بن لادن.. ونموذج التغيير من فوهة بندقية
وإذا تفهمنا هذه الصور في دول عربية وإسلامية لها احتكاك وشأن بالأحداث؛ فكيف يمكن أن نتفهم ما قالته "جورجينا فيربان" الممثلة الهولندية ذائعة الصيت، التي تُعد حلمًا للشباب الهولندي حين قالت: "إنه بلحيته الكثيفة يبدو رائعًا، كما أن له عينين ودودتين جدًا.. إنه عمومًا أفضل الغرباء" غير عابئة بما يمكن أن ينجم عن هذا الرأي من مشاكل؛ لأنها تشجع الإرهاب بهذه التصريحات، كما اتهمها البعض. وهذا الفليبيني الذي سمَّى ابنه "أسامة بن لادن" لشدة كراهيته لأمريكا، بل في ليبيريا التي لا يتعدى مسلموها خُمس عدد السكان، اضطُّرت الحكومة فيها إلى تجريم طبع وتوزيع صورة أسامة لما رأته من الحمَّى التي اجتاحت البلاد من طبع هذه الصور وتداولها خاصة بين الشباب.
هذه الأسطورة التي برزت كعملاق راسخ بطريقة فجائية لا بد من التأمل فيها وكيف صنعت… لا شك أن الإدارة الأمريكية السابقة خصوصًا كان لها دور كبير في صناعة هذه الأسطورة بإلحاحها على الرأي العام بها والحديث عنها أكثر مما ينبغي، حتى وصل الأمر بأولبرايت- وزيرة الخارجية السابقة- إلى تعمد تضخيم هذه الهالة من حوله حين صرّحت… "إن بن لادن يمثل خطرًا عظيمًا على الطريقة التي يتحرك بها بقية العالم" (!!)… وهو ما حدا بإدارة (بوش) إلى إصدار قرارات من شأنها محاولة تجنب ذكر أسامة بن لادن في تصريحات المسئولين وأحاديثهم…
وظل هذا "التعامي" حتى ما قبل أحداث سبتمبر، لكن الأكيد أنها بعد الأحداث عمدت إلى تضخيم قدراته وأذرعه حتى وصل بها الزعم أن شبكته (القاعدة) تتغول في أكثر من 50 دولة، وأن أنصاره يفوقون الخمسة آلاف عنصر.. وربما يأتي هذا التضخيم في إطار صناعة عدو يمكن أن تكيل له أمريكا الضربات الموجعة بما يشفي صدور الأمريكيين، ويفرغ شحنة الغضب نحو الأزمة التي يعانون منها… وبما يعطي كذلك مبررًا للضربات الوحشية التي تنفذها وسط استنكار العالم – على ما يبدو من تظاهرات وفعاليات مضادة للحرب-… وبغض النظر عن هذا الاختيار هل هو ذكي أم لا، فإن الإدارة الأمريكية ظنت في وقت ما أن القبض على بن لادن من السهولة بما يحقق أهدافها في صناعة أسطورته…
ويظهر ذلك التضخيم المتعمد في تصريحات "ديك تشيني" أنه يشم رائحة بن لادن في مسألة الجمرة الخبيثة رغم تأكيد عدة جهات في الإدارة الأمريكية على عدم وجود ما يؤكد ارتباط أسامة بالقضية، وكذا إصرار الإعلام الغربي أن بن لادن يمتلك مصانع للأسلحة البيولوجية ومعامل للأسلحة الكيماوية… المذهل في الأمر أنه يبدو أن ثمة تربة صالحة جدًا ومساعدة لاستزراع بذور هذه الأسطورة، فعلى مستوى بن لادن نفسه فهو يتحدث عن نفسه وقوته بما يطابق أو على الأقل لا ينفى هذه الجزئية، فهو يقول ردًا على سؤال حول امتلاكه لهذه الأسلحة: "إن المسلم مطالب بامتلاك أسباب القوى جميعًا… وما دامت إسرائيل تمتلكها فلا علينا إن امتلكناها"… أخذا في الاعتبار توافر فرص شراء هذه الأسلحة في مناطق كثيرة من العالم حولنا…
إذن فهو يهدف إلى تأكيد مثل هذا الزعم ربما أملا في تخويف الغرب وإرهابه، أو رغبة في استثمار ما يدور حوله ظنا منه أن ذلك يخدم قضيته… وهو وإن لم يصرح فإنه يؤكد كل المقدمات التي تؤدي إلى نتيجة واحدة، وفي ذات الوقت فهو يحجم عن التصريح بهذه النتيجة الأكيدة…
"الهوس" اللادني ـ إن جاز التعبير- له ما يبرره في أرض الواقع؛ فالظروف مواتية تمامًا لهذا الأمر.. فالناس… عرب وغيرهم… قد ضجوا من أمريكا…. ومن السيطرة المطلقة والتجبر الذي تمارسه على "الناس" جميعًا عربًا أو صربًا أو كوبيين أو كوريين أو صينيين أو حتى الأوروبيين الذين صعدت أمريكا على أكتافهم ثم لم تعبأ بمشاعرهم حين ركلتهم.
