مسيحيون.. لكن صهاينة!
ومن المعروف أن هذه السفارة تنظم إعلامًا معاديًا للعرب عامة وللفلسطينيين خاصة، وتقوم بإعداد برامج مختلفة تهدف إلى دعم السياسة الإسرائيلية والاستيطانية منها بشكل خاص. وتنبع مواقف هؤلاء المسيحيين الأصوليين من سوء فهمهم للكتاب المقدس وتفسيره تفسيرًا مغلوطًا واستغلاله استغلالا سياسيا خاطئا لصالح دولة إسرائيل على غرار معظم التفسيرات اليهودية والصهيونية له؛ حيث إن هذه التفسيرات المغلوطة تعتبر أن دولة إسرائيل هي تحقيق لما ورد في أسفار العهد القديم وتتمة لأقوال الأنبياء.
وهذه التفسيرات المملوءة بالمغالطات اللاهوتية مرفوضة رفضا قاطعا من قبل الكثيرين من اللاهوتيين المسيحيين الغربيين ومن قبل جميع المسيحيين الشرقيين الذين يعتبرونها بدعة جديدة في الكنيسة، وهم يراقبون بقلق بالغ تدخلهم الخطير في حياة سكان المنطقة.
وقد أدان مجلس كنائس الشرق الأوسط في بيانه الذي صدر في قبرص عام 1988 السفارة المسيحية الدولية، كما أصدر رؤساء الكنائس المسيحية في القدس بيانا رسميا حول السفارة المسيحية الدولية، نُشر في جريدة القدس في الثالث عشر من نيسان/ إبريل عام 1988، جاء فيه "أن الهيئة التي تدعو نفسها السفارة المسيحية الدولية لا تمثل كنائسنا، وليست مخولة ولا منوطة بأن تمثل كنائسنا في هذه البلاد، كما أنها لا تستطيع أن تمثل غالبية المؤمنين في العالم، إننا لا نعترف بهذه السفارة ولا بنشاطاتها ولا بمؤتمراتها، وبما أن تعاليم السيد المسيح وهدي الإنجيل ونوره انطلقت من هذه الديار نفسها حيث نمثل نحن ديانتنا المقدسة، وحيث نجتهد في تكريم المقدسات والمحافظة عليها -فإننا لسنا بحاجة إلى أناس يأتوننا من الخارج يتحدثون أو يتصرفون باسمنا، خصوصا أنهم غير واعين لواقعنا، كما نرفض رفضا باتا أي تفسير سياسي للكتب المقدسة".
والواقع أن إدانة هذه الجمعيات المسيحية الصهيونية لا تنحصر فقط في رؤساء الطوائف المسيحية، بل تمتد لتشمل كل واحد من أبناء الكنيسة الأورشليمة وكل فرد من أبناء شعبنا الذي يعرف كيف يميز بين المؤمن المسيحي الوطني، ومواقف هذه الجمعيات الدخيلة المشبوهة.
لمحة تاريخية
منذ أواخر القرون الوسطى يستطيع المرء أن يتتبع حركة إحياء الفكر اليهودي الرؤيوي وتعاليمه الواضحة عن إحياء اسرائيل ككيان سياسي "النظرية التدبيرية وعقيدة الحكم الألفي من وجهة النظر اليهودية"، وأصبح التقليد اليهودي الصوفي المعروف ب"القبلانية" الوسيلة لنشر هذا النوع من اللاهوت، ويعتبر "جاكوب حاليفي" الذي عاش في أسبانيا ثم استقر فيما بعد في القدس من 1074-1135 أحد القبلانيين الأوائل الذين تبنوا هذا الموقف، فبعد أن شتت ملك إسبانيا الجالية اليهودية عام 1492م ظهرت هناك جماعات صغيرة قبلانية في بعض أنحاء أوروبا وفلسطين، وكان لهم تأثير عميق على علماء الفلسفة الإنسانية المسيحيين أمثال "جوهانس ريخلين"، و"هيجو غرونيوس"، والمعاصرين ك"مارتين لوثر"، ولقد حث "ليخرين" لاهوتيي حركة الإصلاح الديني على التأكيد على أهمية دراسة العهد القديم.
