الإخوان المسلمون.. رؤية فرنسية جديدة
والكاتب هو محرر الشأن الديني في جريدة لوموند اليومية، ورغم تأكيده -من أول سطور الكتاب- على عدم يقينية ونسبية ما يقوله فإنه لا يتردد في إظهار أن بحثه مبني على بحث ميداني ومستند إلى حوارات ولقاءات مع القيادات الإخوانية في البلاد الإسلامية وفي الغرب، متوسعا في بحثه إلى الدوائر المحيطة بالإخوان ودارسيهم، وبعيدا عن "التبسيط والشيطنة" يقول ترنسيان: إن هدفه الوحيد هو "معرفة أقرب للعالم الإسلامي".
الهجوم من أجل التربح
ولا يتردد ترنسيان في الإشارة إلى أن كتابه "معاكس للرياح الجارية" في الغرب وهو يعيد نفس المعنى تقريبا الذي صدر به كتابه "فرنسا المساجد" الذي صدر سنة 2002 حينما قال منذ أول سطر: "أصدقائي القراء هذا الكتاب ليس مع الرياح التي تهب.. فكروا جيدا قبل قراءته فهو لا يقول أشياء سيئة ضد المسلمين".
ولكنه وأمام حساسية تناول تنظيم الإخوان المسلمين حرص على التأكيد أن بحثه سوف يبتعد عن معطيين أساسيين شبه قارّين في الأبحاث الغربية حول الحركات الإسلامية، وهما "التبسيط" من جهة و"التجريم" من جهة أخرى.
أبعد من ذلك يقول الباحث فانسون جيسير (المتخصص في الشئون الإسلامية) في تصريحات لشبكة "إسلام أون لاين.نت": "إن ترنسيان بهذا الكتاب وضع محل تساؤل العديد من الأفكار حول الحركات الإسلامية بصفة عامة والإخوان المسلمين بصفة خاصة".
لم يكن لـ"ترنسيان" أن يطرح زاوية رؤيته المستحدثة لو لم يستند إلى معطى مهم وهو نقده حتى لا نقول تهجمه على الكتابات الفرنسية "المجرِّمة" و"المبسطة" للظاهرة الإسلامية ويصفها صراحة بأنها "كتابات ربحية تسعى إلى بيع الورق" وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
سياسة تلفيق التهم
وتتضح رؤيته من خلال تناول الظاهرة الإخوانية المبنية على أربعة منطلقات:
الأولى وهو أنه يرفض التحليلات التي تغلق شخصا في اتجاه ديني معين بمجرد أنه تلقى في فترة من حياته تكوينا معينا، فبالنسبة إليه فإنه لا يمكن حصر التفكير في كونه "إخوانيا" مثلا لأنه تلقى في شبابه تكوينا إخوانيا، ويضرب الكاتب في هذا السياق مثلا من الواقع السياسي الفرنسي ويقول: إن شخصا معينا ينتمي إلى اليمين الفرنسي الحاكم اليوم (التجمع من أجل الحركة الشعبية) لا يمكن أن نصنفه بأنه "يميني متطرف" بمجرد أنه انتمى إلى فرقة من اليمين المتطرف أثناء فترة من شبابه. وبالتالي لا يمكن أن نعتبر المفكر السويسري طارق رمضان على سبيل المثال "إخوانيا" بمجرد أنه نشأ داخل أسرة إخوانية وأن جده هو حسن البنا مؤسس الإخوان المسلمين، ويطبق هذه الفكرة في الفصل السادس تحت عنوان "الإخوان وأوربا".
