عيد الكراهية الغبيَّة !!
ولقد آمنت الحركة الصهيونية منذ بدايتها بهذه المقولة؛ فهي تخترع الأكاذيب، وتلح عليها بكل السبل ووسائل الضغط المشروع منها وغير المشروع؛ حتى تصبح تلك الأكاذيب حقائق راسخة، وصورًا ذهنية لا يمكن تغييرها، وبدهيات تُبْنَى عليها أفكار وسياسات وتوجهات، لكنها لا توضع – والويل لمن يحاول أن يفعل - تحت طائلة البحث العلمي لمعرفة مقدار نصيبها من الصدق والصواب، مثل مقولة "شعب الله المختار"، وأسطورة "شعب بلا وطن لوطن بلا شعب"، وأكذوبة إبادة النازيين لـ 6 ملايين يهودي أثناء الحرب العالمية (أفضل تسميتها بالأوروبية) الثانية، وغيرها من الأكاذيب والخرافات والأساطير التي قامت عليها الحركة الصهيونية، تلك الحركة التي دشنت وكرَّست دولة إسرائيل، تلك الدولة التي مازالت تمارس – بكل صفاقة - نفس المنهج، تخترع الأكاذيب، وتكررها، وتلح عليها، وتنطلق من خلالها.
ومن أمثلة الأكاذيب التي أطلقها الصهاينة وصدقوها ويريدون من العالم أن يصدقها ما يسمونه "عيد الاستقلال" وهو يوافق 15 مايو/ أيار، حيث يحتفلون فيه بقيام الدولة الصهيونية التي يعتبرونها الهيكل الثالث.
يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري في موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية نموذج تفسيري جديد (الجزء الثاني: المفاهيم والعقائد الأساسية في اليهودية/ الأعياد اليهودية - دار الشروق - القاهرة - الطبعة الأولى 1998): "عادة ما تستخدم كلمة "استقلال" في العالم الثالث للإشارة إلى استقلال بلد مُستعمَر في آسيا أو إفريقيا عن القوة الإمبريالية الغربية التي تستعمره، أما بالنسبة إلى إسرائيل فقد تم إعلان الدولة الصهيونية حينما نجح المستوطنون الصهاينة بمعاونة الإمبريالية الغربية في احتلال جزء من فلسطين، وفي طرد جزء كبير من سكان البلد الأصليين، وفرضوا وجودهم فرضًا عن طريق القوة المسلحة، أي أن ما يُسمى "الاستقلال الإسرائيلي" هو في واقع الأمر "احتلال واستيطان وإحلال" من منظور الفلسطينيين الذين فقدوا أرضهم.
فمنذ إعلان الدولة الصهيونية سنة 1948م وحتى الآن يحتفل الصهاينة بكذبتهم التي يسمونها "عيد الاستقلال"، ويسميها الفلسطينيون "النَّكبة"، أما يهود إسرائيل المعادون للصهيونية والذين يسمون "جماعة نواطير المدينة" فيعتبرون هذا اليوم يوم صوم وحداد، ويحرقون فيه علم إسرائيل.
أما ما أُسَمِّيه بيوم الكراهية الغبية فهو "يوم هازيخارون" أو يوم الذكرى، وهو يوافق يوم 5 إيار، وهو اليوم الذي يكرس "لذكرى الجنود الذين سقطوا في حرب 1948م والحروب التي تلتها" كما تقول الموسوعة.
ويصف د. المسيري في موسوعته هذا اليوم بأنه يبدأ "بإطلاق صفارة إنذار في كل أنحاء الدولة في مغرب اليوم السابق؛ فتنكس الأعلام؛ وتغلق دور اللهو بأمر القانون؛ وتقام الصلوات في المعابد اليهودية؛ وتوقد الشموع فيها؛ كما تعلن صفارات الإنذار في الصباح عن دقيقتي حداد يتوقف فيهما النشاط تمامًا في الدولة الصهيونية بكاملها، ثم تطلق صفارة إنذار أخرى للإعلان عن انتهاء اليوم وبداية عيد الاستقلال، ويتلى في الصلوات التي تقام في ذلك اليوم المزمور (144) الذي يقول: "مبارك الرب صخرتي الذي يُعلَّم يدي القتال وأصابعي الحرب". وقد لاحظ الفيلسوف الديني الإسرائيلي "يشياهو لايبوفيتش" أن الاحتفال بيوم الذكرى يزداد حدة عامًا بعد عام؛ لأن قائمة أسماء الضحايا تزداد يومًا بعد يوم".
فيوم الذكرى في إسرائيل هو يوم التذكير بمن ماتوا في سبيل الدولة الصهيونية، ويوم التذكير بضرورة أخذ ثأرهم، ويوم تجديد للكراهية في القلوب الإسرائيلية: كراهية العرب الذين قتلوا هؤلاء الجنود.. لكن أحدًا لا يسأل نفسه: لماذا قتلهم العرب؟.. إن العرب قتلة مجرمون وكفى، ولا يجب أن تُطرح أسئلة تؤدي إجاباتها إلى زعزعة هذه الصورة للعرب من الوجدان الصهيوني، لأن الأسئلة – ومن ثَمَّ الإجابة – ستكشف أن العرب أصحاب أرض حاول الصهاينة الاستيلاء عليها بالقوة، فدافعوا عن أرضهم، فازداد الصهاينة عنفًا وإرهابًا حتى إنهم أبادوا قرى بأكملها، وكانت النتيجة تشريد شعب بأكمله..
"وروجيه جارودي" في كتاب "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية" (دار الشروق – القاهرة - الطبعة الأولى 1998) يعطي ملمحًا آخر لهذا العيد الإسرائيلي: عيد الذكرى، حيث يحتفل الإسرائيليون بذكرى إبادة اليهود على أيدي النازيين، ففي عام 1970م اقترح وزير التعليم على طلاب المدارس الثانوية صيغتين للأدعية في صلاة الذكرى، تقول الأولى: إن معسكرات الموت قد شيدتها "الحكومة النازية الشيطانية وأمة الألمان القتلة"، بينما تشير الثانية إلى "أمة الألمان القتلة بوجه عام"، وتتضمن الصيغتان فقرة تدعو الرب أن "ينتقم لدم الضحايا أمام عيوننا".
هذه الشحنات المتفجرة من الكراهية للألمان عمومًا - والنازيين بصفة خاصة - يوجهها الإسرائيليون للعرب، فهم يسقطون كراهيتهم على العرب، ويحققون رغبة الانتقام والإبادة في العرب.
علينا أن نتذكر نحن أيضًا ما فعله الغرب الاستعماري بنا حينما اغتصب فلسطين وأعطاها لليهود.. وعلينا أن نتذكر أن نكشف – لأنفسنا وللعالم - دائمًا الأكاذيب الصهيونية التي يروجون لها.. وعلينا أن نتذكر أنهم أعداؤنا؛ لأنهم أرادوا أن يكونوا كذلك ولم نَسْعَ نحن لهذا العداء.. وعلينا أن نتذكر أنهم ليست لديهم رغبة حقيقية في تغيير أفكارهم ومشاعرهم وأكاذيبهم تجاهنا (أُهْدي هذه العبارة للسادة المُطَبِّعين بصفة خاصة، هدانا الله وإياهم إلى الصواب!!) وعلينا أن نتذكر.. ونتذكر.. ونتذكر.. ولا ننسى أبدًا.




















