المجمع الماروني: تأكيد الهوية ورؤية جديدة للعالم
وقبل المجمع بقليل (الشرق الأوسط 18-8- 2004) أصدرت الرابطة المارونية بيانا مثيرا كانت معانيه حاضرة في أوراق المجمع ومناقشاته، وحسب البيان فإن وفد الكونجرس الأمريكي الذي زار لبنان قبل صدور البيان بأيام دعا إلى توطين الفلسطينيين في لبنان؛ وهو ما اعتبرته الرابطة دليلا على "سعي إسرائيل لاقتلاع المسيحيين من البلدان العربية"، وفي تعليق لافت على الدعوة الأمريكية والبيان الماروني اعتبر وزير الشئون الاجتماعية اللبناني أسعد دياب "أن توطين الفلسطينيين في لبنان يعني أن النسيج اللبناني سيتمزق بكامله، وإذا كان البابا يوحنا بولس الثاني قد اعتبر أن لبنان رسالة فالتوطين هو زوال لهذه الرسالة"، وحول مفهوم "لبنان الرسالة" تمحورت أعمال المجمع في نقطة التقاء الثقافة بالسياسة.
والهاجس الذي أحيته الأحداث الأخيرة أكثر رسوخا في وعي المارون مما يبدو، وقد كشف السياسي الماروني المعروف بيار حلو عن معلومة مثيرة، فقال في حوار صحفي أجرته معه "الرأي العام الكويتية" (8-11- 1998): "لا يمكن أن أنسى كلام كيسنجر الذي قاله عام 1973 والمحفور في ذاكرتي في أن الحل هو أن يصبح الفلسطينيون في لبنان، والمسيحيون في كندا وأوربا"، ومن ناحية أخرى فإن حالة مسيحيي فلسطين تشغل بال الفاتيكان منذ سنوات بدرجة كبيرة، وهي تنظر باهتمام شديد لظاهرة تزايد هجرة المسيحيين الفلسطينيين تحت وطأة الضغوط الصهيونية، ويعرف البابا جيدا أن وجود مسيحيين فلسطينيين هو المبرر الوحيد لوجود دور للفاتيكان في "مهد المسيح"، وهو يؤكد من آن لآخر: "الالتزام المشترك إزاء استمرار الوجود المسيحي على مدى ألوف السنين".
سؤال الهوية
سؤال الهوية كان الأكثر حضورا، وبه ابتدأت مناقشات المجمع؛ حيث كان عنوان الملف الأول "هوية الكنيسة المارونية ودعوتها ورسالتها" باعتبار أن المشروع "المجمعي الذي يدفع الموارنة اليوم لإعادة نظر شاملة في شئونهم الكنسية لا يبلغ مرتجاه إلا إذا كان منسجمًا مع العناصر الأساسية التي تُكون هويتهم والتي في ضوئها تتحدد دعوتُهم ورسالتُهم".
وفي إطار اهتمام شديد بالارتباط بلبنان احتلت قضية الهجرة المارونية مساحة واسعة من أوراق المجمع وصولا إلى الطموح إلى اتخاذ هذا الانتشار الماروني في العالم قاعدة لدور عالمي للكنيسة المارونية، وفي سبيل تعزيز هذه العالمية يؤكد المارون أنهم "لا يرضون بالتالي أن ينقادوا في مسعاهم هذا إلى اعتبارات ثقافية أو قوموية أو سياسية". "وفي ضوء ما تقدم فإن العناصر الأساسية للهوية المارونية هي أنها: أولا كنيسة أنطاكيّة سريانيّة، ثانيًا كنيسة خلقيدونية، ثالثًا كنيسة بطريركية، رابعًا كنيسة في شركة تامة مع الكرسي الرسولي الروماني، خامسًا كنيسة حاضرة في بيئتها اللبنانية والمشرقية، وفي بلاد الانتشار".
ويبدو في هذه الورقة بوضوح التركيز الشديد على التعددية في هوية الكنيسة المارونية والتعددية في المحيط الذي تعيش فيه؛ فعلى مستوى الذات عبرت المارونية عن نفسها "عبر تيارين حضاريين: التيار الآرامي/ السرياني، والتيار الهليني. وكان التيار الآرامي طاغيا في المدن الداخلية والأرياف، في حين أن التيار الهليني سيطر على بعض المدن الساحلية". و"العودة المرجوة إلى هذا التُراث المشترك الذي تكون في أقسامه وميزاته الأساسية قبل نشأة البطريركية المارونية (ق 8) تجعلُ الموارنة شركاء مع إخوانهم الأنطاكيين والسريان".
