مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

السادات.. بعيون الرضى والغضب!!

هيام عبد الودود / 23-01-2001

عندما يصبح الكاتب مجرد دعائي، ويرتدي المؤرخ عباءة المحلل النفسي؛ فإن النتيجة تكون تشويشاً كاملاً على الحقيقة، وليًّا لأعناق الحقائق وتلوينها، وينتج عن ذلك كتب مثل "السادات الحقيقة والأسطورة" لموسى صبري، و"خريف الغضب" لمحمد حسنين هيكل.

والشخصية التي يتناولها الكاتبان من أكثر الشخصيات السياسية العربية إثارة للجدل في النصف الثاني من القرن العشرين.. ففي حين يضعه البعض في خانة "الخائن عميل المخابرات المركزية الأمريكية" يعتبره آخرون "بطل الحرب والسلام، صاحب النصر العربي الوحيد على إسرائيل، وصاحب أذكى حركة سلام استعاد بها ما كان من المستحيل استعادته بالحرب".

وما نريد التنبيه إليه هنا أن الكاتبين لم يضعا الحقائق الخاصة بالسادات على منضدة البحث ثم أبديا رأيهما فيها وتركا للآخرين حرية استخلاص آرائهم الخاصة، ولكنهما استخدما منهجاً واحداً وإن كانت الغاية مختلفة، ذلك المنهج هو استخدام ما يتفق مع تصور الكاتب المسبق من الوقائع وتجاهل ما ينقض أو يهدم ذلك التصور، وكذلك عرض هذه الوقائع بشكل يتناسب مع الهدف من تقديمها، وليس مع قيمتها الحقيقية، فيتم تقديم بعض الوقائع الهامة على أنها هامشية أو العكس..

وإذا كنا نعترف أنه من المستحيل أن يتخلص الكاتب من تحيزاته عندما يكتب، فإن الفصل بين الرأي الشخصي والوقائع الثابتة في العرض هو الذي يضمن لنا قدراً معقولاً من الحيادية والمصداقية.. ولكن موسى صبري كتب عن السادات من موقع الصديق وأحد رموز العصر الساداتي الصحفية، و"هيكل" كتب من الموقع المناقض، وكل منهما يقول: إنه لا يقدم سوى الحقيقة.. وهذا ينبهنا لضرورة أن نكون متيقظي الحاسة النقدية عند القراءة، ولا نتلقى الأمور كما تقدم لنا، بل نُعْمِل فيها العقل؛ لنصل إلى الحقيقة التي نرضى عنها.

وسأقدم هنا – وبإيجاز – صورتين للسادات من خلال كتابي "موسى صبري" و"هيكل".. وعليك أن تستخلص منهما - ومن غيرهما من المراجع إن أمكن – الصورة التي ترضي عقلك أنت؛ لتصل بنفسك إلى الحقيقة التي تطمئن إليها، وأود أن أشير إلى أهمية أن يكون هذا منهجاً لتفكيرنا، فلا ننتظر أن تُقَدم لنا الحقيقة -أو حتى الحقائق- جاهزة دون تحيزات مسبقة أي على طبق من ذهب كما يقولون.

السادات وموسى صبري

[ عين الرضى عن كل عيب كليلة...]

يرسم موسى صبري للسادات صورة ترفعه فوق مرتبة البشر، وتجعله خالياً من كل عيب، مبرأ من كل ذنب.. فالسادات - كما يقدمه - هو ابن مصر البار الذي أعطى بلاده ومواطنيه من حبه وجهده أكثر مما أخذ بكثير!!

وهو القروي البسيط الذي التحق بالجيش، ثم اشتعلت فيه وطنيته فاشتغل بالعمل السياسي السري.. واتُّهِمَّ في قضية اغتيال "أمين عثمان".. ودخل المعتقل.. وهرب.. وعمل سائقاً ومقاولاً.. فعرف الشعب عن كثب.. والتحم به دون حواجز.. فكان فيما بعد أصدق تعبير عن شعبه الذي عرفه وعاش معه بكل فئاته!!

والسادات هو أحد المقربين للزعيم الراحل جمال عبد الناصر في تنظيم الضباط الأحرار، وهو الذي أذاع بصوته أول بيان لثورة يوليو.. وهو الذي تدرج -لكفاءته ووطنيته- في المناصب حتى وصل إلى منصب نائب رئيس الجمهورية.. وبعد موت عبد الناصر اختير السادات رئيساً للجمهورية.. وقضى على "مراكز القوى" وخلص مصر من ظلمها واستبدادها.. وأطلق الحريات.. وقدم لمصر الدستور الدائم!!

وهو الذي علمته تجربته السياسية قبل وبعد الثورة الكثير.. فأصبح ذلك السياسي الخبير المحنك الذي قام بالتخطيط -وحده تقريباً- لحرب أكتوبر، في الوقت الذي أقنع الجميع -داخل مصر وخارجها- أنه لا يفكر في الحرب كحل لمشكلة مصر.. ثم اتخذ قرار العبور العظيم.. واستغل نصر أكتوبر أحسن استغلال فقام بالمبادرة.. وذهب إلى القدس.. وخطب في الكنيست الإسرائيلي.. وأعجب به العالم وصفق له طويلاً!!

