'الأكوباس': انضم لنا واحتل بيتًا
في الثمانينيات انحسرت هذه الظاهرة، لكن بداية في العودة بقوة كان عام 1992 هذه المرة لم تظهر في ألمانيا فقط، بل ولم تعد ألمانيا هي المركز وإنما أسبانيا، وبالتحديد أكبر مدينتين فيها: مدريد وبرشلونة، وقد طرأت تغيرات كثيرة على الظاهرة عند عودتها، أهمها اختفاء البعد السياسي للحركة وصعود التمرد كقيمة عليا.
الأكوباس أو المحتلون ليسوا جميعا ممن يجدون صعوبة في العثور على مسكن ولهذا يلجئون لهذا الحل، فبعضهم ترك عائلته ليعيش كما يريد والبعض الآخر جاء من مدن الشمال الأوروبي الباردة؛ بحثا عن حياة فوضوية، بعيدًا عن قيود الحياة الحديثة وآليات السوق التي لا ترحم، قابلين أن يعيشوا على الهامش.
في وسط برشلونة تراهم مع الكلب، الصديق الوحيد، جالسين بجوار أبواب المطاعم في شارع "لارامبلا"، الشارع السياحي الرئيسي في المدينة.. ملابسهم ممزقة مبقعة وشعورهم إما طويلة للغاية أو غير موجودة أصلا، الفتيان والفتيات سواء تنتابهم نوبات فوقان عندما يمر أحد بجانبهم ليطلبوا منه عملة.. بعضهم لا يطلب المال مباشرة؛ يحملون الجيتار أو آلة نفخ معدنية يعزفون عليها في حركة دائما من مكان لآخر.
إنهم يختلفون تماما عن فناني الشوارع الذين يترددون بشكل دائم على أماكن معينة، ويصنعون خصوصيتهم من خلال عروض فنية تبهر المارة؛ لا يهم إن حصلوا على المال أم لا، فسواء حصلوا عليه أم لم يحصلوا يطلبون سيجارة إن رأوا مدخنا بيده سيجارة أو ظهر انتفاخ العلبة في جيب قميصه.
قبل أن ينتهي عمل المترو، في القطار الأخير المتجه إلى حي "جيناردو"، الذي يبعد ست محطات عن وسط المدينة صعد ثلاثة شبان وفتاة، أحدهم يعزف الناي ويتقدم من بداية العربة إلى نهايتها، خلفه آخر يمد يده بقبعة إلى الركاب، مبتسما ببلاهة أو بغباء، شفتاه منفرجتان واللعاب يغطيهما، وخلفه آخر أصابع يده تنتقل بين رأس الكلب وفمه، الذي لا يتوقف عن القفز لأعلى متبعا حركة يد صاحبه. والفتاة المبتسمة أيضا ببلاهة تسير خلفهم.. وصلوا إلى نهاية العربة وافترشوا الأرض عدا العازف الذي ظل واقفا بجانبهم.
في المحطة التالية، بينما القطار يغلق أبوابه انزلق الكلب إلى رصيف المحطة، فقفز صاحبه، ووضع كتفيه بين دفتي الباب بينما ركبته تدفعهما من أسفل، ونهض الآخر مناديا على الكلب الذي تحرك بسرعة عائدا.. تحرك القطار وأخذوا يلاطفون الكلب بينما الركاب يبدون إعجابهم بالوفاء النادر وقد رقت قلوبهم وامتدت أيديهم تخرج بعض العملات المعدنية.
نزلوا معي. الحي الهادئ مكان مثالي للأكوباس.. كثير من العائلات تركوا بيوتهم الصغيرة ذات الطابق الواحد أو الطابقين، واحتلها الأكوباس. قبل أن أعرفهم كنت أتعجب من الكتابات والرسوم التي تملأ جدران بعض البيوت.
انضم لنا واحتل بيتًا
"العالم لا يستحق أن نعيش فيه"، "هل تعرف كم فردًا يموتون من الجوع سنويا، وكم طنا من القمح تلقيها أمريكا في البحر؟؟"، وبالعربية أيضا توجد بعض الكتابات، ولكنها قليلة: "الله أكبر"، "أمريكا تسرق العالم علنًا". وعبارات مختلفة، تتناول الأفكار نفسها.
سألت عنهم وقابلتهم، معظمهم يعزفون الموسيقى أو يقومون بالتمثيل، وعلى أبواب البيوت التي يقيمون فيها إعلانات بالعروض الفنية التي يقيمونها. الفنانون منهم يؤكدون أنهم لا يفعلون شيئا سيئا، إنهم يحاولون الاعتماد على أنفسهم، وأن هذه البيوت لا صاحب لها. هذا ما أستطيع استخلاصه من كلامهم المشوش بتأثير المخدرات. وهم دائما لا وقت لديهم للكلام مع غريب. الحفلات التي يقيمونها يوميا أو البروفات التي تجري أثناء النهار لا تسمح لهم بالحديث مع أحد إلا بالقدر الكافي لأخذ سيجارة. لكن بعضهم لهم أعمال ثابتة، ملتزمون بمواعيد العمل وقواعده.
عندما تحدثت مع "أنطونيو مانويل"، شاب في الثامنة والعشرين من عمره، ويعمل في محطة بنزين قال:
- كل المحاولات التي تمت لإصدار قانون يجرم احتلال البيوت التي لا صاحب لها لم تفلح، في الدستور الإسباني مادة تؤكد على الحق في السكن الآمن المحترم.