ورغم أن الطائفة المارونية نشأت بعد ظهور الإسلام وبعد الفتح الإسلامي للشام فإن الفتح الإسلامي حاضر في أوراق المجمع كعلامة في تاريخ "الطائفة". والعلاقة مع الإسلام كـ"دين" والعالم الإسلامي كأمة حاضر في معظم أوراق المجمع، وإن غلب على الموقف منه قدر كبير من التناقض والمراوغة، وهو ما قد يفسره التأكيد المتكرر على أن الشركة مع الفاتيكان تُشكل عنصرا أساسيا وعريقاً في هُوية الكنيسة المارونية ودعوتها ورسالتها.
وأكثر الإشارات إلى هذه الشراكة إثارة للجدل والتساؤلات عبارة نصها: "ولَئِن اتضحت أبعادُ هذه الشركة في شكلها التاريخي المعروف إبان المرحلة الصليبية (1098-1291)، فإنها لم تكن عند الموارنة أمراً عابراً أملَته عليهم ظروف تاريخية معينة. فاستمراريتها المذهلة حتى أيامنا هي خير تعبيرٍ عن أمانة الموارنة الراسخة لتقليدٍ كنسي عريقٍ ومشترك بين الشرق والغرب... ولم تؤدِ تلك الشركة إلى انقسامٍ في صفوف الموارنة بين مؤيدٍ ورافض لها، خلافاً لما حَصل في الكنائس الشرقية الأخرى". وفي القرن العشرين عرفت هذه الشراكة عهداً جديداً، منذ انعقاد المجمع الفاتيكاني الثاني في روما (1962/ 1965).
وتحت عنوان: "حضور الكنيسة المارونية في النطاق البطريركي.. العلاقة مع العالمين الإسلامي والعربي" تأتي رؤية تبدو مركبة لكنها في حقيقة الأمر مراوغة ومقبلة على تغيرات بنيوية عميقة؛ فهي تشير أكثر مما تحدد، وتوحي أكثر مما تفصح، وتظهر عليها آثار التمزق بين اعتبارات متناقضة بل أحيانا متصارعة، مع التأكيد على أن الكنيسة المارونية تعي "أن لقاءها الطيب بالإسلام والمسلمين في العالم العربي هو من صلب رسالتها"، وهي حاضرة في محيطها منذ بداياتها التي "تكاد تتزامن مع نشوء الإسلام". ويشير تعبير "نشوء" نفسه إلى إنكار ضمني لسماوية الإسلام، صِيغَ بمراوغة ورغبة في سلبه صفة السبق في الوجود التاريخي على الطائفة!!
أما النظرة للتاريخ فيكفي التوقف لاستجلاء ملامحها أمام تعبيرات وردت في الورقة مثل: "احتلال"، "مقاومة مارونية/ مردائية"، "إغارات المقاومين على الجيوش العربية". أو عبارة مثل: "مرت العلاقة المارونية الإسلامية عبر التاريخ بفترات صدام تخللتها فترات انفراج، شأنها في ذلك شأن العلاقة المسيحية الإسلامية عموماً. فانكفاء الشعب الماروني عن بيوته وسهوله الخصبة في سوريا الثانية إلى جبال لبنان الوَعرة كان -في منحى كبير منه- هرباً من وضعية دونية في ظل الحكم الإسلامي الناشئ لا محل فيها لحرية كاملة في عيش الإيمان المسيحي. صحيح أن نظام الذمة الإسلامي كان تسامحيا نسبة إلى معايير عصره، إلا أن التاريخ أثبت أنه أنتج مفاعيل موهنة، ومذلة، ومُفنِية للمسيحيين على الصعيدين الديني والاجتماعي في المدى الطويل".
