تضليل بالثقافة:
إرهاب إنترنتي
عند البحث عن طريق آلية بحث مناسبة، نجد حاليًا أكثر من مليون وثيقة تحمل اسم (بن لادن) بالحروف اللاتينية، وحوالي عشرين ألفًا بالحروف العربية نصفها تقريبًا يتعلق بأسامة بن لادن نفسه، ولكن قسمًا كبيرًا منها لا يتجاوز أن يكون مقتطفات من (حوار) في منتدى من منتديات الحوار الشبكي، إنما لا تختلف نسبة العشرة آلاف إلى المليون كثيرًا لو حاولنا التصفية قدر الإمكان لحصر هذه الوثائق بعيدًا عن التكرار، وفي نطاق ما يتحدث مباشرة عن الموضوع. تحت العنوان الشبكي :
http://www.au.af.mil/au/aul/bibs/tergps/tgaqai.htm
مثلاً، نجد نصوصًا من المفروض أنها "وثائق وكتابات جامعية"، بالإضافة إلى روابط لمجموعة من المواقع الشبكية الأخرى، ولكن نجدها جميعًا تتحدّث وفق مقياس "الإرهاب" بالموازين الأمريكية فحسب، فلا تأخذ من قريب أو بعيد ما يعلنه الطرف المعني بذلك، ولو على سبيل العرض والنقد كما كان يصنع مع الشيوعية مثلاً، أو كما يصنع حتى الآن من منظمات مصنّفة على أنها إرهابية كمجموعة "الجيش السري الأيرلندي"، أو "منظمة إيتا" في منطقة الباسك الأسبانية.. ولا يختلف ذلك اختلافًا يستحق الذكر ما بين موضع شبكي "جامعي" وموقع شبكي يتبع للمخابرات، أو حتى الموقع الذي صمَّمته وزارة الخارجية الأمريكية باللغة العربية خصيصًا لتسويق وجهة نظرها في "الحرب ضدّ الإرهاب".
ومقابل ذلك نجد أن العدد القليل من المواقع الشبكية التي كانت تحمل اسم "طالبان" أو "إمارة أفغانستان الإسلامية" أو حتى المنظمات المناصرة لها، أي تلك التي تحاول تقديم وجهة نظر "الجبهة الأخرى" عبر الشبكة، قد وجدت خلال الفترة الماضية حملة واسعة النطاق لإغلاقها، وكلما حاول القائمون عليها افتتاح موقع بديل (لا سيما لنشر الأخبار شبكيًّا بعد قصف مكاتب فضائية الجزيرة في كابول) لحق بهم ما يمكن وصفه بمقص الرقيب الشبكي، وهو ما اقتحم أيضًا البلدان الإسلامية المتحالفة كليًّا أو جزئيًّا مع الولايات المتحدة الأمريكية في هذه الحرب، فاشتغل "مقص الرقيب" فيها أيضًا.
صحيح أن محتويات بعض تلك المواقع لا يقدّم ولا يؤخّر كثيرًا في مجرى الأحداث، بل يتبع بعضها أسلوبًا يمكن أن يدفع "المسلم" المطلع عليها إلى النفور منها أو التعجب من ذلك الأسلوب على الأقل.. ولكن الشاهد هنا هو تأكيد الخلل الكبير القائم تحت عناوين الحرية الإعلامية والشبكية، وما شابه ذلك، بينما يتخذ التعامل الفعلي مع وسائل الإعلام عمومًا طابع "الحرب" عبرها أيضًا، وهو ما تعنيه كلمة "توظيف الكتاب"، أو الكلمة، أو وسيلة النشر أيًّا كانت لتحقيق غرض حربي محض.
حرب الكتب
كانت الفترة ما بين عمليات تفجير السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام، وربطها باسم "بن لادن"، وتفجيرات نيويورك وواشنطن والإعلان الفوري عن اتهام بن لادن بها.. كانت تلك الفترة قد شهدت ظهور سلسلة من المؤلّفات، بالإضافة إلى نشأة سلسلة من المواقع الشبكية، يعتبر العامل المشترك بينها هو أنّ الناظر في محتوياتها الآن –أو محتويات بعضها كأمثلة على غير تعيين مسبق- سيجد سلسلة من العناصر التي تجعلها من قبيل "التهيئة الفكرية المسبقة لحرب قادمة".. أو لحرب من المفروض أنه لم يكن يتوقع أحد نشوبها في نهاية عام 2001م، وبدا أنها نشبت كردّ فعل على حدث غير منتظر!..