والإحباط عند العرب خصوصًا من حكوماتهم التي لم يعد لها أي وزن لديهم في ظل حالة من "الاستنواق" شديدة الحدة أدت إلى "الاستئساد" الأمريكي الأشد حدة… وبالمقارنة مع أسامة يبدو الأخير مناضلا بحق كما يعبر عن ذلك هذا الشاب الذي قال في إحدى ساحات الحوار: " ألسنا بحاجة إلى ألف مجاهد من هذا الطراز في ظل هذا الانبطاح العربي المخزي أمام أمريكا وإسرائيل…"، وآخر يؤكد: "الكثير من الجنرالات والضباط العرب تحولوا إلى لصوص وحرامية، بينما تحول الثري جدًا أسامة بن لادن إلى مجاهد متخليًا عن حياة العز والرفاهية".
ورغم أن تخلي أسامة عن هذه الحياة يبدو نبيلا ورائعًا حقًا، فإن هذا القفز في أذهان الكثيرين ينتج خلطًا كبيرًا لدى جموع الناس.. فمن الإعجاب بهذا التخلي الذي يشترك فيه الكثيرون وربما كاتب هذه السطور… إلى اعتبار أعمال أسامة "جهادًا"، والأخطر من ذلك أن تتم المفاضلة بين أسامة والحكام العرب… كأنه لم يعد في حياتنا إلا نموذجان فحسب.. متناسين في هذا السياق علماء الأمة ومفكريها وقادتها، ففي الوقت الذي يشعر الناس باليأس من حكامهم والخوف من بطشهم لأنهم يكممون الأفواه ولا يمكن لكثير من الناس أن ينطق، نجد بن لادن يصرح: "إن أمريكا تفرض علينا عملاء لحكمنا غير معتمدين على ما أوصى به الله"، وهو ما يجد هوى لدى الشعوب المخذولة، وهو يعبر بشكل أو بآخر عن كل ما يعتمل في صدور العرب ولا يجدون له متنفسًا ولا سبيلا…
ويرتبط هذا الأمر بما يتعلق بفكرة تسيطر على عقليتنا منذ زمن، وهو ما يمكن أن يعرف بـ "الإرجاء"، وهو انتظار المخلّص أو البطل الذي يأتي فيملأ الدنيا عدلا وسلامًا دون أن يكلفنا نحن "فعلا" معينا أو "إيجابية" ما… ويأخذ هذا المخلص صورًا عدة: "المهدي المنتظر" أو "الإمام الغائب"…. المهم في الأمر أن الناس حين تنتظر المخلِّص؛ فإنها لا تحارب معه ولا تعمل على تهيئة الأرض له… لكنها تنتظر فحسب…
وأسامة من هذه الوجهة قد حمل عبء الجهاد عن الأمة، ووجدت فيه المخلِّص الذي يرفع عنها قعودها وتخلفها عن إحياء هذه الأمة.
