حوار عن الدين والمشروع السياسى الغربي
وعن الدين والسياسة والعلمانية أجريت معه هذا الحوار في مكتبه بجنيف، قبل أن يتقلد مهام وزارة البيئة والتنمية الإدارية في الحكومة اللبنانية الجديدة.
* في البداية قلت: كتابك الأخير حول الدين والسياسة في الولايات المتحدة يرصد التحولات الراهنة في الذهنية الأمريكية في تعاطيها مع قضايا الدين والسياسة، وانعكاسات ذلك على العلاقة مع العرب والمسلمين.. فما الأسباب التي دفعتك للخوض في هذا الحقل الشائك؟.
- فأجاب هناك جملة من الدوافع تكمن خلف كتابي "مدينة على جبل". فمن ناحية أولى حاولت أن أتفهم الحيوية الدينية والعلمانية في الولايات المتحدة. وهو أمر مهم وضروري. وأتذكر أن المفكر الفرنسي الشهير إلكس دي توكفيل قال يوما إن فصل الدين عن الدولة في فرنسا أدى إلى تراجع دور الدين في حياة الأفراد، هذا في حين أن فصل الدين عن الدولة في الولايات المتحدة لم يؤد إلى النتيجة ذاتها، بل أدى إلى مزيد من الحيوية الدينية. ومن ناحية ثانية فإن الولايات المتحدة بلد تتغذى صورته عن نفسه من الاستعارات والصور الدينية مثل استعارة لغة الكتاب المقدس عند الحديث عن أمريكا، ووصفها بأنها أمة مختارة وأرض الميعاد، وأنها صاحبة رسالة... إلخ كل هذه الأمور مستقرة في الذاكرة الجمعية الأمريكية ويعاد إنتاجها ليس فقط على يد الجماعات المتدينة المسماة بالأصولية، ولكن يعاد إنتاجها أيضا بواسطة ما يطلق عليه علماء الاجتماع "الدين المدني". ويعبر عن الخلط بين ما هو قومي وما هو ديني، ويجسد ذلك على سبيل المثال القسم في الولايات المتحدة الذي يقول: "أمريكا غير منقسمة خاضعة لله". ومن ناحية ثالثة فإنني سعيت من خلال الكتاب إلى فهم حقيقية نفوذ ما يسمى باليمين المسيحي أو الإنجيليين المحافظين، ومن ضمنهم الفئة المسماة بالصهاينة المسيحيين، أسعى إلى فهمهم على نحو أفضل، وأقف على حقيقية نفوذهم في المجتمع الأمريكي خاصة بعد انتخاب الرئيس جورج بوش. وليس خافيا أن هناك انقساما في صفوف المسيحيين الأمريكيين أنفسهم بين كتلة محافظة وأخرى ليبرالية رافضة لسياسات ومواقف وتوجهات الكتلة الأولى. رصد هذا الانقسام ودراسته ضرورة ولا سيما في ضوء ميل البعض في المجتمعات العربية إلى الاختزال والتعميم وافتقار القدرة على التمييز الدقيق بين مواقف واتجاهات التيارات المسيحية المختلفة في الولايات المتحدة أو في الغرب عموما.
* ما دام الحديث عن التيار الديني المحافظ في الولايات المتحدة، فكيف ترى أسباب الاهتمام الإعلامي واسع النطاق باليمين الديني في العالم العربي؟.
