مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

النماذج والتحيز

 04-11-2000

    لفهم إشكالية التحيز (أو أي إشكالية أخرى) بشكل متعمق لا بد أن نتجاوز سطح الظاهرة لنصل إلى جذورها وعناصرها المتشابكة، والتي تتبدى فيما نسميه النموذج الإدراكي أو المعرفي.

النموذج المعرفي:
حياة المرء مكونة من مجموعة من الحركات والأفعال والسلوكيات والحوادث والإشارات وآلاف المعطيات الحسية الأخرى، وباستثناء بعض العمليات الأساسية مثل التنفس الاعتيادي ومضغ الطعام، كل شيء له دلالة. فكل ما هو إنساني له بعد ثقافي وحضاري، وتعبير عن نموذج.

ولكن ما هو النموذج؟
* لا بد أن أضرب مثلاً لأوضح المصطلح: كنت في منزلي في الولايات المتحدة وكانت زوجتي في إنجلترا تجمع المادة العلمية لرسالتها للدكتوراة في إنجلترا. وفجأة انتابني شك عميق في أن ابني الصغير مريض. فأخذت درجة حرارته، وبالفعل وجدتها مرتفعة. فاتصلت على الفور بالطبيب لأحدد موعدًا معه، فسألتني الممرضة عن "مسز المسيري" (حيث اعتادت أن زوجتي هي التي تأخذ طفلينا للطبيب)، فأخبرتها بأن "مسز المسيري" في إنجلترا، ثم أضفت بحدة واضحة أنه لا يوجد وقت نضيعه في مثل هذه الأسئلة؛ إذ لم أر أي علاقة بين السؤال والموقف الحرج الذي وجدت نفسي فيه. فطلبت مني بحزم أن أضع سماعة التليفون وأن آخذ درجة حرارته مرة أخرى. وحينما فعلت وجدت أن حرارته عادية، فاتصلت بالممرضة لأخبرها أن كل شيء على ما يرام. فضحكت الممرضة وعنفتني قائلة: "إنني لا بد من الصنف الذي يتهم زوجته بالقلق المفرط على الأولاد"، فاعترفت بذلك. فأخبرتني أن هذا نمط (أي نموذج) سائد: في غياب الزوجة تسيطر على الزوج النماذج الإدراكية التي تسيطر على زوجته، فهو يحل محلها وظيفيًّا، ويتم كل هذا دون وعي منه، وأنها حينما سألتني عن "مسز المسيري" وعرفت بغيابها ازدادت يقينًا أنها حالة "قلق وظيفي أو نماذجي"*، وهي حالة قلق غير واعية يقع الإنسان في براثنها دون أن يدري، حيث يقلق الزوج "نيابة" عن الزوجة، ودون وعي من جانبه، ويتقمص نموذج الأم التي لا تكف عن القلق على أولادها. وهذا يبين مدى قوة النموذج (ومدى قوة التحيزات الكامنة داخله، الأمر الذي سأتناوله فيما بعد).

* والنموذج يحدد الرؤية ويوجهها كما يبين المثال التالي: حينما عدت من الولايات المتحدة عام 1969 ذهبت لإعطاء أول محاضرة للطلبة (والطالبات) في كلية الآداب جامعة عين شمس (إذ كنت قد انتدبت هناك). وقيل لي: إن المحاضرة في مدرج كذا، وحين دخلت المدرج المذكور، وجدت أن هناك عددًا كبيرًا من البنات يجلسن في المقدمة، وقد وضعن قدرًا كبيرًا من الماكياج ويرتدين فساتين ملونة ومزركشة، فخرجت على التو ظنًا مني أن هناك "حفلة" وأنني أخطأت المكان. فالنموذج الإدراكي الأمريكي والمصري كان يحدد مجال الرؤية لي، وحسب هذا النموذج فإن الفتيات لا يضعن هذه المساحيق ولا يرتدين مثل هذه الفساتين إلا في الحفلات (كما كان الأمر في جامعة الإسكندرية حين تركتها، وفي الجامعات الأمريكية التي درست فيها). ولكن أحد الطلبة سارع بالخروج من المدرج ليخبرني أن هذه ليست حفلة وإنما محاضرة، وكان عليّ تعديل نموذجي حسب إدراكي الجديد، بعد أن عرفت أن الفرق بين "الحفلة" و"المحاضرة" لم يعد كبيرًا كما كان الأمر في العصور الوسطى في الستينيات.

