العروة الوثقى.. مجلة أقوى من السلاح!!
تعد مجلة العروة الوثقى مثلاً جيداً للغاية على أن الأمم لا تموت حتى وهى في أحلك لحظات تاريخها.. كما أن هذه المجلة شاهد حي على أن المبادرة - غالباً إن لم يكن دائماً- تكون من نصيب العمل الأهلي التطوعي القائم على الجهد الذاتي المؤمن بما يفعله (وهو ما يشار إليه حالياً باسم المجتمع المدني) فقد كانت مجلة العروة الوثقى رداً واعياً وفوريًّا على احتلال إنجلترا لمصر.. لذلك فلم يكن غريباً أن تقلق تلك المجلة -الصغيرة قصيرة العمر- الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس وهى في أوج قوتها وازدهارها.
صدر العدد الأول من المجلة في يوم الخميس 15 جمادى الأولى سنة 1301 هـ الموافق 13 مارس سنة 1884م، وكانت ترويستها بهذا الشكل:
العروة الوثقى
لا انفصام لها
جريدة سياسية أدبية تصدر يوم الخميس
|
المحرر الأول |
مدير السياسة |
|
الشيخ محمد عبده |
جمال الدين الحسيني الأفغاني |
ترسل الجريدة إلى جميع الجهات الشرقية
قد عينت أجرة البريد خمسة فرنكات
في السنة لمن تسمح بها نفسه
من شاء أن يبعث إلينا بتحارير
أو رسائل في أي موضوع كان رغبة
نشره في الجريدة أو التنبيه على أمر
مهم فليرسلها إلى إدارة الجريدة
بهذا العنوان:
6 Rue Hartel, a Paris
وكان مقر المجلة "حجرة ضيقة على سطح منزل من المنازل القائمة على مقربة من ميدان المادلين بباريس، وترسل سراً إلى الأقطار الشرقية، خشية أن ترمقها العيون وكأنها إحدى المحرمات أو المهربات!".
أما عن طريقة تحرير المجلة فيروي الأمير "شكيب أرسلان" أنه سمع الشيخ محمد عبده يقول: "إن الأفكار في العروة الوثقى كلها للسيد ليس لي فيها فكرة واحدة، والعبارة كلها لي، ليس للسيد فيها كلمة واحدة". ويصف "عبد الرحمن الرافعي" أسلوب الكتابة في المجلة بأنه "آيات بينات في سمو المعاني، وقوة الروح، وبلاغة العبارة، وهي أشبه بالخطب النارية، تستثير الشجاعة في نفوس قارئيها، وتداني في روحها وقوة تأثيرها أسلوب الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في خطبه الحماسية المنشورة في نهج البلاغة".
أهداف المجلة
لخص الإمام محمد عبده أهم أهداف المجلة في خطاب أرسله إلى صديقه الشاعر الإنجليزي "ولفرد بلنت"؛ وهى: صون استقلال الشعوب الشرقية من عدوان الدول الغربية، وإقلاق بال الحكومة الإنجليزية؛ حتى ترجع عن أعمالها المثيرة لخواطر المسلمين.
كذلك كان من الأهداف التي عبرت عنها المجلة والتي يمكن استخلاصها من المادة التحريرية الواردة فيها: الدعوة إلى الاتحاد والتضامن، والأخذ بأسباب النهضة، وتحرير مصر والسودان من الاستعمار البريطاني..
وكانت أهم الموضوعات والأفكار التي وردت بالمجلة وتم التركيز والتأكيد عليها أفكار الوحدة والتضامن، وإيقاظ الوعي لمقاومة الاستعمار، والتنديد بمن يوالون الأجنبي، والدعوة للدفاع عن الأوطان، ومحاربة التواكل لدى الشرقيين، والتأكيد على قيم الأمانة والشرف والواجب، وإبراز أهمية الأمة في مواجهة استبداد الحاكم، والدعوة إلى الإصلاح بالرجوع إلى حقيقة الدين، والدعوة إلى وحدة الأمم الشرقية.
لم يصدر من المجلة سوى ثمانية عشر عدداً خلال سنة واحدة، ثم اضطر الحكيمان -الأفغاني ومحمد عبده- إلى حجبها عن الصدور، وذلك "بسبب ما اتخذته الحكومة البريطانية من تدابير شديدة لعرقلة أعمالها" كما يقول الدكتور عثمان أمين..
ويضيف العقاد إلى أسباب توقفها أنها صودرت في جميع البلاد الإسلامية "واتفقت على مصادرتها حكومات الدول الأجنبية وحكومات الملوك والأمراء الشرقيين، لأنها كانت تحارب الحكم الأجنبي بجميع مساوئه كما كانت تحارب استبداد الحاكم الوطني وفساد أعوانه ورجاله".
بالإضافة إلى أنها كانت تُتخذ دليلاً على الانتماء إلى جمعية العروة الوثقى ومن ثم الاضطهاد ومصادرة الأموال وغير ذلك.. فقد كانت الحكومة المصرية -مثلاً- تغرّم كل من توجد لديه نسخة من المجلة بغرامة تبدأ من خمسة جنيهات إلى خمسة وعشرين جنيهاً.
ورغم العمر القصير الذي عاشته المجلة، فإن آثارها في حياة الأمم الشرقية كانت عميقة وبعيدة المدى، فقد امتد تأثيرها -وتأثير الحكيمين- في أغلب المجددين والزعماء والمصلحين والحركات الفكرية والسياسية والاجتماعية التي عرفتها أمم الشرق بعد ذلك، وما زال المجلد الذي يضم أعداد المجلة يُقرأ ويدرّس كعلامة على يقظة فكر هذه الأمة، ودليل على قدرتها على النهوض رغم الكبوات، والثبات رغم الضربات.
هوامش ومصادر:
-
جمال الدين الأفغاني باعث نهضة الشرق، عبد الرحمن الرافعي، دار المعارف، الطبعة الثانية 1991.
-
محمد عبده، عباس محمود العقاد، الجمهورية العربية المتحدة- وزارة التربية والتعليم، 1963.
-
العروة الوثقى للأفغاني ومحمد عبده، د.عثمان أمين، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1994.
(*) ارتبط أعضاء الجمعية بعهد وثيق وضع صيغته الإمام محمد عبده وهذا نصه: "أقسم بالله العالم بالكلي والجزئي والجلي والخفي، القائم على كل نفس بما كسبت، الآخذ لكل جارحة بما اجترحت، لأحكمن بكتاب الله في أعمالي وأخلاقي بلا تأويل ولا تضليل.. ولأجيبن داعيه فيما دعا إليه، ولا أتقاعد عن تلبيته في أمر ولا نهي، ولأدعون لنصرته، ولأقومن بها ما دمت حياً، لا أفضل على الفوز بها مالاً ولا ولداً.
أقسم بالله مالك روحي ومالي، القابض على ناصيتي، المصرف لإحساسي ووجداني، الناصر لمن نصره، الخاذل لمن خذله، لأبذلن ما في وسعي لإحياء الأخوة الإسلامية، ولأنزلنها منزلة الأبوة والبنوة الصحيحتين، ولأعرّفنها كذلك لكل من ارتبط برابطة العروة الوثقى، وانتظم في عقد من عقودها، ولأراعينها في غيرهم من المسلمين، إلا أن يصدر عن أحد ما يضر بشوكة الإسلام، فإني أبذل جهدي في إبطال عمله المضر بالدين، وآخذ على نفسي في أثره مثل ما آخذ في المدافعة عن شخصي".




