المنطلق الثاني بالنسبة لـ"ترنسيان" والذي يسميه الكاتب "بالرابط الحسابي"، هو أنه ليس بالضرورة أن يلتقي مسلمان في مكان معين أنهما ينتميان إلى نفس الفرقة أو المذهب أو الاتجاه السياسي، وهو أمر كثيرا ما يعتمده الباحثون الغربيون في دراستهم للظاهرة الإسلامية، فمجرد أن نعرف مثلا أن الرقم الثاني في القاعدة (أيمن الظواهري) قد التقى بأحد أعضاء الإخوان المسلمين في مصر قبل رحيله إلى أفغانستان يقوم هؤلاء بالربط بين القاعدة والإخوان المسلمين وهو ربط اعتباطي وتبسيطي بالنسبة للكاتب. وقد وضح هذا المنطلق في الفصل السابع من الكتاب.
المنطلق الثالث والذي يعد بحسب الكاتب خطأ شائعا بين كتابات المختصين في الإسلاميات، هو اعتبار حركة الإخوان المسلمين تكوينا هرميا أفقيا مشددا تنزل فيه الأوامر من التنظيم المحلي إلى القواعد مثلما تنزل من التنظيم الدولي إلى التنظيمات المحلية؛ وهو الأمر الذي يعطي صورة الأخطبوط لتنظيم الإخوان المسلمين، غير أن "ترنسيان" ومن خلال الشهادات التي أوردها تعطي الانطباع على أن الأمر غير ذلك وخاصة عندما يتحدث في الفصول الأولى عن التنظيم في مصر وعن امتداده في البلدان العربية والإسلامية.
المنطلق الرابع أو الخطأ الرابع الذي يقدمه الكاتب هو "فكرة المؤامرة" أي أن تنظيم الإخوان المسلمين يتوفر على مخطط للسيطرة على العالم، وفي هذا السياق يعلق "جيسير" بأن الكتاب يقطع مع عقلية أن هناك مؤامرة إخوانية من أجل أسلمة العالم في اتجاه بحث أكثر علمية للظاهرة وللتنظيم بالشكل الذي يسمح بفهم أكثر للظاهرة الإسلامية وللعالم الإسلامي بصفة خاصة".
ويقول ترنسيان: "إن غرضه الابتعاد عن التعبيرات الرائجة حول الإخوان باعتبارهم فرقة سرية هدفها الوحيد هو أسلمة العالم"، ويقر الكاتب بأن تجربة الإخوان تطورت بعامل الزمن والأحداث والسياقات التي عمل فيها التنظيم في البلدان المختلفة التي تواجد فيها.
علاقة الإخوان بالآخر
لا شك أن الفصول الأولى من الكتاب تحاول البحث عن المنطلقات الإخوانية في علاقتها بالآخر وبالديمقراطية وحقوق الإنسان بشيء من مراجعة للأفكار المسبقة دون السقوط في الأفكار الرائجة للبحث، مثل الفصل الأول (ولادة فكرة) الذي خصصه لسيرة حسن البنا، والفصل الثاني (التأسيس الثاني للإخوان) الخاص بالانتعاشة التي شهدها الإخوان في السبعينيات، والفصل الرابع (أطفال الإخوان الضالين) الخاص بسيرة سيد قطب ولتفكيره.
فعندما بدأ الكاتب رحلته في البحث عن سيرة حسن البنا طرح السؤال التالي: كيف أمكن لحسن البنا أن يبني حركة واسعة وشديدة التماسك ببناء أيديولوجي قليل يتكون من بضع ورقات؟ (في إشارة إلى أن حسن البنا لم تكن له مؤلفات أيديولوجية متراكمة باستثناء كتاب "مذكرات الدعوة والداعية" 309 صفحات، وبعض "المأثورات").