* كان هناك طالبتان من إريتريا تترددان كثيرًا على منزلنا في الولايات المتحدة، وذات مرة كانتا تتناولان طعام العشاء معنا، وأخذت أمزح مع إحداهن وسألتها عن طبيعة الرجل الذي تود الزواج منه، فتغلبت على حيائها وقالت: "رجل إيطالي". ولما كانت لا تعرف الإيطالية ولم تذهب قط إلى إيطاليا فقد نالت مني الحيرة. فأعملت عقلي إلى أن اكتشفت أن ابنتنا كانت تعيش في بلد غزتها إيطاليا، فولد هذا في نفس الفتاة تحيزًا للغازي.

* حين زرت موسكو عام 1982، سرت في شوارعها أراقب كل شيء وأدون ملاحظاتي لأنني كنت أنوي عقد مقارنة بين المجتمعين الأمريكي والسوفييتي. وقد أعجبت كثيرًا بمسرح البولشوي، ووقفت أمامه أنظر لهذا البناء الحضاري الشامخ الذي يتيح فرصة مشاهدة الأوبرا والباليه بأسعار زهيدة للآلاف. ولكني لاحظت حركة غريبة حولي، فقد أدار الجميع ظهورهم للمسرح وأخذوا ينظرون إلى شيء ما أمامهم. وبما أني عالم اجتماع جاد نظرت حولي وأخذت أبحث عن حريق أو حادثة اصطدام سيارة بأخرى أو حاوي أو قرداتي أو وكيل وزارة أو أحد أعضاء اللجنة المركزية في سيارة فارهة، أو أي شيء آخر مما يتضمنه نموذجي الإدراكي (العربي)، ولكن دون جدوى. ولحسن حظي وجدت من يتحدث الإنجليزية، فسألته عن سر هذه الجلبة، فأشار إلى فتاة صغيرة تقف على محطة الأتوبيس. ومرة أخرى استخدمت نماذجي الإدراكية العربية فنظرت إليها، ولكني وجدتها بنت عادية ليست خارقة الجمال أو شديدة الجاذبية (رغم أنها كانت شقراء. ولكن هذا مما لا يدعو للتجمهر في الاتحاد السوفييتي). ولم تكن الفتاة ترتدي فستانًا مكشوفًا ولم تكن تأتي بأي فعل فاضح أو غريب أو عظيم. فزادت حيرتي بطبيعة الحال وطلبت من صاحبي مزيدًا من الإيضاح. فضحك من حيرتي وأشار إلى أن الفتاة تلبس بلوجينز أمريكيًّا حقيقيًّا. ساعتها عدلت من نموذجي الإدراكي؛ إذ عرفت أن الإمبريالية النفسية الأمريكية قد اكتسحت الجميع، وأنني المعجب الوحيد بفكرة العدل الاجتماعي والمؤسسات الشعبية التي تخدم الجماهير، وأن الاتحاد السوفييتي كان قد انهار تمامًا، وأن جسده الميت يقف دون حياة، ولم يبق سوى أن يأتي جورباتشوف ليقيم مراسم الدفن، ويلتسن ليزيد الخصخصة وليعيد دفن رفات القيصر.  


* "نماذجي" تعني أنه يعبر عن النموذج بشكل متبلور وأنه ينضوي تحت نمط (ولا يهم إن كان هذا النمط سلبيًا أم إيجابيًا)، أما كلمة "نموذجي" فهي تعني "مثلا" و"قدوة حسنة" إلى آخر هذه التضمينات الإيجابية.