وهذه الظاهرة ربما هي التي أشار إليها د. مصطفى حجازي في كتابه "سيكولوجية الإنسان المقهور"؛ حيث يعبر عن القهر باختلاق مرضي للبطل الوهمي تسبغ عليه كل الصفات الغائبة وهو نوع من التماهي الإسقاطي، فإن المقهور يسبغ على شخص الزعيم كل تصوراته الطفلية بالقوة والقدرة وكل مثله العليا، ويجعل منه باختصار الصورة النقيض تمامًا لصورته عن نفسه والذي يجتهد في الهروب منها؛ لأنها نموذج النقص والمهانة، وليس "أسامة" بزعامته وقيادته في أذهان معجبيه إلا صورة أخرى من الملا عمر الذي حول نفسه من أمير إمارة أفغانستان إلى أمير المؤمنين في العالم الذي يدافع عن حقوقهم المهضومة، وهو صورة كذلك لكل الزعماء الذين آمن بهم الناس إلى حد القداسة حتى إذا انكسروا وانهزموا خابت آمالهم فيهم…
فالأمر سرى مع جمال عبد الناصر في مصر وصدمة الناس بالأسطورة التي ستلقي بإسرائيل إلى البحر، حتى إذا جاءت هزيمة 1967، سقط الرمز وفقد جيل كامل في مصر الثقة في نفسه، بل إن "صدام حسين" بكل سوءاته وشروره لا يزال البعض – ومنهم كويتيون بالمناسبة- يرفض تصديق أي شيء غير أنه "بطل" و"مخلص" وهازم الأمريكان وراعب اليهود والصهاينة (!!!).
إن أسامة بن لادن الذي نشأ على التدين السلفي المعتاد… هو الذي تحمس لفكرة الجهاد في أفغانستان، وذهب ليكون من طليعة الأفغان العرب ويأخذ دورًا قياديًا فيهم… وحتى أواخر عام 1989 كان أسامة منضويًا تحت مدرسة الفكر الجهادي الذي توجه بقتاله للعدو الذي يحتل أرضا إسلامية الذي أسهم د: عبد الله عزام في إرساء قواعده وضبط تحركاته على حسب خلفيته المنتمية لمدرسة "الإخوان المسلمين"، وعلى حسب أسامة نفسه: " كنت أتلقى عن الشيخ عبد الله عزام كما يتلقى التلميذ عن شيخه"، وعمل آنذاك على تنظيم حركة المجاهدين العرب ورصد الكشوف والسجلات وغير ذلك من أعمال إدارية…
لكن عقب اغتيال د. عبد الله عزام، بدأ أسامة -كما تؤكد بعض المصادر- في الميل لمدرسة فكرية أخرى ويأتي على رأسها فكر الجهاد المصري والجماعة الإسلامية، خاصة أن عددًا من زعماء الجهاد والجماعة قد استقر بأفغانستان بعد طول فترة هروب، ومنهم "أيمن الظواهري" المطارَد بحكم إعدام صادر بمصر، والمطلوب من أمريكا، والمتهم في عدة قضايا دولية…
وأيمن بالذات أصبح المرجع الفكري لأسامة فهو الخطيب المفوه، والملم بالثقافة الشرعية التي تمكنه من التنظير لهذا الاتجاه، خاصة لسبق تأليفه مجموعة من الكتب؛ فأصبح أيمن بمثابة المرجع الفكري والمنظِّر، وأسامة هو القائد والزعيم الروحي.
منذ ذلك الحين أصبح "أسامة" أكثر وضوحًا في عدائه للغرب كله، وعلى رأسه أمريكا، ونجد أسامة وشبكته قد مرا بمرحلتين: الأولى العداء للأنظمة الحاكمة والتي يحكم الظواهري بكفرها، ومن ثم يجب محاربتها، ثم انتقل بعد هذه المرحلة التي استمرت حتى إعلان "الجبهة العالمية" عام 1998 لمحاربة المصالح الأمريكية ليتوجه العداء للمظالم الأمريكية في العالم الإسلامي، وعلى رأسها –كما أشار أسامة في بيانه الذي نقلته عنه قناة الجزيرة- قضية فلسطين والتواجد الأمريكي في الخليج وفرض حكام مستبدين، وأسامة يجيب حين يسأل لمن توجه حربك قائلا: كل الأمريكان في كل مكان، ولم يستثن المدنيين، مؤكدا أن عدوه "كل من يدفع الضرائب في أمريكا".
