المؤتمرات منابر كلامية وقبض الريح
أقول هذا تعليقًا على مؤتمر الفلسفة الإسلامية الدولي الذي عُقد في كلية دار العلوم- جامعة القاهرة في إبريل 2001، وقد خرج بتوصيات بلغ عددها 11 توصية.. تسعة منها تبدأ (يؤكد المؤتمر) وواحدة (يدعو المؤتمر) وأخرى بـ (يوصي المؤتمر)، وجميع التوصيات من حيث المضمون تندرج تحت الإقرارات العامة التي تُقدَّم من قبيل المسلمات والبدهيات.. ولم تخرج واحدة منها أن تكون توصية عملية حقيقية.
وهذا المؤتمر نتعامل معه ونطرحه هنا كنموذج لِما آلت إليه أحوال المؤتمرات العالمية المختلفة في عالمنا.. من تكرار للجهود، وإطلاق للكلام على عواهنه.. وما يعنينا حقًا هو مناقشة القضية نفسها وليس النموذج الذي ندلل به هنا على أزمتنا.
الغيبوبة
فهذا المؤتمر - كمثال لهذه الظاهرة الكلامية - قد دار في فَلَك (الإسلام والمشروعات المتخصصة الحديثة) فعرض وجهة نظر فريق واحد، وأغفل المشروعات النهضوية المغايرة، مثل المشروع العلماني الحديث عند زكي نجيب محمود، وحسن حفني.. وغيرهما.
وقدّم بحثًا حول "اضمحلال المشروع العلماني للنهضة" فوصفه بداية بالاضمحلال، وهذه مصادرة على المطلوب ووصول للنتيجة قبل سوق المقدمات، فلم ير جانبا مضيًئا نافعًا يُستفاد منه ويتواصل معه من قبيل المشترط العام، كما أنه جعل العلمانيين جميعًا في بوتقة واحدة على ما بينهم من اختلافات في الرؤى والوجهة.
للأسف لم يُعرض بحث علمي واحد للمشروع النهضوي القبطي، وهم شركاء في الفكر والثقافة والوطن، فالانفتاح على الآخر من أهم خصائص الحضارة الإسلامية.
حدث تكرار لعرض الموضوعات ودراسة الشخصيات، مثل: دراسة الإمام "محمد عبده" ثلاث مرات، و"بديع الزمان النورسي" مرتين، و"مالك بن نبي" مرتين. وكان الأولى توجيه الجهد لدراسة شخصيات أخرى، وإيجاد آلية لتنسيق الأبحاث لتفادي الاستهلاك العلمي ودفع الملل والرتابة.
كما فُجِّرت في المؤتمر قضية تآمر الغرب على الشرق، واستغلال الأسرى العلماء المسلمين وإرغامهم على نقل معارف الشرق وترجمتها للغات الأوروبية؛ حيث بنوا عليها حضارتهم، وامتداد هذا التآمر حتى عصرنا الحديث، وقتل علمائنا النابهين في مجال الذرة وغيره..
وقضية بهذا الثقل العلمي كان يجب أن توثق بالأدلة وتدعم بالبراهين والوثائق لتفضح مثل هذه المؤامرة في حق البشرية.
وقد قُتل محمد عبده بحثًا، وكذلك الأفغاني وغيرهما ممن دُرسوا من جميع الجوانب، وقد أدوا دورهم في مرحلتهم التاريخية المرهونة بالظروف التي مروا بها.. وإزاء ركب الحضارة المتنامي لِمَ لا نبحث عن مفكرين محدثين يعيشون واقع الأمة المعاصر؟ وننقب عندهم عن جزئيات مشروع حضاري حديث يخاطب العالم بلغة عصره وبأبجدياته التي يفهمها؟
رغم ثورة التقدم العلمي المتلاحقة وتطوراتها وصولاً إلى الاستنساخ لم نجد بحثًا علميًا يبحث في تداعيات النهضة العلمية وآثارها على الأمة الإسلامية وموقفنا الحضاري منها.
بعد الكلام
عُرض بحث متميز حول "البرديات العربية ودورها الحضاري في تأصيل النهضة الحديثة"، وبين أماكن وجودها في أوروبا، وظروف انتقالها المأساوية إليهم وشرح كيفية الاستفادة منها كوثائق تاريخية، والجديد أنه نادى بمشروع حضاري لإنشاء أرشيف علمي وثائقي للبرديات يوفر على الباحثين مشقة السفر إلى أوروبا، ويصلهم بذاكرة أمتهم المفقودة.
وفي ظل التقدم المادي غير المسبوق في تاريخ البشرية والوافد إلينا من الغرب، يُثار التساؤل: هل لدينا حقيقة ما نقدمه للغرب لنتواصل معه في عطاء البشرية تأثيرًا وتأثرًا؟!
لم نجد دراسات تجلي لنا هذا الجانب، وتقنع به الغربيين، رغم أن إفادة (الآخر) ونفعه هدفان أصيلان في الحضارة الإسلامية، وهما مجال تَفَرُّد لها، ولربما كان السبب هو ضعف التمويل الذي تتطلبه مثل هذه الدعوات.
وقد عُرض بحث متميز عنوانه: "المفكرون الإسلاميون في الغرب ومنهجهم في النهضة"، تناول المفكرين الذين عاشوا في محاضن الغرب أمثال: علي عزت بيجوفيتش، ومحمد أسد، ود. مراد هوفمان، وجارودي.. ورصدهم جميعًا كظاهرة حضارية واحدة، وكان الأولى رصد المشترك العام بينهم، ثم إفراد كل شخص بالخاص المميز له؛ حيث كان منهم من هو مسلم النشأة والمولد، ومنهم من انتقل إلى الإسلام، ولهذا العامل تأثيره في فكرهم.
وما رأي المؤتمرين في كل مكان.. أن تقتصر كل المؤتمرات العلمية على الخروج بتوصية واحدة، ولكن لنسمها "هدية إلى العلم" تتمثل في إنجاز إحدى التوصيات الكلامية وتحويلها إلى واقع نحياه؛ سواء في مكتشف أو مخترع جديد في مجال العلوم التطبيقية أو تطوير لفكرة ما داخل العلوم الإنسانية والنظرية.





















