مؤسسة الفلاح.. تصحيح صورة الإسلام بالترجمة
وكانت الخلاصة التي انتهى إليها فريق من المترجمين تأسست على أيديهم مؤسسة الفلاح أن أحد المعايير التي يقاس بها مدى تحضر الأمم هو حضور لغتها على المستوى العالمي، وأن الترجمة هي البوابة المعرفية الوحيدة لولوج اللغة إلى العالمية لتفتح مجالا للحوار بين الثقافات والحضارات، وتعميق جسور التواصل بين الشرق والغرب. فكانت الترجمة هي الميدان، وكانت الرسالة هي ترجمة ونشر وتوزيع المؤلفات العربية لتصحيح صورة العرب والمسلمين، وتقديم ما يمثلهم بشكل صحيح من الواقع العربي المعيش دون إخلال أو تزييف.
حي على الفلاح
بادئ ذي بدء يعلق الدكتور سعيد فارس أحمد مدير قسم الترجمة بمؤسسة الفلاح للترجمة والنشر والتوزيع –"بأن العرب هم المسئولون عن هذه الصورة المشوهة وغير الصحيحة عن العرب والمسلمين؛ فقد لاحظنا تكرار الشكاوى من جانب القراء بالغرب بعدم توافر الترجمات التي توفر لهم معلومات صحيحة عن الإسلام وخاصة للمفكرين الإسلاميين المعاصرين. فالزائر للمكتبات بالغرب يلاحظ أن الدراسات التي تعرضت للإسلام في أوربا والولايات المتحدة كثيرة، إلا أنه نادرا ما يدرس الإسلام صحيحا؛ وذلك لعدة أسباب أهمها أن مؤلف الكتاب إما مستشرق أو باحث أكاديمي مهتم بالشأن الشرقي الإسلامي، وهؤلاء غالبا ما تكون دراستهم غير موضوعية، ولا تقدم الإسلام بشكل صحيح، أو بعض الصحفيين الذين لهم تجارب واحتكاك بالعالم العربي، وهؤلاء أيضا لا ينقلون الصورة بوضوح، أو يكون الكاتب عربيا ومسلما، لكنه يقدم كتابات لا تمثل الإسلام؛ فينقل صورة للقارئ الغربي عن الفكر الإسلامي بشكل مشوش.. هذا بشأن الكاتب".
أما على مستوى المادة المقدمة ونوعيتها فهي غالبا -كما يصف سعيد فارس-: "تقدم مواد من قبيل: الأوضاع السياسية في العالم العربي، أو الحديث عن الصوفية كمذهب يعتنقه المسلمون. ومن المثير للضحك أنني لاحظت كتابا كان لمؤلف عربي يتحدث فيه عن وضع المرأة في الإسلام وكان عنوانه forbidden (الممنوع)، ومعظم هذه الكتب تفتقد الدقة والموضوعية والروح الإسلامية الصحيحة؛ فالقارئ الغربي متعطش دائما لمعرفة الإسلام، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ولكن للأسف لا يجد ما يشبع هذه الحاجة، وخاصة في ظل عدم توافر المادة التي تعرض وتترجم نتاج الفكر الإسلامي المعاصر لقضايا الإسلام والعرب".
وقد تأسست "الفلاح" في عام 1996 بغرض العمل على تصحيح صورة الإسلام المشوهة في العالم. فالإسلام -مقارنة بجميع الأديان الأخرى- أكثر ديانة يساء إليها في العالم الغربي عن سوء فهم.
ويضيف الدكتور سعيد قائلا: "من هنا كانت رؤيتنا لمحاولة تمثيل المجتمع الإسلامي بشكل صحيح وإبراز الصوت والفكر الإسلامي المستنير؛ فكانت الفلاح رائدة في مجال ترجمة الكتب الإسلامية للعديد من المؤلفين والمفكرين أمثال الشيخ يوسف القرضاوي، مصطفى مشهور، حسين شحاتة، د. جمال بدوي، والعديد من الكُتّاب والمفكّرين".
وتقدم المؤسسة ترجماتها بخمس لغات (الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإندونيسية والأسبانية)، ويتم اختيار الكتب المرشحة للترجمة عن طريق الاستبيان واستطلاع الرأي في الخارج؛ حيث يوزع الاستبيان على المراكز الثقافية والهيئات التي تتعامل معها المؤسسة بالخارج لمعرفة احتياجاتهم وتوجهات القارئ الغربي كذلك بالاستبيان داخل المؤسسة وترشيحات المترجمين؛ وذلك بمتابعة آخر الإصدارات مع مراعاة عدم تكرار الفكرة التي قامت المؤسسة بترجمتها لإتاحة فرصة أكبر للتنوع في العروض، وإتاحة فرصة أكبر أمام المفكرين لعرض نتاجهم الفكري.
إلى من نتوجه؟
|
|
|
الصيام في الإسلام للدكتور جمال بدوي |
وتستهدف المؤسسة القارئ في النطاق الأوربي والأمريكي والإفريقي؛ حيث تعمل على إيصال الرسالة الإسلامية لتدعيمها داخل القارئ المسلم بالأساس لتكون مرجعا لديه في المجتمعات الغربية؛ حيث تقل المصادر التي تقوم بالتوجيه الديني لديه، وكذلك تعريفها لدى القارئ غير المسلم وهي بذلك تعمل في دوائر ثلاث:
أولا: "المسلم الراسخ العقيدة الذي يعرف أصول الدين"، وتقدم له مادة خاصة بالفقه والتفسير والحديث وغيرها من المواد المتخصصة.
