المثقفون المصريون والأزمة.. شفقة وترقب
عن رد فعله تجاه الهجوم الذي شهده عبر شاشات التلفزيون على الولايات المتحدة يقول المستشار "طارق البشري" المفكر الإسلامي المعروف: لقد شعرت باندهاش شديد… كيف يمكن القول إن مبني البنتاجون يُضرب بهذه الصورة؟!.. وإن كنت على مستواي الشخصي لم أشعر بالخوف كثيرًا والحمد لله.
وعن الإجراءات التي اتخذتها الإدارة الأمريكية ردًا على الهجوم يقول البشري: إن هذه الإجراءات يبدو منها للرأي العام العالمي أن القيادة الأمريكية مرتبكة ومتخبطة، فتصدر التصريحات ثم تَعْدِل عنها، ثم تعدِّلها بعد ساعات أو أيام!! ولا تستقر على قرار محدد، فرأينا الأمريكان يغيرون اسم العملية العسكرية المزمع شنها ثلاث مرات: من "النسر النبيل" إلى "العدالة المطلقة" إلى "الحرية الأبدية"، وكذلك التراجع في التصريحات التي صدرت بشأن الكشف عن أدلة تورط المطلوبين وعلى رأسهم أسامة بن لادن، والتصريح بأن هذه الحرب سوف تكون "حملة صليبية" ثم التراجع والاعتذار للعالم الإسلامي.. كل هذا ـ كما يقول المستشار البشري ـ يؤكد الارتباك في اتخاذ القرار لدى الإدارة الأمريكية، وهو ما كشف للرأي العام حقيقة الإدارة الأمريكية المتخبطة.
ويضيف المستشار البشري: بل إن الموقف الأمريكي لم يعد مقنعًا لدى النظم السياسية والعالمية وإن وجدنا قدرًا كبيرًا من "المجاملة" من قبل الحكومات الأوروبية في تأييد أمريكا، إلا أن هناك قدرًا كبيرًا من التحفظ فيما يتعلق بوجود أدلة مقنعة تؤكد تورط جبهة معينة في الهجوم.. أو فيما يتعلق بقرار الحرب أو الموقف تجاه العرب والمسلمين، خاصة أن هناك مصالح تربط هذه الدول بالدول العربية والإسلامية.
ويستطرد المستشار البشري في عرض ما رصده للصورة الأمريكية أمام الرأي العام بعد الهجوم عليها قائلاً: لقد لاحظنا أن السياسة الأمريكية لا تعمل لحسابها الخاص فقط، بل دخلت دول أخرى في "اللعبة" لحساباتها مثل روسيا التي تبحث عن دور جديد داخل الأراضي الأفغانية سبق لها أن فشلت في إيجاده بمفردها، وتبحث أيضًا عن السيطرة على الإقليم الشيشاني وإخضاعه تمامًا لحكمها.. ودول أخرى قد تنضم للتحالف بحثًا عن مكاسب ومغانم شخصية مثل الهند وباكستان أو الصين.
ويبين أن أمريكا تدخل المعركة ومعها حلفاء يعملون لمصالحهم، فلم تعد الولايات المتحدة بالقوة التي كان يتصورها شعوب العالم.. عجزت في محاولة فرض إرادتها على العالم وقيادته… لم تفقد هيبتها في مجال أمنها القومي فحسب، بل فقدت أيضا هيبتها في القدرة على اتخاذ القرار فبدت مرتبكة ومتخبطة.
وعن موقف السياسة الأمريكية تجاه العالم مستقبلا يقول المستشار البشري: إننا لا يمكن أن نتوقع شيئًا محددًا، لكننا ننتظر الأحداث فخريطتها لم تتشكل بعد، خاصة أن الحالة المعنوية لدى الأمريكان -على ما يبدو- سيئة للغاية؛ فالحادث أضر بالحالة النفسية للأمريكان مثلما أضر بالمصالح المادية.