ولا يمكن حصر تلك الكتب، ولا يوجد ما يستدعي ذلك، ولكن يسري عليها ما سبقت الإشارة إليه من أنّ "البحث الجامعي" أو ما يحمل منها صورة البحث الجامعي، ويصدر عن جهة جامعية أو مركز دراسات، أصبح لا يعتمد أيضًا على أكثر من المعلومات التي يكتفي بأنّها صادرة عن "المخابرات"، وكأن هذا يكفي لتوثيقها علميًّا، دون شيء من التحقيق وفق قواعد البحث العلمي؛ للتأكد من مدى سلامة هذه المعلومات وصحتها، كما هو مفترض في أي "معلومة" يوردها بحث منهجي! بل إن التحقيق مفترض هنا بصورة مضاعفة؛ نظرًا إلى التعامل مع المخابرات بالذات، بعد أن ثبتت حالات عديدة أظهرت في فترة متأخرة -بمعنى بعد فوات أوان اتخاذ موقف سياسي- مدى لجوء المخابرات إلى حبك قصص بكاملها من عدم، أو تضخيم أمور والتهوين من شأن أخرى، على حسب "الغاية السياسية" الآنية، وليس على حسب ما يتطلبه نقل صورة قويمة مضمونة عن الواقع.. فهل هذا ما يمكن القبول به في "بحث علمي منهجي منشور باسم مؤلف يعمل كأستاذ جامعي أو خبير أو متخصص؟!".
ليس المقصود هنا التمحيص في نقل معلومات أساسية، مثل ذكر الاسم ومكان الميلاد وبعض التواريخ الأساسية، إنما المقصود تلك المعلومات التي لا تستند إلى عملية توثيق محكمة، وترتبط بوجهة نظر الشخص المعني أو بعض أعماله، فضلاً عن أسلوب تأويل ما يثبت من أقوال، أو اللجوء إلى حذف بعضها واقتطاعه من سياقه الطبيعي.
يسري هذا أو بعضه على الأقل على سبيل المثال، على:
"بن لادن.. الرجل الذي أعلن الحرب على أمريكا" بقلم "يوزيف بودانسكي"، صدر في كاليفورنيا عام 1999م.
فصل "أسامة بن لادن" من كتاب بعنوان "أفغانسـتان" من إصدار جامعة بيشاور عام 2001م قبل عمليـات التفجير في واشنطن ونيويورك.
"فتوى بن لادن .. شرح النص والمغزى" بقلم "ماجنوس رانتروب"، صدر في واشنطن عام 1998م.
"حركة المقاتلين الأفغان الإسلامية العسكرية وظاهرة أسامة بن لادن"، بقلم "آستريد فون بوركي"، صدر في فرانكفورت - ألمانيا عام 1999م.
"الحرب الأمريكية بين السلطة والإرهاب.. ظاهرة أسامة بن لادن" بقلم "كاي هيرشمان" صدر في فيلادلفيا عام 2000م.
"الإرهاب باسم الله في الشرق الأوسط" بقلم "إرهارد سيراكي"، صدر في برلين ودييتس عام 2000م.
والقائمة طويلة.. والمهم هو أن محتويات معظم هذه الكتب تبدو وكأنّها تُعِدُّ مسبقًا لحرب قادمة؛ أي لحرب كانت في حينه مؤكّدة الوقوع مجهولة الموعد، ونأخذ مما سبق كتاب بودانسكي كمثال، وهو أحد خبراء "الكونجرس" الأمريكي، فنجده يحذِّر بشدة من السلاح النووي في يد "بن لادن"، ويحرِّض على دول معينة بحجة دعم "بن لادن" في قوله مثلاً: "لم يكن لـ"بن لادن" وأمثاله في هذا العالم أن ينفذوا عملية إرهابية كبيرة واحدة، لولا وجود دول تدعمه، ليس بسـبب ظنّها أنه رجل رائع يستحق الدعم، ولكن لاعتقادها ببساطة أنه يخدم مصالحها".





















