منتجات الحضارة والنموذج
ولكن قبل عودتي إلى مصر في عام 1969 ارتديت (البدلة) الجاكتة ورابطة عنق للذهاب إلى المسرح مع بعض الأصدقاء الأمريكيين، فكنت موضع سخريتهم؛ لأن ارتداء (البدلة) الجاكتة قد أصبح موضة قديمة وعلامة من علامات التخشب والتجمد (بالإنجليزية: ستفينس stuffiness).
أدركت ساعتها أن الجاكت ليس مجرد شيء مادي يستر به الإنسان جسمه ويدفئ بدنه، وإنما هو علامة على شيء ما، لغة حضارية كاملة. (ساعتها قررت أن أتحدث لغتي وألا أتحدث لغة الآخرين وإلا أصبحت ببغاء في أسوأ تقدير وقردًا في أحسنه. ساعتها قررت ألا أتبع الموضة أو آخر صيحة وأن أخضع كل شيء للاجتهاد).
* من أطرف الأمثلة على النموذج هو استخدام البطيخة كسلاح إبان الانتفاضة الفلسطينية. فمن المعروف أنه كان من المحظور على الفلسطينيين رفع العلم الفلسطيني، وكانت القوات الإسرائيلية تقبض على أي فلسطيني يفعل ذلك. فكان الفلسطينيون في غزة، حينما تمر عليهم قافلة عسكرية إسرائيلية، يأتون ببطيخة ويقطعونها ويرفعون نصفها. وألوان البطيخة هي ذاتها ألوان العلم الفلسطيني (أخضر وأحمر وأسود). ولم يكن بمقدور القوات الإسرائيلية أن تقبض على الفلسطيني بتهمة قطع البطيخ وإلا أصبحت أضحوكة العالم، رغم أن عملية قطع البطيخ أكثر عمقًا في رمزيتها النضالية من مجرد رفع العلم (فالسكين الذي يقطع يذكر الجندي الإسرائيلي بما لا يحب).
ومن خلال صورة (أو نموذج) البطيخة هذه وطريقة استخدمها بدأت أولد مفردات النموذج المعرفي الذي تتحرك في إطاره الانتفاضة. فبدأت أرى أن المقاومة تستند إلى المخزون الحضاري في لا وعي الإنسان العربي (رجيم إبليس – طير أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل – كجلمود صخر حطه السيل من عل)، وأن إبداع الانتفاضة يكمن في أنها تعود إلى التراث (حكمة الأجداد) لتنطلق منه. كما أنني لاحظت أن البطيخة المقطوعة هي أول سلاح في التاريخ يقاوم به الإنسان ثم يأكله بعد ذلك فهو سلاح يمكن تدويره Recyclable. تمامًا مثل الحجر، فالمنتفض يرمي العدو به ثم يلتقطه ليرميه مرة أخرى على العدو. والبطيخة مثل الحجر لا تستورد من الخارج، ولا يحتاج النضال بها إلى دورات تدريبية وتوعية ثورية.




















