حرب الأضرحة مع الأمريكان
إرهابيون عند الأمريكان أولياء عند الأفغان والباكستان
وعندما لقي ستة من هؤلاء العرب الأفغان حتفهم في اشتباك الفرار مع القوات الباكستانية في 20-12-2001 بالمنطقة نفسها هرع القبائليون بقرية "بكزي" لاستخلاص جثثهم من السلطات الباكستانية وتنافس المئات على استحواذ جزء من متروكاتهم للتبرك بها؛ فهؤلاء القتلى "د إسلام شهيدان" أي شهداء الإسلام قتلتهم " ترورستى ..ظالمة أمريكه"، كما وصفهم لنا أهالي القرية.
وليلة دفنهم – ذرف الآلاف من قبائل الباتان الشرسة الدموع على فراق من لم يلقوهم وألقوا النظرة الأخيرة على وجوه من لم يرونهم أبدًا، ولكنهم "مسافر.. مظلوم.. مسلمانان" حسب لغة البشتو كما وصفهم المولوي "شير محمد" في موعظة دفنهم قائلاً: "إنهم إخواننا في الدين والعقيدة حتى ولو لم نعرفهم أبدًا، ولا تتأثر هذه الأخوة بكونهم في تنظيم القاعدة أم غيرها، أو بكونهم متهمين عند أمريكا بالإرهاب أم لا، فنحن أمة واحدة ( يو أمة )".
وعند دفنهم يوم 21-12-2001 لم يبق في المنازل سوى النساء وتحولت الجنازة إلى مسيرة سياسية شارك فيها الآلاف هاتفين "مرك به أمريكا" أي الموت لأمريكا، ولكنهم لم يهتفوا "زندباد أسامة" أي يعيش أسامة بن لادن ،كما يروي لنا "نور الله" أحد شباب القرية.
وحينما أشرقت شمس اليوم التالي على أعلى قمة جبل القرية كانت قبور العرب -الموصومين بالإرهاب عالميا – قد أضحت "د شهيدانو زيارتونا" أي "أضرحة الشهداء"، وقد ازدانت بالأعلام والورود يؤمها الناس للتبرك والدعاء كعادات أهل البلاد التي تخالف السنة والأحكام، و يجتمع على البكاء عندها الشيعة والسنة رغم ما بينهما من خلاف ودماء هناك، وكأن مقتل هؤلاء قد تحول إلى عاشوراء سنية شيعية.
وعندما لقي أحدهم حتفه أثناء فراره من احتجازه بمستشفى قندهار سارع حراس سجنه الأفغان بالتبرك بمتروكاته، بل تمنى أحدهم "رياض محمد" أن يلقي نفس الموتة، أي "شهادت" على حد تعبيره.
ولما دفن 74 قتيلا من العرب وبعض الطالبان في مقبرة جماعية على حواف قندهار أصبحت المنطقة "د شهيدان قبرنا " أي مقبرة الشهداء، وتحولت إلى ساحة لـ "حرب الأضرحة" يقيمها نهاراً الأفغان الذين يعتبرونهم "أولياء الله" ويهدمها ليلاً رجال الأمريكان الذين يرون هؤلاء أولياء للشيطان والإرهاب.
قدموا لهم الطعام
|
|
فقام سكان المنطقة بما فيهم أهل التشيع ( الشيعة ) بتقديم الطعام والفراش لهم في السجن، رغم أن الشيعة والسنة بينهم هنا عداوة طويلة ودماء. وفي صباح 20-12-2001م قسمتهم القوات الباكستانية في أربع حافلات لنقلهم إلى سجن "كوهات"، وذلك بمعية الحراس من قوات الأمن الباكستانية، ثم تحركت القافلة المكونة من أربع حافلات إلى كوهات حوالي الساعة 11 قبل الظهر، وعندما وصلت القافلة إلى قرية "أرولي" حوالي الساعة الواحدة ظهرًا، قام المجاهدون العرب في إحدى السيارات التي تقل على متنها "48" مجاهدًا بالهجوم على الحراس الموجودين في الحافلة، واستطاعوا أن يأخذوا منهم الأسلحة، وهذا يعني أن أيديهم لم تكن مربوطة، وبدأ الاشتباك بينهم وبين رجال قوات الأمن الباكستاني، وهجم بعض العرب على السائق، وأرادوا أن يجبروه على الرجوع إلى الوراء أو التوقف ولكن السائق قاوم وأبى، فخرجت السيارة عن التحكم و انقلبت، فأدى ذلك إلى مقتل ثلاث من العرب واثنين من رجال القوات الباكستانية. ونجح الباقون في الخروج من السيارة، و بدءوا يفرون هنا وهناك. وفتحت القوات الباكستانية النار عليهم لمنعهم من الفرار.
وكما قلنا: إن بعض العرب استطاعوا أن يأخذوا من رجال الجيش الباكستاني السلاح، فقام ثلاثة منهم بإطلاق النار على القوات الباكستانية لمنعها من ملاحقة العرب الذين فروا من الحافلة، وقد قتل هؤلاء الثلاثة بعد اشتباك استمر بينهم وبين القوات الباكستانية لمدة ساعة. في حين نجح الباقون في الفرار إلى الجبال القريبة من قرية "نرالي"، واختفوا هناك في كهف وسط الجبل.
أما عن سبب قيام العرب بذلك فهناك آراء مختلفة بين الناس منها: أن الخطأ كان من قبل القوات الباكستانية؛ حيث إن رجال القوات الباكستانية كانوا يقولون للعرب إننا نسلمكم لأمريكا، فغضب العرب وقاموا بالهجوم.