وفي عام 1585م قام أحد رجال الدين البريطانيين وهو القس "جون برايث مان" يدعو إلى إعادة اليهود إلى الأرض المقدسة كتحقيق لنبوءة توراتية.
وفي عام 1615م ناشد السيد "هنري فنش" أحد أعضاء البرلمان الإنجليزي الحكومة دعم فكرة عودة اليهود الى فلسطين، ولقد كان لتعاليم فنش تأثير عميق في أوساط نخبة من البرلمانيين والمحامين والشخصيات الأدبية ورجال الدين.
وتطورت المسيحية البروتستانتية في الغرب وارتبطت لاهوتيا مع فكرة إقامة دولة يهودية حديثة، وأصبحت بريطانيا مركزًا لهذا الاتجاه، ويعتبر القس "لويس واي" الشخصية الرئيسة الأولى في هذه الحركة، وأصبح أعظم قوة للتعبير بوضوح عن المبادئ المسيحية الصهيونية التي تتضمن إعادة اليهود إلى فلسطين، وكان لصحيفة "the jewlsh exposltor" تأثير لا يستهان به على عدد من أعضاء البرلمان ورجال الدين والكتاب.
أما الشخصية الثانية التي برزت فهو الشريف "هنري درمن" الذي كان عضوا في مجلس العموم البريطاني لفترة تزيد عن عشر سنوات، وتخلى عن عمله السياسي بعد رحلة قام بها إلى الأرض المقدسة؛ حيث كرّس حياته متفرغًا للعمل في التعليم والكتابة عن المسيحية الأصولية وارتباطها بفكرة إعادة اليهود إلى فلسطين.
ومن أكثر المتحمسين المسيحيين للصهاينة القس "وليام هيتشلر" من 1931م – 1845م الراعي المشرف على السفارة البريطانية في فيينا وهو من أنصار هرتزل المؤسس الأول للصهيونية، كما حاول كسب التأييد للقضايا الصهيونية لمدة تقارب الثلاثين عامًا، ووفر له تأييدًا واتصالات سياسية هامة.
أما صاحب وعد بلفور الشهير الذي صدر عام 1917م والذي قدم للصهاينة الانطلاقة التي يحتاجونها لخلق دولة يهودية في فلسطين، فقد كان هو أيضا مسيحيا صهيونيا، وقد أيد استيطان اليهود في فلسطين.
نمو وازدهار العقيدة في أمريكا
منذ عام 1735م –1775م كانت الفكرة السائدة بين الإنجيليين الأمريكيين والوعاظ هي عقيدة ما بعد الحكم الألفي، أي أن السيد المسيح سيأتي ليحكم إسرائيل 1000 سنة، وتركز الاهتمام على بيع الممتلكات والمجيء إلى فلسطين لملاقاة المسيح في مجيئه الثاني الذي كان متوقعًا حسب زعمهم عام 1843م .
ويعتبر "وليام بلاكستن" أعظم شخصية أمريكية عملت على نمط سياسي من أنماط المسيحية الصهيونية، ويعتبر كتاب "يسوع قادم" الذي ألفه عام 1881م من أكثر الكتب رواجًا، وقد نظّم أول مسعى للوبي الأمريكي لإنشاء دولة يهودية في فلسطين حتى قبل دعوة هرتزل بـ 6 سنوات، بادر "بلاكستن" إلى القيام بحملة مكثفة لكسب التأييد من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي ورئيس المحكمة العليا وبعض رجال الأعمال البارزين أمثال: "جون روكفلر"، و"تشارلز وج مورغان" ولقد ناشدت الحملة يومها الرئيس "بنيامين هاريسون" العمل على الدعوة لإقامة دولة يهودية في فلسطين، وكان ل"بلاكستن" أيضا اتصالات مع "هرتزل".
قيام إسرائيل عام 1948م كان بالنسبة لمعظم الإنجيليين والإصوليين بمثابة تأكيد على صحة نظرية المسيحية الصهيونية، كما أن النصر الخاطف الذي حققته إسرائيل عام 1967م واستيلاءها على القدس قدّم دليلا آخر على أنهم كانوا يعيشون في آخر الأزمنة، وانتشرت بعدها الإذاعات والنشرات والكتب ومحطات التلفزة والتي صارت تبشر بالمسيحية الصهيونية.