وقد مرت فترة حكم السادات كأكثر العهود التي عاشتها مصر أمناً وسلاماً واستقراراً وتقدماً.. وكانت "الاحتجاجات" التي تُسمع أحياناً -مثل مظاهرات 18 و19 يناير 1977- موجهة أصلاً ضد الحكومات؛ لأن السادات كما هو في حقيقته، وكما عرفته مصر وعرفه العالم، هو ذلك الفلاح الوطني الطيب، والجندي الشجاع، والسياسي المجرب!!

لذلك فإن ما قام به بعض المتطرفين من اغتيال للسادات كان مفاجأة للجميع.. مفاجأة مفزعة وغير متوقعة بالمرة؛ لأن حكم السادات كان عادلاً ديمقراطياً مزدهراً!!!

السادات وهيكل

[ وعين السخط تبدي المساوئ...]

ويرسم محمد حسنين هيكل صورة مناقضة تماماً للصورة السابقة هذه ملامحها الأساسية: السادات مصري من قرية "ميت أبو الكوم".. جدته سيدة قوية الشخصية رغم فقرها، فلم يرث عنها قوة الشخصية، وإنما أعجب بها، وأصبح تبعاً لذلك سلس الانقياد لأي قوة يمكنها قيادته!!

تزوج أبوه ثلاث مرات على أمه، فعاش ذليلاً كأمه في البيت الذي جمع فيه أبوه زوجاته وأولاده جميعاً.. وفى الوقت نفسه لم يجد لدى نفسه القدرة على حب أبيه، هذا إن لم يكن يحقد عليه ويكرهه فعلاً- وهذه عقدة أخرى ترسبت بداخله وحرّكته مدى الحياة!!

يضاف إلى ذلك أن السادات كان أسود اللون، فكان يكره لونه ويشعر بالنقص، وهذا هو العامل المباشر الذي جعله يتزوج "جيهان السادات"؛ لأنها كانت بيضاء جدًّا - وتلك عقدة ثالثة!!

والسادات ممثل فاشل.. حاول أن يكون ممثلاً وفشل.. لكن الممثل في أعماقه لم يمت.. بل تضخم وتضخم حتى أصبح هو السادات نفسه.. هو ذلك الممثل الذي يريد اجتذاب الأضواء، واستدرار التصفيق من الجماهير مهما تكن التضحيات أو النتائج!!

وقد اشترك السادات في تنظيم الضباط الأحرار، وفى مجلس قيادة الثورة بالصدفة! ثم أنه قبل اشتراكه في هذا التنظيم كان عضواً في الحرس الحديدي التابع للقصر الملكي والذي كانت مهمته تنفيذ أوامر اغتيال أعداء القصر.. وقد أُعتُقِل ثم هرب، وتنكر في أكثر من شخصية فقوي بذلك الممثل بداخله.. وبعد موت جمال عبد الناصر جاء السادات إلى السلطة بالصدفة؛ لأن جمال والذين حوله في غمرة مشاغلهم الكبرى نسوا أن السادات هو نائب رئيس الجمهورية الذي عينه عبد الناصر نفسه!!

ولقد قضى السادات على بقية أعضاء مجلس قيادة الثورة الذين أطلق هو عليهم لقب "مراكز القوى" لينفرد بالحكم.. وكانت كل فضيلته في حرب أكتوبر أنه اتخذ القرار فقط؛ لأن كل شيء كان معدًّا للعبور.. وهو مع ذلك لم يحسن استغلال هذا النصر العظيم الذي حققته القوات المسلحة في أكتوبر.. فقام بمبادرة السلام، وزار القدس، وكسب صداقة أمريكا؛ لكنه خسر كل العرب؛ فضعف مركز مصر.. وتم بذلك تحقيق هدف إسرائيل وهو عزل مصر عن الدول العربية!!

والسادات حاكم استعراض، كل ما يهمه أن تصفق له الجماهير.. وهو مستعد لأن يضرب بيد من حديد هؤلاء الذين يعارضونه؛ رغم أنه يتظاهر بالديمقراطية، ويعتقد أنه الوحيد الذي أعطى مصر الحرية!!

ولقد كان في الشهور الأخيرة من حكمه "مفلوت الأعصاب" يتحرك كثيرا، ولا يعمل شيئاً.. ويقوم بعملية اعتقال واسعة في 3 سبتمبر 1980 لكل الذين عارضوه أو قالوا: "لا" في وجهه أو من وراء ظهره.. ولم يفرق بين ناصريين وإخوان مسلمين وكتاب سياسيين وأقباط وشيوعيين وطلبة!!

وهو قبل ذلك إنسان قليل العلم والثقافة.. وهو رغم ذلك متشبث برأيه.. لا يهتم بالذين ينصحونه.. فقد ظن في نفسه أنه أُوتي العلم والحكمة جميعاً!!

لذلك فلم يكن مستغرباً أن يقوم بعض الشباب المتدين باغتياله، ثم لا يحدث بين صفوف الشعب إلا أن ساد شعور بالراحة، ولولا إجراءات الأمن المشددة لقامت الاحتفالات ابتهاجاً بذلك الحدث!