- اليمين الإنجيلي المحافظ كان حتى أواخر الستينيات من القرن الماضي تيارا اعتراضيا منكفئا على ذاته في مجال الحياة العامة. كان تيارا لديه نفور من السياسية، قابعا داخل الكنائس، عازفا عن المشاركة في الحياة السياسية. ولكن منذ السبعينيات بدأ هذا التيار ينظم صفوفه، ويلعب دورا في الحياة العامة، وتحول من تيار انعزالي منكفئ على ذاته إلى تيار معارض يترجم اعتراضه في نشاط سياسي. ويرجح أنه يسيطر بفكره على قيادات الحزب الجمهوري، وأسهم في انتخاب وإعادة انتخاب الرئيس جورج بوش. في أعقاب أحداث 11 سبتمبر وما تلاها من الحرب في أفغانستان ثم العراق سعى بوش والمحيطون به إلى استخدام لغة دينية تربط بين السياسة والدين، وتنامي دور التيار الديني الأصولي وتوجهاته في السياسة الأمريكية. وفي الواقع فإن العلاقة بين مشروع بوش السياسي وتدينه أكثر تعقيدا مما يظن كثيرون، والذين يلعبون دورا رئيسيا في رسم السياسة الخارجية ليسوا بالضرورة متدينين ولكنهم أصحاب مشروع سياسي واقتصادي واجتماعي يسعون لتعميمه على العالم بوصفه نموذجا يحتذى، ويدافعون عنه بكل الوسائل حتى لو اقتضى الأمر فرضه بالقوة.
* وما هو حال العرب والمسلمين المقيمين في الدول الغربية بعد أحداث 11 سبتمبر... وهل الخطاب الذي يتردد من تنامي العداء ضدهم له ما يدعمه؟.
- يصعب التعميم في هذه القضية، ولكن هناك عددا من الأمور يتعين وضعها في الحسبان. أولها أن هجرة العرب والمسلمين إلى الولايات المتحدة حديثة. بدأت منذ منتصف الستينيات، وغالبية المهاجرين إليها من المتعلمين الذين يبحثون عن النجاح الاقتصادي. أما غالبية المسلمين الذين هاجروا إلى أوربا فقد كانوا من العمال تركوا مجتمعاتهم الأصلية هربا من الفقر، وبحثا عن فرصة عمل في وقت كانت المجتمعات الأوربية فيه تبحث عن العمالة الرخيصة. ثانيا: أن التنوع الإثني والعرقي في الولايات المتحدة يسمح للمهاجر بالمواءمة بين الخصوصية الثقافية والدينية الخاصة به وبين الحياة في المجتمع الأمريكي. ذلك على العكس من المجتمعات الأوربية التي تتسم بالتجانس، وتطلب من المهاجر إليها الاندماج الكامل. هذا فضلا عن كونها مجتمعات علمانية تقوم على الفصل بين الدين والدولة، وتقصر الدين على الحياة الشخصية. أما في الولايات المتحدة فإن الدين هو جزء من المجال العام. والدليل على ذلك أن "الحجاب" مثّل مشكلة في فرنسا في حين أنه لا يثير أي مشكلات في الولايات المتحدة.
وهناك شعور متنام لدى المسلمين بعد أحداث 11 سبتمبر بأنهم مهددون، ويتعرضون إلى مضايقات. بعض ما يتردد في هذا الشأن مبرر، ويمثل نصف الحقيقية ولكن هناك جانبا آخر من الصورة يتعين النظر إليه وهو أن المسلمين يواصلون العيش الرغد في المجتمع الأمريكي، وأن هناك عددا من المسيحيين يتضامنون معهم في وجه موجات العنصرية. ومن الواضح أن العديد من المضايقات تأتي من تدابير قانونية وأمنية وليس نتيجة تنامي مشاعر العداء وسط العامة ضد العرب والمسلمين. قد تكون هناك مشاعر عدائية ولكنها ليست جارفة على النحو الذي نتصوره.
* وكيف يفكر الغرب- مواطنين وساسة وباحثين- في العرب والمسلمين؟
- يصعب التعميم في هذه الحالة أيضا. ما جرى في السنوات الأخيرة أيقظ عند البعض ذاكرة تاريخية لها جذر ديني عند البعض، ولها جذر سياسي تاريخي عند البعض الآخر معاد للمسلمين وحذر منهم، ويميل إلى تحميل الإسلام من دون كثير من التمييز أو البحث مسئوليات عديدة مثل الحض على العنف، والتطرف الذي بات يهدد أمن واستقرار المجتمعات الأوربية.