أو: "لم يتراجع الموارنة إلى جبال لبنان إلا بعد أن قاوموا الجيوش الإسلامية.. لكن العهد الأموي كان -إلى حد ما- رفوقًا بالمسيحيين. فمقابل نفي السلطات الأموية لبعض الأساقفة، كإيليا اليبرودي، وقطع لسان البطريك الملكاني إسطفانوس الثالث بأمر من الخليفة مروان الثاني.. وبقيت العلاقة المارونية/ الإسلامية متأرجحة في الحقبة العثمانية. وتعرض الموارنة في هذه الفترة الطويلة من تاريخهم لشتى الانتكاسات المريعة، كمجازر 1840-1860 في لبنان وسوريا. وقد أسهم الجور التركي أثناء الحرب العالمية الأولى -مضافاً إلى المجاعة- في إفناء ثلث الموارنة تقريبًا".
و"منذ القرن السابع اضطر الموارنة إلى اللجوء إلى جبل لبنان تحت وطأة الاضطهاد الذي ما انفك يلاحقهم قروناً طويلة، مستعراً أحياناً وهامدًا حيناً"، و"سَهل لهم الصليبيون الالتحام بروما وبالغرب في أثناء القرنين الحادي عشر والثاني عشر. أتاحوا لهم فرصة لتطوير حياتهم الكنسية والاجتماعية، والانفتاح إلى الطقوس الغربية، وارتداء ألبستهم الليتورجية. وكانت مناسبة لهم لإثبات صحة إيمانهم الكاثوليكي، لكن الانفراج ما عتم أن انقلب ضيقًا وتنكيلا في ظل دولة المماليك الذين تمكنوا من إجلاء الصليبيين والانتقام من الموارنة. فتجالدوا وثبتوا في وجه الاضطهاد".
حضور محلي وانتشار عالمي
وفي إطار مفهوم الهوية تتصور الكنيسة المارونية "جسرا" بين الفرقاء: الشرق والغرب، الشمال والجنوب، المسلمين والمسيحيين؛ فهي "كنيسة الجسور الممدودة وكنيسة الحدود عند ملتقى الحضارات.. وها هي اليوم تتواجد من أستراليا شرقاً إلى الشرق الأوسط وأوربا وإلى أقاصي الغرب". وفي السياق المحلي تطمح الكنيسة إلى القيام بدور "الضمير المجتمعي" فتساهم في إضفاء روح مسيحية على النشاطات الاقتصادية والاجتماعية في مواجهة ظواهر مثل: "الانفصام بين الأخلاق والإنتاج الاقتصادي"، و"ضرورة المساهمة في تغيير وتعميق الممارسة السياسية الديمقراطية، لترتكز أكثر على الأخلاق". وتترجم أوراق المجمع هذا الالتزام في توصية نصها "واجب عدم الخضوع لأوامر السلطات المدنية عندما تفرض ما يتعارض ومقتضيات النظام الخلقي، والحقوق الأساسية للأشخاص، وتعليم الإنجيل". وأما السبيل للاضطلاع بهذا لدور فيأتي عبر تأكيد المشاركة السياسية والاجتماعية للمارون، وأن "الانتماء الديني مكون أساسي للهوية المارونية".
الأرض والأنسنة والإلحاد
في إطار استكشاف الذات كمدخل لرسم حدود العلاقة بالآخر تؤرخ أوراق المجمع للتحولات المجتمعية وتأثيراتها الثقافية؛ فتبدأ من أن الحياة الريفية المارونية كانت تتمحور حول الكنيسة؛ فكانت "حقا روح البلدة وقلبها النابض"، وتحت عنوان: "علاقة العائلة المارونية بالأرض" تظهر رؤية حلولية تبدو متعارضة مع التقليد الكاثوليكي تعارضا تاما، ولنقرأ هذا النص: "الأرض خير أم جمعت أبناءها بروح من الألفة والتعاون... هي بقيت وهم توالوا عليها تاركين بصماتهم وعبير مرورهم؛ فأضحت تاريخا ووطنا"، و"العائلة المارونية المرتبطة ارتباطا عميقا بالأرض -الأم المعيلة- حفظت لهذه الأرض شعورا شبه ديني".
