مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

ثقافة المهرجانات.. إلى أين؟

محمد الحمامصي / 07-02-2001

Image
  المتأمل لأنشطة وفعاليات الحركة الثقافية العربية سوف يلفت انتباهه أنها أصبحت متخمة بالمهرجانات، حتى يمكن القول بإنها حركة ثقافية مهرجانية، تكاد تكون مقصورة على إقامة المهرجانات الفنية "سينما - مسرح - تليفزيون - غناء - فنون شعبية - والمناسبات التي تقام لتخليد ذكرى شخصية ما فنية أو ثقافية أو حادثة ما أو انتصار ما… إلخ"، والتي تأخذ في معظمها سمة الثبات من حيث كونها مهرجانات دورية، هذا فضلاً عن الأنواع التي يتم استحداثها خصيصًا، ولا يكاد أحد يستطيع حصر عددها من كثرتها وكثرة الضجيج المصاحب لها، فالجرائد اليومية والمجلات الأسبوعية لا تخلو من إشارة أو تغطية صحفية يومية أو أسبوعية لهذا المهرجان أو ذاك، وهذا كل ما تخرج به الحركة الثقافية، فهذه المهرجانات أقرب ما تكون إلى الحصص الترفيهية لطلاب المرحلة الابتدائية، غير أنها باهظة التكاليف، فالمشكلة ليست في كثرة هذه المهرجانات فقط وعدم جدواها في الأغلب الأعم، ولكن في الأموال الطائلة التي تُنفق عليها، ويمكن أن تؤدي دورًا أكثر فائدة للثقافة وأنشطتها وفعالياتها..

الأسلوب المهرجاني

 
هذه المهرجانات يلتف حولها مسئولون وإعلاميون وفنانون وكتاب ومثقفون من صغار المواهب وموظفون في الهيئات الثقافية؛ حيث اعتادت الكثير من المؤسسات والهيئات الثقافية في الربع الأخير من القرن العشرين على أن تجعل من هذه المهرجانات دليلاً على حركتها ونشاط الشارع الثقافي وتفاعله معها؛ لذا فهي تنفق ببذخ غير مدروس، أو مخطط له إنفاقًا يستحوذ على جلّ الميزانيات المخصصة لها، فعلى سبيل المثال: قد يُقام مهرجان تتجاوز تكلفته مليوني جنيه، هذان المليونان يمثلان ميزانية أكثر من مؤسسة وهيئة، فالإقامة غالبًا ما تكون في الفنادق الكبرى ولأعداد كبيرة كالفرق المسرحية والوفود.. وبالطبع هناك وسط زخم المهرجانات غير المقنن ـ مهرجانات تلعب دورًا مهمًّا في تنشيط الحركتين الفنية والثقافية؛ لذا فإن المقصود هنا هو تلك المهرجانات التي تُقام على مدار العام "على الفارغ والمليان" كما يقول المثل المصري..

وقد انعكس هذا الأسلوب المهرجاني في إدارة الحركة الثقافية على التعامل مع المجالات الثقافية الأكثر حيوية وتأثيرًا على مجتمعاتنا، بل وأدى إلى تدهور الثقافة في الكثير من تكويناتها وعلى اختلاف مستوياتها؛ حيث امتد الأمر من متلقيها إلى منتجها، فارتفعت نسبة الأمية الثقافية ارتفاعًا خطيرًا، وبرز ذلك واضحًا وجليًّا على مستوى الأفراد وسلوكياتهم ونظم حياتهم، فنحن نرى الآن ونقرأ ونشاهد أعمالا يتم ارتكابها: سرقات أدبية وفنية، وسرقة الرسائل الجامعية، وسرقة البنوك، وقتل الأب والأم، وبيع الابن وقتله… وغير ذلك من الجرائم التي تجاوزت كون مرتكبها جاهلاً أو متعلمًا، وتكشف عن واقع يعاني بشدة من الأمية الثقافية، ولا تقف هذه الأمية عند فئات الأميين وأنصاف المتعلمين، بل إنها تمتد إلى فئات حملة الرسائل الجامعية والمثقفين والمبدعين، الأمر الذي يهدد بالفعل الحركة الثقافية بالتآكل والهشاشة في حاضرها ومستقبلها.. فالغياب المفروض على فعالية الثقافة كأداة للرقي وتقليص دورها الحقيقي ككيان ناهض داخل المجتمعات مع دخول أدوات عصر الفضائيات والإنترنت وثورة المعلومات ـ أدى إلى موت الكثير من الرواسخ والأصول والقيم الثقافية التي هي جزء من نسيج المجتمع والفرد.