ثانيا: "المسلم المتصل بالإسلام حديثا"، وتقدم له المؤسسة موادَّ تعريفية بالإسلام كالتي تتحدث عن تعليم الصلاة وماهية الصيام ومبادئ عامة في الإسلام، كذلك تهتم المؤسسة بالكتب التي تهتم بتربية النشء إسلاميا.
أما الدائرة الثالثة فموجهة إلى القارئ غير المسلم؛ وهو ما بدأت المؤسسة في الالتفات إليه خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر؛ حيث لوحظ أن هناك تزايدا من جانب القارئ الغربي غير المسلم على شراء الكتب التي تتحدث عن الإسلام.
وقد أصدرت المؤسسة حديثا سلسة "مشروع الإسلام والقرن الحالي"، وهي تحمل رسالة تناقش فيها بعض القضايا الخلافية التي أثيرت على الساحة الثقافية والاجتماعية والسياسية في الفترة الأخيرة، مثل "السماحة الدينية من منظور إسلامي"، و"الإيمان والحياة"، ووجه الارتباط بينهما حيث يصعب فصل الحياة عن إيمان الفرد بمعتقداته الدينية.
وفي هذا الشأن يقول الدكتور سعيد: "تتلقى المؤسسة ردود فعل إيجابية من جانب المراكز الثقافية بالخارج أو من القراء بشكل فردى، ومن هذا المردود تحاول دائما المؤسسة أن تقيّم نفسها، وتلبي احتياجات القارئ، لكن للأسف تواجه المؤسسة مشكلة؛ ألا وهي أن المؤسسة لا تستطيع توزيع منتجها الفكري إلا من خلال المراكز الإسلامية بالدول الغربية".
وعند سؤاله –الدكتور سعيد فارس مدير قسم الترجمة بالمؤسسة– عن أسباب اهتمام المؤسسة بترجمة الأعمال الإسلامية بالذات دون غيرها من الأعمال الفكرية؟
أجاب قائلا: "لقد لاحظنا أن هناك الكثير من المؤسسات تهتم بترجمة الأعمال الفكرية، مثل: الأدب أو الاقتصاد أو السياسة وغيرها من النتاجات الفكرية العربية، ولكن القليل منها هو الذي يقدم الأعمال الإسلامية وخاصة المعاصرة منها؛ فحتى المؤسسات التي تقوم بنشر وتوزيع الأعمال الإسلامية المترجمة إنما هي أعمال تقدم الإسلام من منظور قديم وليس معاصر؛ وهو ما تهتم به مؤسسة الفلاح، بالأخص لمناقشة قضايا العصر التي تهم القارئ الغربي غير المسلم على حد سواء مع القارئ المسلم الذي يعيش في الغرب".
إشكالية الترجمة الشرعية
|
|
|
كتاب أثر الإيمان فى حياة الأفراد للقرضاوي |
ويعمل في قسم الترجمة فريق من المترجمين والمستشارين في المجالات الشرعية؛ إذ إن الترجمة في هذا المجال لها خصوصيتها كما يشير سعيد فارس؛ فالترجمة إلى اللغات المختلفة بما تحمله من ثقافات ودلالات مختلفة ومتنوعة مهمة صعبة للتوصل إلى أدق معنى يستطيع القارئ الغربي أن يفهمه بالمعنى الذي أراده مؤلف الكتاب العربي، وهو ما يلقي بالمسئولية على المترجم.
ويضيف: "أستطيع القول بأن معظم المترجمين بالمؤسسة يمتلكون خلفية ثقافية شرعية وإسلامية كبيرة، هذا بالإضافة إلى اطلاعهم على الأعمال المنتجة في العالم الغربي، واطلاعهم على ذوق القارئ الغربي وثقافته؛ فاللغة العربية تتسم بالإسهاب والجمل البلاغية الكثيرة؛ وهو ما لا يناسب الذوق الغربي، وخاصة عندما يتعلق الموضوع بالترجمة الإسلامية؛ مما يجعلنا حريصين على إيصال المعنى الدقيق والصحيح للقارئ، كما نلجأ إلى هيئة استشارية تختص بالجانب الشرعي لمراجعة الجانب الشرعي المتعلق بالترجمات والمصطلحات المستخدمة أمثال الشيخ يوسف القرضاوي، والدكتور زغلول النجار، والدكتور محمد أبو ليلة أستاذ الدراسات الإسلامية بالأزهر وغيرهم الكثير، كما أننا نتلقى بعض التعليقات بالتعديل من جانب المراكز التي نتعامل معها بشأن المحتوى أو بعض المصطلحات المستخدمة، ونقوم بالتعديل المطلوب بعد الفحص والتأني".
وأيا ما كان تقييمنا لعطائها وإنتاجها فإن أهمية دار الفلاح تكمن في أنها مبادرة خاصة يحاول أصحابها تغيير الصورة السلبية عن الإسلام في العالم دون تضييع الوقت في إلقاء اللوم على الآخرين.





