التيار المعتدل
ومن ناحيته يعتقد "صلاح عيسى" رئيس تحرير جريدة "القاهرة" الثقافية أن صورة الولايات المتحدة في نظر شعوب العالم اختلفت كثيرًا كرد فعل مباشر بعد الإتقان الشديد الذي ظهرت به عمليات الهجوم، وفشل الأجهزة الأمريكية في التنبؤ بذلك أو كشفه، إضافة إلى الارتباك الشديد في الإدارة الأمريكية.. واختفاء الرئيس بوش عدة ساعات عقب الهجوم، فبدا أمام شعوب العالم أن أمريكا هدف سهل المنال على عكس ما كان يتصوره الجميع… وقد خلقت أمريكا لها هيبة لعبت دورًا كبيرًا في تأمين مصالحها فجاءت هذه الهجمات لتبدد هذه الهيبة… كرد فعل أولي.. ولكن ـ والكلام لصلاح عيسي ـ لم يلبث الشعور الذي تحقق عقب الهجوم أن اختلف؛ فقد خلقت أمريكا حالة من الترقب والانتظار.. وبحسب رد الفعل الأمريكي سوف تستقر مشاعر الناس تجاه الولايات المتحدة، فإما أن تسترد هيبتها المفتقدة أو تؤكد الانطباع الذي بدا عقب الهجوم عليها.
وعن سياسة الولايات المتحدة تجاه شعوب ودول العالم مستقبلا يقول صلاح عيسى: إن السيناريوهات كلها مطروحة، ولكن في تقديري فإن ردود الفعل الأمريكية التي كانت تجنح للعنف، بدأت تتجه إلى التعقل والتفكير الموضوعي، والأمر ظهر أمامها أنه أكبر من مجرد توجيه ضربة عسكرية عنيفة.. وانتهى الأمر، وأدركوا أن المعركة سوف تطول وتحتاج إلى أن تشاركهم فيها دول أخرى كثيرة؛ لذلك رأينا الأمريكان يقدمون إغراءات كثيرة تدفع الدول والحكومات للانضمام في هذا التحالف… مثل المعونات لفصائل أفغانية، أو رفع العقوبات عن باكستان والهند ومحاولة تسوية الأمور مع السودان.
ويرى عيسى أن هذه السياسات الأمريكية قد تدفعها إلى شيء من الاعتدال تجاه بعض الدول .
ومن جهتها ترى الكاتبة الصحفية "سناء فتح الله سعيد" أن نظرة شعوب العالم تجاه الولايات المتحدة اختلفت بالتأكيد، فقد رأوا الدولة التي تحكم العالم بمنتهى الظلم والجبروت لم تملك حماية أمنها الداخلي، وكانت غطرسة القوة تجعلها تظن أنها في مأمن، بل إن الإدارة الأمريكية ـ والكلام لسناء ـ كانت تتدخل في أدق خصوصيات أي بلد ـ بما في ذلك قضاؤها ـ من أجل وقف محاكمة من يحمل هذه الجنسية وإن كان مجرمًا!!
إزالة الوهم
ويرى الدكتور "عاطف البنا" أستاذ القانون الدستوري بجامعة القاهرة، أن هذه الضربات جاءت لتسقط النظرة إلى أمريكا باعتبارها القوة العظمى التي لا تُقهر ولا تقاوم.. وتكشفت مواطن الضعف الداخلي الذي تعيش فيه أقوى الدول.. وأعتقد أن "الهالة الكبيرة والهيبة المصطنعة قد زالت وإلى الأبد".
وحول حالة الهلع التي أصابت عددا من المثقفين يضيف الدكتور البنا أن المخاوف في أذهان المثقفين تجاه ما يمكن أن يحدث واردة، ولكن خوفنا الأساسي كعرب ومسلمين من الله وحده.. ولا ندري ما يمكن أن تخبأ الأقدار..
وعن انطباعه تجاه الضربات التي تعرضت لها الولايات المتحدة يقول "أسامة أنور عكاشة" السيناريست والروائي المعروف : إن الشعور بالدهشة هو رد الفعل الأساسي المسيطر، حتى بدأت الأخبار تتوالى بعدم تصديق واستغراب … ثم تبدل الشعور إلى نوع من فضول معرفة رد الفعل.
