مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

الانتفاضة و"قواعدُها"... حجرٌ وبطيخة

محمد أحمد خاطر / 04-11-2000

Image
الانتفاضة ولاّدة... توّلد معاني ومعاني. هي صفة الإبداع الفلسطيني، الروح النابضة التي ترتبط بالأرض لتدافع عن الوطن، لكنها لا تفرق في الأرض - المادة - لتصبح رؤية قومية ضيّقة، بل تجعل الأرض مساحة لاسترجاع الحق المسلوب والدفاع عن ماضٍ وتراث هو أساس هويّة للحاضر واستشراق للمستقبل.

لا نريدُ أنْ نرصد يوميات الانتفاضة بشكل معلوماتي أخرس، بل نريد أن تستنطق المعلومات والتفاصيل اليومية الصغيرة؛ لتتحدث بلسانٍ إنساني متألق تتجلّى منها نموذجاً معرفيًّا إدراكيًّا - وهذا ما يدركه عالم عربي كالدكتور عبد الوهاب المسيري صاحب موسوعة المفاهيم والمصطلحات اليهودية والصهيونية.

فكلمة "انتفاضة" تُبَلور نموذجاً انتفاضيًّا بشكل يبعث على الدهشة. والكلمة مشتقة من فعل "نفض" مثل "نفض الثوب" يعني "حركه ليزول عنه الغبار أو نحوه". والكلمة على المستوى الدلالي المباشر تشير إلى حركة خلاّقة تولّد الجديد من القديم (النظافة). وهي توحي في الوقت نفسه بعدم تجذّر هذا الذي سيزول - الغبار الذي علا الثوب - أو الاستعمار الصهيوني الذي حط على أرض فلسطين. ويقال أيضاً: "نفض المكان" أي "نظر جميع ما فيه حتى يعرفه" (وهذه حيلة معروفة لدى شباب الانتفاضة). ويقال أيضاً: "نفض الطريق" أي "طهَّره من اللصوص". و"النفضة" هي "جماعة يبحثون في الأرض متجسسين لينظروا هل فيها عدو أو خوف".

وتحمل الكلمة أيضاً معاني الخصوبة، فيقال: "نفض الكرم" أي "تفتحت عناقيده". ويقال: "نفضت لامرأة" أي "كثر أولادها". والمرأة النفوض هي "المرأة كثيرة الأولاد" (مثل المرأة الفلسطينية).

وهناك تعبيرات مثل "نفض عنه الكسل" و"نفض عنه الهم"، وكذلك "انتفض واقفاً". والكلمة بدلالتها وإيحاءاتها تفترض وجود قوة ما كامنة، كانت ساكنة ثم تحركت، وأنَّ مصادر الحركة ليست من خارج النسق، وإنما من داخله، وهذا البعد يجعل كلمة "انتفاضة" (لا ثورة) مصطلحاً أكثر دقة في وصف ما يحدث، فالثورة تفيد الانقطاع (الثورة الفرنسية والبلشفية)، أمّا الانتفاضة فتفيد أن الكامن قد أصبح ظاهراً، وأنه وصل ما انقطع ولم يقطع ما اتصل.

أما الحجر، فهو في حالة الانتفاضة ليس مجرد سلاح استخدمه المنتفضون بكفاءة عالية وحسب، فالحجر موجودٌ بكثرة داخل معجمنا الحضاري، فهو إحدى المفردات الأساسية في التراث العربي الإسلامي، فالحصان يُشَبَّه في معلقة امرئ القيس بأنه "جلمود صخر حطّه السيل من علِ". ونحن نعرف كذلك آية الطير الأبابيل التي رمت الغزاة "بحجارة من سجيل"، وعقوبة الزنى هي "الرجم". ويستعيذ المسلمون بالله من الشيطان "الرجيم"، ويقضون حياتهم يحلمون بإقامة شعائر الحج، ومن أهمها "رجم" إبليس وتحية "الحجر" الأسود (وربما تقبيله). وتقف الكعبة نفسها "حجراً" ضخماً مكعَّب الشكل، ويزخر شعر المقاومة الفلسطينية بإشارات لا تُعّد ولا تُحصى للأرض والجبال والحجارة.