إن الفكر الجديد في هذه المرحلة الممتدة إلى الآن يظهر بوضوح في كلمته التي ألقاها عقب التفجيرات حين قال: "إن العالم قد تمايز إلى فسطاطين: كفر وإيمان، وعلى الناس الاختيار"، وهو يصف أمريكا وإنجلترا بـ "قريش التي ألقت فلذات أكبادها"؛ فهذا التفكير الاختزالي الذي يبسّط هذا العالم من حولنا، ويجعله معسكر إيمان يقع فيه أسامة مع اتباعه، ومعسكر كفر ويجمع من لم ينضم إلى المعسكر الأول، فهذه العقلية تلغي من واقع الأمة علماءها ومفكريها وقادتها، وفي نفس الوقت تمحو أي تمايز داخل المجتمع الغربي ومنه أي قوى غربية تعمل من أجل وقف الحرب أو تناصر قضايا المسلمين، وبنفس هذه المنطلقات في التفكير صرّح بن لادن من قبل أن "الفضل في انهيار الاتحاد السوفيتي كان لله ثم للمجاهدين في أفغانستان"، متجاوزًا عن أي أسباب أخرى يرى المحللون أنها أسبق مما ذكره أسامة في العمل على انهيار الاتحاد السوفيتي.
فهذه رؤية مبسطة للعالم تختزله في علاقات غير متشابكة، وتعاملات بسيطة ووضوح تام، فأمريكا: هي مصدر الشرور، فهي ـ حسب قوله: "تحتل بلادنا وتسرق مواردنا، وتفرض علينا عملاء لحكمنا…" فالأمر كله بيد أمريكا ـ من وجهة النظر هذه ـ ونحن مجرد فئران تجارب… وأمريكا كلها قالب واحد لا يتجزأ أو لا تمايزات أو تباينات فيه… والواقع بهذه البساطة وعلى هذا الاختزال، سهل جدًا إزالته وتدميره: "أقسم بالله العظيم الذي رفع السماء بلا عمد لن تنعم أمريكا ولا من يعيش في أمريكا بالأمن…"، وذلك في البيان الذي ألقاه عقب ضرب أفغانستان…
بقي أن نقول بأن أسامة ليس فريدًا في فكرة الاختزال هذه، فلا نعجب أن علمنا أن "بوش يضارعه تمامًا بل يكاد يكون المعادل الموضوعي له" مع استسماح (ت.س إليوت) الأديب الأمريكي الذي أطلق هذا المصطلح… فإذا كان بن لادن يتحدث عن فسطاطين على العالم أن يختار بينهما، فإن بوش يتحدث عن أن مبدأ "من ليس معنا فهو ضدنا"، وإذا كان الأول يستدعي رصيد الكراهية لدى المسلمين حين يتحدث عن قريش التي ألقت فلذات أكبادها، فإن "بوش" يستدعي رصيد الكراهية المضادة حين يتكلم عن "حرب صليبية".
وعلى نفس الأمر يمكن فهم ما صرح به بيرلسكوني رئيس وزراء إيطاليا الذي لا يرى في الحضارة الإسلامية -على امتداد رقعتها وعظيم أثرها- إلا إنتاجًا للتخلف والرجعية… فهذه الأمور التعميمية التي لا تشغل نفسها برؤية الآخر ومحاولة الفهم والاقتراب، وكل ما يعنيها أن تقفز إلى الحكم عليه واتخاذ موقف منه -لا توجد في جانب واحد وإنما تسيطر على العقليات هنا وهناك…
لكن يبقى أن النموذج الذي يقدمه أسامة لا يمكن أن ينتج "تغييرًا" ما، خاصة أنه لا يقوم على أسس سياسية منطقية؛ فهو يشرع السيف ويرفض أن يرى بندقيته بلا دخان، فتارة يوجه رصاصها إلى الحكام ويعمد إلى إسقاطهم بالقوة، وتارة نحو أمريكا ومصالحها… ويبقى السؤال: أين الكيان الصهيوني من هذه الرصاصات، خاصة أن فلسطين يُزجّ بها في الأمر دون أن يكون لها نصيب واقعي من هذا "الجهاد"؟.
يمكن لهذا النموذج أن يغتال رئيسًا أو وزيرًا أو حتى يغير نظام الحكم في دولة، ولا أتعجب حتى إن نجح في إبادة أمريكا… لكن يبقى نموذجًا هادمًا – حتى وإن هدم الباطل- لم ينشغل بالبناء ولا يضعه في أولوياته ولا يرى له قيمة أصلا، والأخطر أن نتلقى نحن البسطاء هذا الفهم المغلوط… فيكون دعاؤنا اللهم امنن علينا بصلاح الدين من جديد، متغافلين تمامًا عن كيف أعد صلاح الدين الجيل الذي حرر فلسطين؟!
تابع في نفس الموضوع:





















