مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

الصحفيون بين الكبت والفيروسات

أمير نبيل / 13-05-2001

Image
على الرغم من المؤتمرات العديدة التي تعقد من وقت لآخر والتي يصرخ فيها الصحفيون من أجل توفير الحرية لهم وإتاحة الفرصة لنشر الحقائق للمواطنين، فلم يحدث أي تطور. ومع دخول عصر ثورة المعلومات التي حققتها شبكة الإنترنت والقنوات المفتوحة فقد تصور البعض أنها ستتيح فرصة الحرية لنشر الحقائق؛ مما أدى لظهور السؤال الآتي: هل حتى ونحن في هذا العصر يعاني الصحفيون من الكبت؟

كانت هذه إحدى القضايا المهمة التي تم إثارتها في مؤتمر عُقد مؤخرًا في مدينة "ويندهوك" عاصمة ناميبيا وهو "مؤتمر ويندهوك للصحفيين الأفارقة" الذي نظمته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو) بمناسبة مرور عشر سنوات على إصدار إعلام ويندهوك لحرية الصحافة والاحتفال العالمي لحرية الصحافة.

أقيمت فعاليات هذا العام تحت شعار: "محاربة العنصرية وعدم التسامح"، وركّز المؤتمر على قضايا حرية الصحافة والتعبير والعراقيل التي تواجهها وحرية الإعلان عبر الإنترنت.

وحاول البعض الإجابة عن السؤال الذي تم طرحه من خلال إحدى الجلسات وهو: هل- حتى ونحن في عصر الإنترنت- يعاني الصحفيون من الكبت؟ يبدو أن الإجابة المؤسفة هي بالإيجاب، وللتدليل على ذلك كان هناك مثالان، أحدهما في أوكرانيا عندما قُتل الصحفي المعارض "جيورجي جونجادزا" في العام الماضي بعد نشره مقالات على الإنترنت ينتقد فيها الرئيس الأوكراني "ليونيد كوتشما" المتهم بضلوعه في قتل الصحفي.

والمثال الآخر في الهند؛ إذ قام صحفي هندي بالتنكر في شخصية رجل أعمال، وقام بعقد بعض الصفقات مع أجهزة حكومية ولكن باستخدام الرشاوى، وأخذ في تصوير كل ما يجري، ثم بثه بعد ذلك على شبكة الإنترنت؛ مما أدى إلى انهيار الحكومة لتفشي الفساد بها، وقتل هذا الصحفي.

فيروسات ضد الحرية

وإذا كانت مشكلة حرية الصحافة دائمًا تتعلق بالقوانين والسلطات القائمة في الدول؛ فهل يمكن أن تصبح فيروسات الإنترنت من الوسائل التي تحد من هذه الحرية؛ نظرًا لأن تلك الفيروسات تقوم بتدمير المواقع التي تبث المواد المطلوب بثها إعلاميًا عبر الشبكة، ومن ثم التأثير على انتشارها والحد من الحرية الإعلامية المتاحة؟

وقد قال "آلان مودو" مساعد مدير عام منظمة اليونسكو: إنه يأمل في التوصل إلى اتفاق دولي يضمن وضع تشريعات لمعاقبة من يطلقون هذه الفيروسات، إلا أنه أضاف أن التوصل إلى مثل هذه التشريعات سيحتاج وقتًا طويلاً نظرًا لما يتطلبه من إجراء تغيير في التشريعات المحلية للدول.

كما تناول بعض الباحثين العقبات والمشاكل التي يواجهها القطاع الإعلامي في القارة الإفريقية عند استخدام الإنترنت؛ نظرًا لارتفاع تكاليف الاشتراك في هذه الخدمة، الأمر الذي يدفع الكثير من الصحفيين الأفارقة للجوء إلى مقاهي الإنترنت لعجزهم عن شراء أجهزة الكمبيوتر ودفع اشتراكات خدمة الإنترنت، كما شملت العقبات الأخرى التي يواجهها الإعلام الإفريقي عدم توافر برامج التدريب الكافية للصحفيين على استخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة في القطاع الإعلامي، على الرغم من المؤتمرات العديدة التي تعقد لبحث موضوع استخدام تكنولوجيا المعلومات في إفريقيا.

مخاطر محاولة التغير

وقد ذهب أكثر من مسئول خلال هذا المؤتمر إلى أن السنوات العشر الماضية شهدت تقدما ملحوظًا فيما بتعلق بحرية الصحافة وتحررها من القيود التي كانت تُكبِّل حركتها في الماضي، وأنَّ هذه الحرية هي التي جعلت للصحافة دورًا مهمًا في إحداث التغيير في دولة مثل إندونيسيا -مثلا- خلال السنوات الأخيرة.

وعلى الرغم من هذه اللهجة المتفائلة؛ فقد جاء هذا المؤتمر في الوقت الذي يتزايد فيه القلق من المخاطر التي يتعرض لها الصحفيون والإعلاميون في مختلف أنحاء العالم، خصوصًا في المناطق الملتهبة بالصراعات.