اخترع نموذج الانتفاضة التكاملي الموضة!!، فتجد أن الجميع يرتدي الزيّ نفسه تقريباً فيصعب على العدوّ أن يميّز بين الفلسطينيين، ومن ثَم تصبح عملية المطاردة شبه مستحيلة (وهذا يشبه من بعض الوجوه الثورة الجزائرية حين أصبح كل الذكور يُسمّون محمداً وكل الإناث فاطمة، بحيث يغرق العدو في البحر الإنساني). بل إنّ كل متجر ملابس أصبح مكاناً لتغيير الزيّ، حتى إذا دَلَفَ أحد المنتفضين إلى مثل هذا المتجر فإنّ صاحبه يتصرف بتلقائية متعمدة، ويساعد المطارد على تغيير ملابسه؛ ليخرج وينضم للبحر الإنساني.

ولأن النموذج الانتفاضي لا يتجه نحو النمو المستمر، فهو لا يحاول أن يصل إلى الذروة (فيشتعل وينتهي التاريخ)؛ ولذا فهو يتوهّج أحياناً ويخبو أحياناً أخرى، ولكنه لا ينطفئ أبداً ولا يشتعل أبداً. وقد دُرّب أهل الانتفاضة أنفسهم تماماً حتى أصبح بوسعهم أن ينجزوا في ساعتين ما لا يستطيع غيرهم إنجازه إلا في يومين، وقد أدى هذا إلى زيادة مقدرة الفلسطينيين على القيام بهذا العدد الهائل من الإضرابات والاحتجاجات دون أن يحترقوا.

وقيادة الانتفاضة بقبولها فكرة السماح بفتح المحلات وغيرها من الخدمات لعدة ساعات تبيّن أنها مدركة لضرورة تحريك كل أجزاء الجماعة الإنسانية وبشكل مستمر، ومن ثَم لا بد أن تلبي حاجاتهم الإنسانية كبشر، لا بد أن يأكلوا ويشربوا ويفرحوا ويحزنوا. ولكنهم كبشر أيضاً يحققون إنسانيتهم من خلال انتفاضتهم فلا يسقطون في رتابة الزمان اليومية، ولا في آليّته المتبذلة؛ إذ إنهم بعد عودتهم من عند البقّال يضعون ما اشتروا من بضائع في زاوية الدّار ثم يعانقون النجوم ويرشقون عدوهم بالحجارة.

لقد ابتدع الفلسطينيون زماناً فلسطينيًّا للمكان الفلسطيني. هذا إذن هو الإنسان في زمن الانتفاضة، هذا هو الإنسان الذي أفلت من قبضة الزمن الرديء، وقد أنجز ذلك لا بتحطيم الزمان نفسه، وإنما بالعمل من خلاله وتقبّله كمعطى، وبزيادة الخبرة اليومية، من خلال التكاتف والتعاطف والتراحم. وماذا يستطيع العدو مهما بلغت كفاءته أن يفعل في مجابهة هذا؟!