- لكن ألا يوجد احتمال لعودة سكان البيت الأصليين؟
- نحن لا نقوم باحتلال البيت إلا بعد مرور فترة طويلة، مدة شهرين أو ثلاثة نتأكد بعدها أن أصحابه تركوه إلى الأبد. وعندما ندخل قد نكسر الباب، لكننا ننصح بتركيب أقفال جديدة، وهكذا يصبح البيت بيتنا.
- لكن الجيران كثيرا ما يشتكون ويعلونها صراحة أنهم لا يرغبون في وجودكم، وأحيانا يستدعون الشرطة؛ بسبب الضوضاء التي تسببونها وبسبب تناول المخدرات..
- ماذا يريدون منا؟ نحن لا نختلط بهم ولا نحب هذا، وحتى في حالة حضور الشرطة فنحن لا نفتح لهم الباب ونكلمهم من النافذة أو من خلال مكبر الصوت، والقانون يحمينا ما دمنا لم نفعل شيئا يخالفه.
- لكن بيوت الأكوباس رغم أنها مهجورة توجد بها جميع المرافق: كهرباء وغاز وتليفون. كيف تحصلون عليها رغم عدم وجود مستندات تثبت ملكيتكم للبيت؟
- تركيب المرافق لا يتطلب إثبات الملكية إلا في بعض المدن، في بعضها الآخر يكفي أن تدفع الرسوم فقط. وحتى في حالة المدن أو الأحياء التي تطلب هذا يمكن دفع الرسوم في مكان آخر لا يطلبها بحجة أن هذا هو مكان العمل، ولا وقت لديك لتذهب إلى الإدارة المختصة في محل سكنك.
- ألا يحتمل أن تقبض الشرطة على الأكوباس أثناء دخولهم البيت؟.
- في الأسابيع الأولى من الأفضل أن يوجد الأكوباس باستمرار داخل البيت حتى يعتاد عليه الجيران، وفي الوقت نفسه عليه ألا يضايقهم أو يستفزهم. وفي حالة إلقاء القبض عليه من حقه أن يطلب وجود محاميه معه، ويوجد بيننا بعض المحامين المتخصصين في هذه القضايا. ومن جانب آخر، لكي يثبت أنه مقيم في البيت منذ وقت طويل عليه أن يرسل لنفسه خطابات على عنوان البيت الذي يحتله، وأن يجعل أصدقاءه في مدن أخرى يفعلون الشيء نفسه. أهم شيء ألا يعترف بالاحتلال وألا يدلي بأي أقوال تُستخدم ضده.
عرفت أنه عربي من ملامحه، إنه حامد، من أم مغربية وأب جزائري، البرود الذي يتعامل به (الأكوباس) فيما بينهم جعلني لم أدرك أنه جديد بينهم إلا عندما قال لي بأنه لم ينضم لهم إلا منذ شهرين. عندما عاد أبوه إلى الجزائر ليتزوج من فتاة صغيرة، تاركا أمه لتنفق على العائلة. قال لي: إنه لم يحب أباه يوما، وإنما كان يخاف منه.. كان مجبرا دائما على مصاحبته للأماكن التي يتردد عليها والعمل معه في المحل الذي تمتلكه العائلة.
- تركت المدرسة بعد سفر أبي للجزائر، حاولت أمي كثيرًا لكي أعود للبيت، لكنني لا أريد، أريد أن ابني حياتي بمفردي.
- وما المستقبل أو الحياة مع الأكوباس؟
- إنهم هنا يفهمونني، أفعل ما أريد، لا أحد يعترض على تصرفاتي...
- ووالدتك؟!
- إنها حرة تفعل ما تشاء.
- ومن أين تعيش؟
- أنا أعمل في محل لتوصيل البيتزا للمنازل.
- ولا ترى أسرتك أبدًا؟
- أحيانا أذهب للبيت، أرى أمي وأختي الصغيرة، آخذ ملابس نظيفة وأكل. وأحيانا عندما لا أجدهم، وأنا أفضل هذا، أتناول الطعام وأخرج.
- أي أنك مدلل.. تعيش مع الأكوباس كما تريد، وفي الوقت نفسه تعود للبيت وقتما تشاء.
- أمي هي التي تطلب مني أن أذهب للبيت.
الغريب أنهم جميعا تقريبا لديهم مواهب فنية، وكثيرا ما تجذب حفلاتهم الشباب، وبعضهم شديد المعرفة بالتكنولوجيا الحديثة، وقاموا بإنشاء موقع لهم على الإنترنت يشرحون فيه حركتهم وحقوقهم وكيفية التعامل مع رجال الشرطة. ومن جانب آخر لا تخلو الصحف من أخبارهم؛ حيث كثيرا ما يتم القبض عليهم في مشاجرات أو لترويج المخدرات.
الأكوباس بشكل عام ليس لديهم وقت للكلام مع الآخرين، فهم في عجلة دائما، رغم الابتسامة يحاولون التهرب من الكلام، يظهرون عدم اهتمام بأي شيء سوى باللحظة القادمة: الحفلة في أحد البيوت، الرحلة لمكان جديد.. ولا يمكن أن يتواجد معهم أحد لوقت طويل ما لم يعش معهم أو يمدهم بالمخدرات؛ لهذا كان من الصعب أن يسمحوا لي بالحوار معهم أكثر من هذا!!.





