هذا الموقف يقابله موقف آخر لا يعطي للمسألة الدينية أهمية كبيرة في النظر إلى العلاقات مع العرب والمسلمين، ويرى أن المشكلة بين الجانبين -في الأساس- أمنية وسياسية وعلاجها أمني وسياسي، وإن أكثرية المسلمين لا يسوغون الإرهاب من الناحية الدينية، بل هم متدينون ولا يمكن أخذ المسلمين جميعا بذنب فئة متطرفة منهم. وفي أحيان كثيرة نرى تراوحا بين الموقفين. وهناك فريق حائر يتجاذبه الفريقان، يميل إلى الأول تارة، ويميل إلى الثاني تارة أخرى.
وإنني أحسب كتابي الأخير مساهمة متواضعة في تعزيز معرفتنا -نحن العرب والمسلمين- بالغرب، ويمكن تسميته نوعا من "الاستغراب" مقابل "الاستشراق" الذي يمثل مشروع معرفة غربية للشرق، ولكن هذا المشروع -في حقيقة الأمر- يرتبط بمشاريع الهيمنة الغربية، أما الاستغراب فهو مشروع معرفة، ويجب أن يظل كذلك ويمكن أن يرتبط بمشروع تحرر من الهيمنة. ولكن لسوء الحظ فإن ما نلاحظه في بعض الكتابات العربية والإسلامية عن الغرب في السنوات الأخيرة ما أطلق عليه "المرآة المكسورة" للاستشراق، فإن كانت مثلا بعض الكتابات الاستشراقية تشهد ميلا لاختزال العرب والمسلمين رغم تنوعهم ثقافيا وسياسيا ودينيا فإن في بعض الكتابات التي تتناول الغرب ميلا مماثلا -وإن كان ببراعة أقل- لاختزال الغرب في شيء واحد، أحيانا يقدم على أنه علماني كافر، ووصف الغرب إجمالا بأنه علماني هو أمر غير دقيق ولا سيما أن هناك تنوعا في التجارب العلمانية الغربية على نحو يجعل من الصعوبة -علميا وعمليا- وضعها في سلة واحدة، وفي أحيان أخرى نرى في بعض الكتابات هجوما على الغرب العلماني ووصفه بأنه مسيحي صليبي، وهي تعميمات خاطئة.
* الذين يميلون إلى اختزال الغرب في تعميمات من قبيل أنه صليبي، وعلماني، وكافر يستندون إلى مشاهدات مبتورة من أحاديث صادرة عن أطراف غربية، وكتابات لا تعبر عن اتجاه عام.. فهل هناك مشاهدات في رأيك تدحض هذا الاتجاه الاختزالي والتعميمي؟.
- هناك في الغرب حيويات دينية، وذاكرات دينية مختلفة، وتباين في مواقف القوى الدينية المتنوعة. فمثلا انقسم المسيحيون البروتستانت في الولايات المتحدة في موقفهم تجاه الحرب ضد العراق. هناك الصهاينة المسيحيون الذين أيدوا الحرب، ولكن هناك قوى مسيحية وكنائس أخرى عارضتها بشدة. ونفس الأمر بخصوص الموقف من النهج الإسرائيلي العدواني. فقد اتخذت الكنيسة المشيخانية في الولايات المتحدة -وهي كبرى الكنائس الأمريكية- موقفا متشددًا تجاه السياسات التي تتبعها إسرائيل في المنطقة إلى الدعوة إلى سحب أرصدتها واستثماراتها من الشركات التي تسهم في بناء المشروع الاستعماري الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية؛ وهو الأمر الذي لم تفعله أي شركة عربية أو إسلامية. هذا يعني أنه من الضروري النظر إلى الظواهر السياسية والمواقف بعينين حتى لا نقع في خطر التعميم المفرط عند النظر إلى الغرب، وهو أمر لن يفيد العرب والمسلمين أنفسهم الذين في حاجة إلى أصدقاء في الغرب.





