وقد شهدت القارة الإفريقية - خلال العام الماضي - مصرع خمسة صحفيين في مواقع الأحداث الساخنة في سيراليون والصومال وموزمبيق، وحتى نهاية العام الماضي كان هناك سبعة صحفيين في سجون أثيوبيا، بينما تم اعتقال سبعة آخرين من جنسيات مختلفة في الكونغو الديمقراطية وإفريقيا الوسطى والنيجر وجزر القمر.

وفي أنجولا تم تقديم الصحفي "أندرية دومينجوس" للمحاكمة في شهر مايو الماضي لاتهامه بنشر مقالات وصفت بأنها تنطوي على أسرار هامة تتعلق بالأوضاع العسكرية في البلاد.

وخلال عام 1999 لقي 87 صحفيا مصرعهم أثناء أدائهم لمهامهم، وهي نسبة أقل بالمقارنة بعام 1994 والذي شهد مصرع عدد أكبر من رجال الأعلام بسبب الإبادة الجماعية في رواندا والبوسنة.

كما شملت قائمة الصحفيين الذين لقوا مصرعهم عام 1999 أكثر من 25 صحفيًا في يوغوسلافيا السابقة، بينهم 16 قتلوا نتيجة قصف الناتو لمحطة تلفزيون صربيًا في بلجراد، و9 صحفيين قتلوا في روسيا والشيشان، و10 قتلوا في سيراليون، و6 في كولومبيا، و2 في تيمور الشرقية.

وتشير أحدث الإحصائيات إلى أن أكثر من 100 دولة في العالم لا يزال المسئولون فيها يحتمون بما يسمي بـ" قوانين العيب" التي تجعل من النقد جريمة يعاقب عليها القانون، كما يدرس المشرعون في بلاد مثل إريتريا وضع قانون يعاقب بالسجن أو الغرامة كل من يهين أو يشوه أو يسيء إلى الحكومة أو أي عضو بالهيئات التشريعية أو التنفيذية أو القضائية بالدولة.

ورغم أن محكمة حقوق الإنسان الأوروبية واللجنة الأمريكية لحقوق الإنسان اعتبرت هذه القوانين شيئًا من الماضي، فإن نحو عشرين دولة إفريقية ما زالت تتمسك بها.

أما قائمة التهديدات التي تعرض لها الصحفيون خلال العام الماضي فقد شملت 46، فضلاً عن حالتي طرد.

حرية الإرهاب

وطبقًا للتقرير، فقد ظلت كولومبيا هي أكثر دول العالم التي يتعرض فيها الصحفيون للقتل، تليها روسيا ثم سيراليون، وأشار التقرير إلى أن تراجع عدد القتلى والمسجونين بين الصحفيين يعود في الأساس إلى التكاليف السياسية المتزايدة التي تتحملها الحكومة نتيجة للانتقادات الدولية المحلية التي تتعرض لها عندما يتم اعتقال أو مهاجمة الصحفيين.

ولكن، وعلى الرغم من ذلك؛ فقد كانت هناك بعض الظواهر الإيجابية فيما يتعلق بالصحافة الإفريقية، من بينها أن كينيا مثلا ألغت قوانين العيب عام 1997، وأسقطت جنوب إفريقيا – في الثمانينيات من القرن العشرين- القوانين التي كان يستخدمها رئيس الدولة لحماية نفسه. كما استجابت السلطات في كينيا مثلاً لأصوات الصحفيين المنادية بخفض التعديلات القاسية المقترحة في قانون الكتب والصحف. وفي كوت ديفوار نجحت جهود الصحفيين المحليين الذين قادوا التمرد الشعبي ضد الجنرال "روبير جي" في الإطاحة به في أكتوبر المنصرم.

وفيما يتعلق بحرية إصدار الصحف، فيذكر أن هناك 60 صحيفة يومية وأسبوعية تصدر في نيجيريا، فضلا عن 17 قناة تلفزيونية خاصة و15 قناة مرتبطة بالأقمار الصناعية، وهو اتجاه إيجابي على طريق التعددية الإعلامية في هذه الدولة الإفريقية الكبيرة.

وفي محاولة من جانب المؤسسات الإعلامية لتجنب هذه المضايقات لجأت إلى إقامة الاحتكارات الكبرى، عن طريق الاندماج، مثل قيام مجموعة "نيشن" الكينية بشراء صحيفة "ذي منيتور" المستقلة، وقيام محطة "أمارك" الإذاعية إلى زيادة عدد هذه المحطات في القارة الإفريقية من عشر محطات فقط عام 1985 إلى 300 محطة عام 2000، ومن المتوقع أن يزيد هذا العدد في السنوات القادمة مع تبني الكثير من الدول الإفريقية سياسة الخصخصة والأسواق المفتوحة.

وعلى الرغم من كل الإحصائيات والتقارير، فما زال الصحفيون يطرقون الأبواب وهم يحملون في صدورهم وردة الحرية البرية؛ وسواء تمكنوا من وضع مقالاتهم على أوراق يمسكها المواطن، أو بثوا موادهم الإعلامية على شبكة الإنترنت تحملها الأقمار الصناعية إلى أجواء الفضاء الرحيب هروبًا من القيود المحلية، فإنهم دائمًا يحاولون نشر الحقيقة التي تنير الطريق أمام الشعوب؛ حتى ولو حاول الحكام قتل زهرة الحرية بهم أو تكميم أفواههم أو قصف أقلامهم ورقابهم.


  صحفي مصري