ومن خلال عرض حول حياة البنا وحياة قيادات الإخوان في الستينيات والسبعينيات مرورا بقيادات إخوانية أثارت الكثير من الجدل كسيد قطب ووصولا إلى المرشد الحالي للإخوان، حاول الكاتب البحث عن الإجابة عن سؤالي "الاتساع" و"الموقف الغربي من الإخوان بصورة متوازية" ولا يهمل في ذلك كبيرة ولا صغيرة حيث يورد على سبيل المثال تصريحات عبد المنعم أبو الفتوح التي أوردها في جريدة القاهرة يوم 16 مايو من سنة 2004، وكما يقول الكاتب: فجر القيادي الإخواني "قنبلة صغيرة حينما لم يتردد في إعلانه القبول بالديمقراطية دون ربطها بالشريعة وبقبوله بحكم الشعب وبقبوله بأن يكون رئيس الجمهورية من غير الديانة الإسلامية".
سر الامتداد العالمي للإخوان
يتضح بحث الكاتب عن سر "الاتساع" والامتداد العالمي للإخوان والموقف الغربي منهم خلال رحلة طويلة من أربعة فصول، مثل الفصل الثالث (العالمية الجديدة)، والفصل السادس (الإخوان وأوربا)، والفصل السابع (رمضان الأب والابن)، والفصل الثامن (النموذج الفرنسي)، والفصل العاشر (القرضاوي: الشيخ العالمي).
ويشير الكاتب إلى أنه ما كان للتنظيم العالمي أن يبسط نفوذه في الغرب لولا مجهود فقهي وتنظيري انطلق بندوة نظمها اتحاد المنظمات الإسلامية بفرنسا سنة 1992 حضرها أبرز وجوه الإفتاء في أوربا (الشيخ يوسف القرضاوي والشيخ فيصل مولوي والشيخ أحمد جاب الله...) والتي أعلنت نهائيا التخلي عن المصطلح الفقهي "دار الحرب" (مقابل دار الإسلام) في إشارة إلى الغرب، واستعمل بدلا من ذلك مصطلح "دار الدعوة" بالرغم من أن المفكر السويسري طارق رمضان اختار مصطلحا آخر خاصا به وهو "دار الشهادة".
هذه المراوحة بين طارق رمضان والدائرة الإخوانية الأوربية العامة ممثلة في شيوخ المجلس الأوربي للإفتاء وخاصة مع الشيخ يوسف القرضاوي نجدها تأخذ مكانها من حيث الدراسة الإحصائية لتواتر الأسماء على النحو التالي: إذا كان اسم حسن البنا قد تردد في الكتاب 49 مرة وهو أمر طبيعي في كتاب موضوعه الأساسي هو الإخوان المسلمون فإن المرتبة الثانية من حيث تردد الأسماء تقاسمها كل من الشيخ يوسف القرضاوي والمفكر السويسري طارق رمضان بـ 24 مرة لكل منهما.
غير أن التركيز المفرط على شخصية طارق رمضان من قبل الكاتب ربما كان نابعا من الاهتمام الفرنسي الكبير بهذه الشخصية وخاصة إزاء الحملة التي شنت عليه خلال الشهور الماضية.
في هذه النقطة الأخيرة بالذات وحول الوجود الإخواني في أوربا من الواضح أن الكاتب كان همه الرئيسي هو البحث عن الحاضر الإسلامي الإخواني في أوربا وليس البحث عن الأصول الإخوانية.
لذلك جاءت خاتمة الكتاب التي عنونها "في اتجاه الديمقراطية" تحاول ألا تنفي أن تطور التيار الإخواني في مصر قد يكون على الشاكلة التركية، ولكنه ركز فيها بصورة كبيرة على الإخوان الأوربيين ليحاول إيصال رسالة لأوربا قائلا: عندما نهاجم ونفقد طارق رمضان ويوسف القرضاوي من سيأخذ إذن مكانهما؟ من الأكيد السلفيون هم المستفيدون من فشل الحركة الإخوانية في إدارة حوار مع الغرب من أجل تبرير رفضهم للغرب.
ويضيف الكاتب أن علاقة الغرب مع التيار لن تكون علاقات "اندماج" و"شراكة" ولكنها علاقات مبنية على الصدام الذي يزداد قوة شيئا فشيئا.




















