". ويوضح الإسلام أن مبدأ العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين يستند على السلام وليس على الحرب كما يحرم القرآن العنف خاصة فيما يتعلق بالدين {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} (البقرة: 256).
أما وضع المرأة فتصوره الكتب أيضا بطريقة سلبية؛ إذ تستند على الآية القرآنية الخاصة بالميراث {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} (النساء: 11)، دون الأخذ في الاعتبار وضع المرأة قبل ظهور الإسلام؛ إذ لم يكن للإناث أي حق في الحصول على الميراث، وكان الأب له الحق في بيع بناته أو قتلهن أو تزويجهن رغما عنهن. إذن الإسلام هو الذي حرر المرأة بمنحها حقوقا مثل ما فرض عليها واجبات {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (البقرة: 228).
كذلك مصطلح تعدد الزوجات فهو أيضا يفسر بطريقة خاطئة، فالكتب تعرض آية قرآنية مقتضبة: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا} (النساء: 3).
كل كلمة في هذه الآية تحمل شرطا. فمصطلح العدل (وهو أحد أسماء الله الحسنى) تكرر ثلاث مرات. والحديث عن الأيتام يشير إلى المناخ الاجتماعي الذي نزلت فيه الآية؛ فبعد معركة اليهود ترمل أكثر من 10% من المسلمات وأصبحن بأبنائهن دون مصدر رزق. وهكذا نجد أن الكتب المدرسية تتعرض لجزء من الآية وليس الآية كاملة؛ إذ تتجاهل الظروف التاريخية والجغرافية والاجتماعية والثقافية والدينية التي نزلت فيها الآية. كما قاموا بحذف كل تعليق عن وضع المرأة قبل وبعد الإسلام.
إن الإسلام نفسه وبالتالي النبي محمد والقانون والسلطة ووضع المرأة وغيرها من المبادئ الأساسية الخاصة بالحضارة العربية والإسلامية لا تزال تفسر في الكتب المدرسية الحالية بطريقة خاطئة وسلبية. لذا أصبح هناك حاجة ملحة لتصحيح تلك الأخطاء في إطار من الاحترام المتبادل والحوار المشترك من أجل تصحيح هذا المفهوم والفكر الخاطئ الذي يخرج به الطلاب الفرنسيون ويسيء إلى الطلاب العرب والمسلمين المهاجرين.
اقرأ في أوراق المؤتمر:
-
صورة الثقافة العربية والإسلامية الخاطئة في الكتب المدرسية بفرنسا.. د. مصطفى الحلوجي.
-
صورة الإسلام والمسلمين في كتب التاريخ في مدارس إيطاليا.. د. صلاح رمضان السيد.
-
صورة الإسلام في الكتب المدرسية في النمسا.. د. محمد أحمد منصور.
-
صورة الإسلام في كتب التاريخ المدرسية الفرنسية.. د. العروسي الميزوري.
-
صورة العرب والمسلمين في الكتب الدراسية في بريطانيا.. عبد المحسن بن سالم العقيلي.
-
صورة العرب والمسلمين في الكتب الدراسية في أمريكا.. د. أحمد بن عبد الله البنيان.
-
صورة العرب والمسلمين في الكتب الدراسية في إسرائيل.. د. علي بن صالـح الخبتي
-
التوصيات.. سلوى السنيورة الأمين العام للجنة الوطنية اللبنانية لليونسكو.




















