مشاركات الأنتفاضة:
غسلوا الصخرة ورفعوا الأذان
بعد تسعين عامًا….. وفي عام 584هـ "أمر السلطان صلاح الدين الأيوبي العساكر، فاجتمعت، ثم سار نحو بيت المقدس، في الخامس عشر من رجب عام 583هـ، فوجد البلد قد حُصِّنت غاية التحصين، وقاتل الفرنج دون البلد قتالاً هائلاً، وبذلوا أنفسهم وأموالهم، في نصرة دينهم ومقدساتهم، واستشهد في الحصار بعض أمراء المسلمين، فشق ذلك على عامتهم، واجتهدوا في القتال، وغنَّت السيوف، فكان ذلك اليوم عسيرًا على الكافرين غير يسير.....
ثم قصد أكابر الفرنج صلاح الدين، وتشفَّعوا إليه أن يعطيهم الأمان، فامتنع، وقال: لا أفتحها إلا عنوة، كما افتتحتموها عنوة، ولا أترك بها أحدًا إلا قتلته كما قتلتم أنتم المسلمين!.
طلب صاحبها الأمان فلما حضر ترقَّق للسلطان صلاح الدين، وذَلَّ ذلاًّ عظيمًا... فكتب الصلح أن يخرجوا عنها ويعطوا الجزية وهم صاغرون، ودخل السلطان والمسلمون البلد يوم الجمعة قبل وقت الصلاة بقليل، وذلك يوم السابع والعشرين من رجب، ولم تقم يومئذ الجمعة، وقد نظف المسلمون المسجد بأيديهم مما كان فيه وأخرجوا منه القاذورات، وكان الفرنجة قد اتخذوه مربطًا لدوابهم فنُظِّف من ذلك كله، وغسلت الصخرة بالماء الطاهر، وأعيد غسلها بماء الورد والمسك، وأبرزت للناظرين بعد أن كانت مستورة مخبوءة، وأقيمت الجمعة بعد يوم الفتح بثمان، ودخله أهل الإيمان، ونصب المحراب، وتلي التنزيل، وارتفعت الدعوات وجُلَّت الكربات، وزال البؤس وطابت النفوس، وسالت لرقة القلوب المدامع، ولما أذن المؤذنون للصلاة كادت القلوب تنخلع، وخطب القاضي محيي الدين بن الزكي، وكان أول ما قاله: "فَقُطِعَ دَابِرُ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِين".
ثم حمد الله بكل المحامد، وذكر فضائل بيت المقدس ومآثره، وأنه أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين، وإليه أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه صلَّى الأنبياء، ومنه كان المعراج إلى السماوات، ثم عاد إليه ثم سار منه إلى المسجد الحرام على البراق، وهو أرض المحشر والمنشر يوم التلاق ، وهو مقر الأنبياء، وقد أُسِّس على التقوى من أول يوم، وظهر الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا".
البداية والنهاية لابن كثير الدمشقي، المجلد السادس - الجزء الثاني عشر - ص156





