ويبلغ الاهتمام بالأرض قمته بتخصيص ورقة خاصة تحمل عنوان: "الكنيسة المارونية والأرض" تتضمن تأكيد أن "الأرض انتقلت إلينا كإرثٍ مادي وروحي.. تكونت من خلاله وعليه الهوية المارونية.. فإذا ربح الماروني العالم كله وخسر الأرض التي تكونت فيها هويته التاريخية يكون قد خسر نفسه"، و"المفهوم الإيماني للأرض يرتكز على معطيات الكتاب المقدس وعلى ما يستنتجه اللاهوت المسيحي"، وانطلاقًا منها "فالكتاب المقدس يحدد منذ البدء علاقة الإنسان بالأرض بطريقة رمزية. فالإنسان ابن الأرض جُبل منها، وهي بالتالي أمه وإليها يعود"، و"الأرض في تقليدنا ليست ملكًا نتصرف به على هوانا، بل إرثٌ.. أشبه بوديعة ثمينة أو ذخيرة مقدسة". و"الأرض هي الوطن والكيان، وقيمتها هي بما تجسده من قيم وخبرة وبعد حضاري ووجودي". و"الأرض قيمة إيمانية"!!
في المقابل هناك إشارة إلى "تعلق الكنيسة المارونية بالقيم الإنسانية" انطلاقا من أن النمو السكاني وتطور الظروف الحياتية دفع العائلة المارونية لأن تترك الجبل لتفرض عليها حياة المدن الانفتاح على الديانات الأخرى والانفتاح الثقافي (ق 19) "على الفكر الغربي، لا سيما العلماني منه، الذي يأخذ بالعقلانية في نظرته للدين، ويؤمن خصوصا بالتطور العلمي والاكتشافات التقنية التي ستغير الكثير في مجرى التاريخ البشري، والذي يستبدل بالدين النزعة الإنسانية humanisme... فهي تسهر على ألا تُختزل هذه الدعوة بالنزعة الإنسانية الإلحادية التي تهدف إلى عبادة كل ما هو إنساني؛ أي أن تجعل من الإنسان وانطلاقا من إنسانيته فقط قيمة أدبية مطلقة"، و"بسبب حضارة الاستهلاك (أو عبادة السوق) تميل العائلة المارونية شيئا فشيئا إلى التخلي عن قيم كنيستها".
العلاقة مع الغرب
تنطوي رؤية الكنيسة المارونية للعلاقة مع الغرب على تحول نوعي شديد الأهمية؛ فعلى المستوى التاريخي كان انفتاحها على الغرب "عبر الشراكة الكنسية مع روما وثقافيا عبر الإرساليات، لا سيما منها الفرنسية"، وهو انفتاح كان حجر الزاوية في الدور التحديثي الذي قام به المارون في العالم العربي كرسته عضوية لبنان في عالم الفرنكوفونية. وقد تحول هذا الدور أو يوشك أن يتحول في زمن العولمة والثقافة العالمية ليتسم بسمة أنجلوساكسونية.
"ومع تنامي أعداد ونفوذ الموارنة في المجتمعات التي حققوا نجاحات فردية باهرة في بلدان الانتشار أصبح ضروريا معرفة إمكانية مساهمتهم في تمتين روابطهم بلبنان. وهذا الأمر يبدو ملحًا في الولايات المتحدة التي أضحت القوة العظمى، والتي -بفعل موقعها ونفوذها- تتمتع بمسئولية معنوية تجاه الشعوب والبلدان الصغيرة في المساهمة في إرساء العدالة الدولية والاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها وصون سيادتها وبناء مجتمع ديمقراطي ونظام سياسي يحترم حقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة. فالكنيسة المارونية المنتشرة في العالم -لا سيما في الولايات المتحدة- حيث تشكل جاليتها أكثر من نصف الأمريكيين المتحدرين من أصل عربي، وحيث لها أبرشيتان، تعتبر أن تنظيم هذه الجالية الفعالة بات حاجة ماسة. وقد شرعت معظم الدول في تحسين صورتها لدى الرأي العام الأمريكي والدفاع عن مصالحها لدى الإدارة الأمريكية والكونجرس الأمريكي".
إن المجمع الذي ينعقد للمرة الثانية بعد مساعٍ ومطالبات لعقد مجمع دوري منذ مطلع القرن العشرين تأتي أوراقه ومناقشاته حافلة بالكثير من القضايا والتحولات في بنية علاقة الكنيسة والطائفة معا لبنانيا وعربيا وعالميا على الصعد المختلفة الدينية والسياسية والثقافية، ومن الملح في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة أن يولي الخطاب التحليلي العربي اهتماما خاصا بالجماعات المتمايزة طائفيا أو دينيا أو عرقيا، سواء كانت تعتبر أقليات أو بالنظر إلى الأدوار التاريخية لهذه الجماعات ورؤيتها لذاتها وللعالم.





