فمن الأمثلة على زيادة كفاءة الجماعة الفلسطينية في الانتفاضة ما لا حظه المنتفضون من أن جنود العدو كانوا يتعرفون على راشقي الحجارة عن طريق التراب العالق بأيديهم، فقام المنتفضون بتجنيد الصغار؛ ليحملوا فوطة مبلّلة يغسل راشق الحجارة يده بعد فراغه من فعله البطولي. واستخدام الوزنة الحديدية بدلاً من الحجر هو مثال آخر على إبداعهم، فالوزنة بالنسبة للحجر كالمدفعية الثقيلة بالنسبة للبندقية، فاستخدامها شكل من أشكال التصعيد ولا شك، ولكن مع هذا تظل الوزنة تنويعاً على الحجر، ويبدو أن إخفاء الوزنة أمر أسهل بكثير من إخفاء كمية من الحجارة، ولنتخيل شعور الطفل الذي يحمل الفوطة المبلّلة ومدى إحساسه بالكراهة حينما يعود إلى منزله ليحكي لأمّه وأبيه ما يفعل فتزداد درجة التماسك والتراحم في الجماعة الفلسطينية. ومن الأمثلة الأخرى أنه عندما بدأت الانتفاضة كان بعض راشقي الحجارة يلجؤون إلى مدارس البنات للهرب من المطاردين اليهود، فكانت البنات يصرخنْ بسبب فجائية الموقف، ولكن تعلّم الجميع كيف يعزف لحن الانتفاضة المستمر؛ ولذا فحينما كان أحد المنتفضين يدخل مدرسة البنات فإن الجميع كنّ يتحركن بتلقائية متعمدة ويختفي المنتفض. وليغوص العدوّ في هذا البحر الإنساني تارة أخرى.

لقد كانت الانتفاضة أطول حركة عصيان مدني نشط في التاريخ، جعلت التفكير الإستراتيجي الإسرائيلي يتوصّل إلى اقتناع مفاده أنه لن يمكن القضاء عليها إلا عن طريق الالتفاف عليها ومن هنا كانت مدريد ثم أوسلو، فقد استمرت الانتفاضة ثلاث عشرة سنة وأنهكت العدو تماماً، ويمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية؛ لأنها في تلك الفترة شيّدت كل المؤسسات البديلة لإدارة المجتمع، أي أن الانتفاضة كانت انتصاراً لفكرة المجتمع الأهلي مقابل الدولة المركزية، واندلاع انتفاضة ثانية دليل آخر على مقدرة النموذج الانتفاضي على الاستمرار بعد التوقف وعلى التأجج بعد الراحة.

لقد اهتم المنتفضون، انطلاقاً من نزعتهم التراثية، أيّما اهتمام بالأغاني الشعبية في نضالهم واحتجاجهم، ولكنّ إبداعهم التراثي وصل ذروته وعبّر النموذج الانتفاضي عن نفسه خير تعبير فيما سُمّي "حيلة البطيخة"، فمن المعروف أن قوات الاحتلال اليهودي كانت تُحرّم على الفلسطينيين أن يرفعوا العلم الفلسطيني وتجرّم هذا الفعل؛ ولذا بدلاً من المواجهة المباشرة كان الفلسطينيون – عند مرور القوات اليهودية – يقومون بقطع بطيخة إلى نصفين ثم يرفعون أحد النصفين، وكل لبيب بالإشارة يفهم؛ فألوان البطيخة المقطوعة حمراء، وقشرتها خضراء وبيضاء، وبذرتها سوداء، هي ألوان العلم الفلسطيني.

·        ولعّل عملية قطع البطيخة ذاتها تذكر الجندي اليهودي بأشياء أخرى يخافها.

·        إن قطع البطيخة المتينة أكثر عمقاً في مدلوله من مجرد رفع العلم المجرد.

·        وهو سلاح مبتكر تماماً يوجد عند الفكهاني في أي وقت.

·        وليس بإمكان العدو مصادرته وإنْ فعل أصبح أضحوكة أمام العالم.

·        وهو سلاح اقتصادي تماماً يمكن تدويره (بالإنجليزي:recycling) يستطيع المجاهد أن يأكله بعد أن يناضل به!!

·        ويستطيع الجميع استخدام سلاح البطيخة من سن السابعة إلى سن السابعة والسبعين.

·        وهو أيضاً سلاح يستفزّ العدو دون إعطائه فرصة مباشرة للبطش.

·        وهو في نهاية الأمر تعبير عن الهوية: حلبة الصراع الحقيقية.