وفي عام 1976م –1977م وقعت 4 أحداث ساهمت في التعجيل بإبراز المسيحية الصهيونية الأمريكية كظاهرة سياسية.
1 - في عام 1977م تسلّم السلطة في إسرائيل "مناحيم بيجن" وكتلة الليكود، بناء على برنامج سياسي صهيوني إصلاحي استغلت فيه أفكار توراتية وتفسيرات تلمودية.
2 - وفي الولايات المتحدة الأمريكية نشرت القوى السياسية الثلاث: أصحاب النظريات السياسية المحافظة الجديدة، واللوبي الإسرائيلي، والمسيحيون الأصوليون، اتفاقًا عامًا فيما بينهم حول العديد من القضايا السياسية الداخلية منها والخارجية، خاصة فيما يتعلق بحق الأفضلية لإسرائيل، كما أدرك اللوبي الصهيوني أنه يمكن الاعتماد على أصوليين لكسب دعم سياسي من بين 50 إلى 60 مليون إنجيلي أمريكي.
3 - وفي عام 1976م انتخب المتجدد "جيمي كارتر"، وهو أحد معلمي الأحد المعمدانية الجنوبية رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية، معتمدًا إلى حد كبير على الأصوات الإنجيلية والأصولية.
4- دشّن اللوبي الصهيوني والمسيحيون الصهاينة حملة وطنية ضد كارتر لدعوته إلى إنشاء وطن للفلسطينيين عن طرق نشر سلسلة من إعلانات على شكل صفحات كاملة باهظة التكاليف، كان من نتيجتها سقوط كارتر في إعادة انتخابه، وفوز رونالد ريجان.
وبانتخاب ريجان بدا عهد جديد من التأييد الإسرائيلي، كما كان بعض أعضاء وزرائه من المسيحيين الأصوليين.
والنتيجة الطبيعية لهذه الوقائع أن كل مرشح للرئاسة الأمريكية وكل رئيس أمريكي يفوز بالرئاسة، وكل مرشح للكونجرس أو مجلس النواب يتنافس في إرضاء هذا اللوبي الصهيوني الذي عقد قرانه مع المسيحيين الصهيونيين الأصوليين عام 1976م؛ ولهذا لا نستغرب هذا الدعم العضوي للإسرائيليين من كل اتجاه حكومي أو شعبي أو رسمي في الولايات المتحدة الأمريكية.
أما ملخص اعتقادات المسيحيين الصهيونيين فهي:
أ- المسيح قادم ليحكم اليهود في فلسطين مدة ألف عام.
ب - تجميع كل يهودي العالم في فلسطين.
ج- بناء الهيكل الثالث على أنقاض المسجد الأقصى المبارك.
د - القدس هي العاصمة الأبدية لإسرائيل.
هـ - على الحكومات أن تعترف بإسرائيل دبلوماسيا لتدعمها دوليا، وتعارض أي مقاطعة اقتصادية لها.
و- السماح لهجرة اليهود من جميع أنحاء العالم وخاصة من الاتحاد السوفييتي.
ز - على جميع الدول نقل سفاراتها إلى القدس.
ح - على جميع الشعوب الصديقة أن تكف عن تسليح أعداء إسرائيل.
ط - على جميع الحكومات أن تتوقف عن استضافة الإرهابيين.
ي – تشجيع توطين اللاجئين واستيعابهم في البلاد العربية؛ لأن نداءات القادة العرب عام 1948م هي التي أجبرتهم لإخلاء ميادين القتال.
ك- الاستيطان في الأجزاء من الأرض غير الآهلة بالسكان.
ل – وختاما، إن أسوأ هذه الترهات هو ما يمس الذات الإلهية؛ إذ يعتقدون أن المسيحيين سيُدانون فقط من خلال الأعمال التي يقدمون بها مصلحة إسرائيل، وسيتعرضون إلى حساب آخرة مخفف إذا ما شاركوا في أعمال تهدف إلى تقديم المساعدة والدعم لدولة إسرائيل الحديثة.
هوامش ومصادر:
- وثيقة عرضها الأب "قسطنطين قرمش" عضو المجلس الوطني الفلسطيني، في آب/ أغسطس 1985.





