ويعتقد عكاشة أن ثمة تغيرا سيطرأ على سياسة أمريكا في خطين متوازيين: إذكاء روح الصراع الحضاري، وهذا ينميه تيار معادٍ للآخر رافض له، والاتجاه الآخر الرغبة في معرفة الآخر وفهم توجهاته ومنطلقاته ويقوده تيار عاقل واعٍ يسعى للفهم، ويعترف أسامة بأن ثمة حالة من الخوف انتابت المثقفين جميعا، وهذا الخوف له ما يبرره من إحساس بالضعف تجاه قوة غاشمة مسيطرة على العالم.
ويتفق الدكتور "جابر قميحة" أستاذ الأدب العربي بجامعة عين شمس مع عكاشة في أن الشعور بالدهشة هو الذي امتلك وعيه في بداية الأمر؛ وذلك لمفاجأة الحدث الذي لم يكن متخيلا، ويضيف أنه شعر بالإشفاق على المدنيين الأبرياء الذين راحوا ضحية هذه الضربات، إلا أنني ـ والكلام للدكتور قميحة ـ شعرت بالشماتة في القيادة الأمريكية التي تدعي أنها تعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور، وتحاول أن تفرض على العالم أنها القادرة على كل شيء ولا يعجزها أي شيء، فكانت شماتتي في الإخفاق الذريع الذي وصم القيادة الأمريكية التي عُرف عنها الغرور والغطرسة واللامبالاة ومعاملة الآخرين بالصلف والهوى… ولكنني أكرر أنني ـ وأنا مسلم ـ أشفقت على أبرياء راحوا ضحية هذا العمل الرهيب أيًا كان فاعله.
ولا يعتقد الدكتور قميحة أن الولايات المتحدة ستغير سياساتها تجاه الدول الأخرى إلا بضربة جديدة تهزمها عسكريا، في هذه الحالة أعتقد أنها سيكون لها وقفة مع ذاتها ومراجعة للنفس، والنظر للعالم ـ بما في ذلك شعوب العالم الثالث ـ نظرة احترام وتقدير… وفي الاتجاه الآخر يرى الدكتور قميحة أن دول العالم الثالث تشعر بالشماتة في الولايات المتحدة حكومة وشعبًا.
ويطرح الدكتور قميحة حلا للأزمة من وجهة نظره أنه كان يجب على الرئيس الأمريكي أن يكون متواضعًا ويقول: سنحاول بسلوكنا الإنساني والتعامل الطيب مع الشعوب الأخرى أن نحقق القيم الإنسانية العليا بيننا جميعًا تحقيقًا لمبادئ العدل والتكافل والاحترام بين الشعوب العالم؛ لتقليل النزوع نحو الإرهاب والعدوان.
عقوبة إلهية
|
|
|
الكاتبة الصحفية صافيناز كاظم |
ورغم أن كثيرًا من المثقفين قد أصابتهم الدهشة لما تعرضت له الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن "صافيناز كاظم" الكاتبة الصحفية لم تندهش على الإطلاق – حسب قولها- بل إنها شعرت بأن ما تعرضت لها أمريكا إرادة إلهية وآية من آيات الله تعالى لكي تعلم أمريكا أن الله أكبر منها.
وترجع سبب عدم دهشتها إلى أنها اعتادت رؤية مشاهد الانهيارات والقتلى والمصابين، وإن كانت هذه المشاهد تنقلها العدسات من أرض فلسطين إلا أنها نقلتها هذه المرة من الأراضي الأمريكية، بل إنها لم تتألم من أجل المدنيين الذين راحوا ضحايا هذه الهجمات لأنها لا تعتبرهم أبرياء بوجودهم في هذا المكان الذي تعتبره يدير اقتصاد العالم لصالح إسرائيل، كما أن بين هؤلاء الذين يقول عنهم إنهم مدنيون رجال الـ C.I.A الذين يرهبون العالم.. فكان وجودهم بهذه الأماكن سببا في عدم كسبهم التعاطف… وتضيف: يكفي أنني لم أشعر بالشماتة تجاههم، ولكني شعرت أن فيما حدث حكمة وآية من الله أيًا كان فاعل هذه الهجمات.. فهي عقوبة إلهية عادلة.





