·        والبطيخ سلاح شعبي مائة في المائة، ولا أعتقد أن من يأكل الهمبورجر كثيراً ويسمع الديسكو طويلاً قادر على أن يستخدم البطيخة كعلم فلسطين والأغنية كنظرية ثورية والحجر كسلاح.

هذا هو "نَحْوُ" الانتفاضة، وهذه هي "قواعدها" وما أشكال الإبداع الانتفاضية الأخرى إلا تَنْويعات أو جُمَل تمّ توليدها بأن لا يحتاج لسلاح مستورد، ولا لمستوى تنظيمي عالٍ؛ إذْ يقوم المنتفضون بسرقة حمام من مزارع اليهود ثم يزوّدونه بفيلينة تشعل الحرائق، ويطلقونه ليعود - كما تملي عليه غريزته - إلى منطقة سكناه، وفي الطريق يشعل الحرائق!

لقد تركت الانتفاضة أعمق الأثر في أطراف الصراع، أمّا بالنسبة للفلسطينيين والعرب فقد نزعت عنصر الخوف من القلوب، وأثبتت أن بالإمكان إلحاق الهزيمة بالعدو الذي كان يظن أنه لا يقهر، هذا لو نفضنا عن أنفسنا التبعية الإدراكية وتعاملنا مع واقعنا من خلال النماذج الخاصة بنا. أما على الصعيد الدولي فقد أسقطت الانتفاضة قناع "إسرائيل" الديمقراطي وأصبح من العسير الحديث عن التراث اليهودي والمسيحي والتقاليد الليبرالية، وما شابه من ديباجات أحرزت شيوعاً في العالم الغربي. ولكن أهم آثار الانتفاضة بغض النظر عن نتائجها العملية أنها أصابت الحلم الصهيوني اليهودي في مقتل، فالمستوطن الصهيوني اليهودي الذي كان يستند وجوده وإحساسُه بالأمن الداخلي إلى وهم الإيمان بأن العرب - في نهاية المطاف - سيرضخون ويقبلون بالأمر الواقع، قد رأى المقهورين، وهم يهبّون فجأة من وجهة نظره - ويلقون الأحجار عليه في انتفاضة اشترك فيها الجميع؛ ولذا بدلاً من الأحلام الوردية المتركزة على البيت الفاخر الذي يوجد على أطرافه العمالة العربية الرخيصة، توجد كوابيس مظلمة يقف في وسطها طفل ممسك بالحجر.

ومِنْ ثَم بدأ يتساءل المستوطن الصهيوني اليهودي - ولأول مرة - لا عَنْ الخلل الذي يمكن إصلاحه، وإنما عن شرعية وجوده نفسها. وبهذا تكون الانتفاضة قد استعادت للصراع العربي أبعاده الحقيقية، ورغم كل المحاولات الحالية الرامية لتحويل القضية إلى قضية إجرائية متعلقة بالممرات وفرق المطافئ وبضعة كيلومترات، فإن اندلاع الانتفاضة يؤكد أن القضية أكثر شمولاً وعمقاً.

إن الانتفاضة ليست حركة عصيان مدني لتحرير فلسطين فحسب، بل هي نموذج متكامل ورؤية للكون يمكن استخدامه في إدارة المجتمع العربي بطريقة تفجّر الإمكانات الثورية والإبداعية لدى الجماهير، وهذا ما فشلت فيه كل حركات العرب الثورية وأعضاء النخب الحاكمة، فإنجاز الانتفاضة إنجاز لنا جميعاً نحن أبناء الشعوب العربية والإسلامية. وهو طريقة للجهاد ذات فعالية عالية، ولعلَّ عودة الانتفاضة ونشاطها بعد سكوتها يعني أن نموذج الجهاد لا يموت، فهي تهدأ قليلاً لتراقب ما يحدث؛ لتعود حية شامخة، كالنجم الساطع في سمائنا التي لا يتلألأ فيها كثير من النجوم.