تأثير مباشر على نشر الكتاب

إن المبالغ الطائلة التي يتم إنفاقها على هذه المهرجانات تقلص من ميزانيات دعم الكتاب والمبدع والقارئ، ففيما يتعلق بالكتاب، فإن الدليل على ذلك يكمن في رواج دور النشر الخاصة والمعروفة بتحصيلها تكلفة نشر أي كتاب تقوم بنشره، والارتفاع الباهظ لأثمان كتبها، فإذا علمنا أن غالبية الكتاب والمبدعين والأكاديميين يقومون بنشر كتبهم في هذه الدور كان ذلك تأكيداً على قصور دور النشر الرسمية، والتي تركن فيها أصول الأعمال لسنوات طويلة تتعرض خلالها للتمزق والضياع، والسبب في ذلك يرجع إلى أنه حتى دور النشر الرسمية لا تذهب بجلِّ ميزانياتها إلى دعم نشر وبيع الكتاب بل إلى المهرجانات..

أما فيما يتعلق بالمبدع فليس هناك أي نوع من أنواع الدعم، فالمبدع العربي ينفق على إبداعه كتابة ونشرًا وترويجًا، ويحرم من جرّاء ذلك نفسه وأهله من الحياة الكريمة، وربما يمرض ولا يجد تكاليف العلاج إلا إذا تغمدته الصحافة برحمتها ولفتت النظر إلى حالته فتتبرع وزارة الثقافة بعلاجه على نفقتها، أما إذا لم يلتفت إليه أحد فقد ذهبت حياته مع الريح..

وأما "القارئ / المتلقي" فهو لا يكاد يخطر على بال أحد حتى ليمكن استنتاج أن ثمة تجاهلاً متعمدًا له، بما في ذلك المهرجانات التي لا تعود عليه بأي نفع، وكما أن نصيبه من الدعم الثقافي لا يتجاوز بأي حال من الأحوال 5% من الميزانية الكلية لكثير من الوزارات الثقافية.

الأمية الثقافية

فضلاً عن ذلك لا تعطي الأنشطة الثقافية أي اهتمام أو رعاية ودعم لتوسيع قاعدة القراء سواء من خلال افتتاح المكتبات، أو دعم سعر الكتاب المطلوب للقراءة، أو دعوة جمهرة الناس إلى القراءة والكشف عن أهميتها في إثراء حياتهم، تاركةً إياهم نهبًا للجهل والأمية الثقافية والتخلف، وأيضًا لوسائل الإعلام المرئية التي لا تغني ولا تسمن من جوع، حتى بات تراجع عدد القراء يهدد الكثير من دور النشر والكتاب والمبدعين بالتوقف، ولنرى لكاتب كبير مثل "نجيب محفوظ" بكل ما يمثله للأدب العربي والرواية العربية وبحصوله على "نوبل"، لا يتجاوز حجم المطبوع من إحدى رواياته ثلاثة آلاف نسخة يمكن أن تباع خلال سنوات، ولنفترض أن عدد طبعات إحدى رواياته 10، إذن 30 ألف نسخة فيما يقرب من نصف قرن، في حين أن أقل روائي غربي تباع من روايته 300 ألف نسخة على أسوأ تقدير، وحجم الكتب غير المباع والمكدس في مطابع ومكتبات دور النشر الخاصة والرسمية لكبار الكتاب والمبدعين كثير جدًّا، إذن ليس لدينا قراء، ومع ذلك نتفاخر بثرائنا الثقافي والإبداعي فقط ببذخ المهرجانات والكلمات الرنانة التي نتشدق بها أعلى المنصات والموائد في الفنادق الكبرى.

وبالإضافة لكل ما طرحناه في السطور السابقة تظل هناك الكثير من السلبيات التي ترتبت عن تفشي ظاهرة المهرجانات وما تستنفده من أموال، نأمل أن يتاح لنا الكشف عنها في مقال آخر، كما نأمل أن يلتفت المسئولون في وزارات الثقافة العربية على حقيقة غياب دور الأنشطة الثقافية الفاعلة في المجتمعات العربية، وأن تكون هذه الإفاقة صحوة تضع الثقافة العربية في موضعها الطبيعي داخل مجتمعاتها.