دموع الصقور وغقغقتها
|
|
واجتمع جميع السكان عندهم يقرؤون القرآن الكريم طوال الليل، وفي صباح 21-12-2001م اجتمع سكان المناطق القريبة والبعيدة، بل كل من وصلهم خبر الجنازة، في قرية بكزي لتشييع الشهداء الثلاثة.
أما أسد الله وهو طالب في إحدى المدارس الدينية من قرية بكزي فيقول: لقد شاركت بنفسي في جميع مراسم تجهيزهم ودفنهم، ولم أرَ طيلة حياتي جنازة بهذه الأعداد الكبيرة في منطقتنا، فكانت جنازة تاريخية، حيث وصل عدد المشاركين إلى "8000" شخص. وكان الناس رجالاً وأطفالاً وحتى النساء يتمنون أن يلقوا النظرة الأخيرة على وجوه هؤلاء الشهداء الأبرار؛ ولذلك سمح العلماء للناس أن يروهم، فكانوا يمرون أمام توابيتهم المفتوحة في صفوف منظمة حتى يتمكن الجميع من رؤيتهم. وكان جميع المشاركين في التشييع يبكون، وكانت الدموع تنزل من أعينهم رغم ما يعرف عن قبائل الباتان من أن عيونهم عين صقر، ولكن يبدو أن القلوب كانت تتمزق على هؤلاء الغرباء (مسافران) البعيدين عن أوطانهم وأسرهم.
وأضاف: أنني أعتبر قلبي قاسيًا، ولكنني لم أتمالك نفسي فبكيت بكاءً شديدًا على هؤلاء الشهداء. ومن يستطيع أن يتمالك نفسه في تلك اللحظات المحزنة حتى لو كان قلبه من الحجر لانفجر باكيًا.
و تلمع عيناه وهو يقول: إن مراسم الجنازة قد تحولت إلى اجتماع ديني سياسي؛ حيث قام فيه العلماء بإلقاء الخطب الرنانة ومنهم: المولوي شير محمد، والمولوي صدر الدين من المنطقة، وهتف الناس بالتكبير، كما رفعت شعارات ضد أمريكا والحكومة الباكستانية الموت للأمريكان (مرك به أمريكا)، ولكن لم يهتف الناس بالحياة لـ"بن لادن"، وقد قال مولوي شير محمد في خطبته: "إن أمريكا دولة إرهابية ظالمة – تروستي ظالمة أمريكه -، وتريد أن تخوض الحرب ضد الإسلام في العالم كله، وهذه بداية الحروب الصليبية، ونحن أمة واحدة كالجسد الواحد، وقد أظهر الناس حماسًا كبيرًا، حيث لم يبق أحد في بيته، بل الجميع حضر إلى مراسم التشييع، وبكوا على الشهداء".
وهكذا ذرفت صقور الباتان دموعها على العرب الغرباء ( مسافران عربان )، في حين دوت غقغقتها ضد أمريكا الظالمة ( ظالمة أمريكه ).
ويضيف أسد الله: لقد وجدنا في جيوب الشهداء بعد التفتيش من قبل العلماء المصاحف والسواك والفاكهة الجافة وكسرة الخبز الجاف وكمية من الدولارات، وقد تم تخصيص هذه الدولارات لبناء الضريح عليهم، وأضاف نور الله: وقد تم دفنهم على قمة الجبل كلهم جنب بعض في قرية بكزي إجلالاً لهم، ونصب الناس على قبورهم الأعلام ووضعوا - وما زالوا يضعون - عليها الورد والعقود الجميلة، وبدأ الناس حتى من المناطق البعيدة وخصوصًا النساء يأتون إلى قبورهم، ويدعون لهم ويتضرعون إلى الله، يبكون، ويطلبون من الله قضاء حاجاتهم متوسلين بهؤلاء الشهداء. وينظرون إليهم بأنهم أولياء من أولياء الله، ويرجون أن يتقبل الله دعاءهم بسببهم مع أنني -كطالب للمدارس الدينية -أعرف أن هؤلاء الشهداء يعتبرون هذه الأمور وفق مذهبهم الوهابي بدعاً بل شركاً، ولو تحرك أحدهم في قبره لركل برجله ما أقيم عليه من أضرحة.
وقد عثرنا في جيوب هؤلاء الشهداء – والحديث مازال لأسد الله - على بطاقاتهم التي تحمل أسماءهم فهم: أسامة، وخالد، وساعد. وكتبت أسماؤهم وتاريخ شهادتهم والمنطقة على لوحات رخامية، ونصبت تلك اللوحات على قبورهم، والشباب في المنطقة يجمعون التبرعات باسم هؤلاء الشهداء ويرتبون محافل ختم القرآن الكريم ويهبون أجرها لأرواح الشهداء.
على قارعة الطريق: "د.شهيدانو زيارتونا"
|
|
وأضاف: من كثرة عدد المشاركين في الجنازة لم يكن صوت الإمام يصل إلى الصفوف الخلفية؛ ولذلك تعين البعض في الصفوف الوسطية ليرفعوا أصواتهم بالتكبيرات – كمبلغين -ليسمعها الصفوف الخلفية.
بكاء المرء أمه وأباه
|
|
وأضاف ثنار: أن الناس قد تنازعوا فيما بينهم على ملابس الشهداء الزائدة وأحذيتهم، فالكل يريد أن يحتفظ بها في بيته للبركة، وذكرى لهؤلاء الشهداء العرب، وأن الناس يأتون إلى قبورهم ويقرؤون القرآن وسورة يس عندها، ويدعون من الله حوائجهم متوسلين بهم رجاءً أن يتقبل الله دعاءهم، كما أن الناس يذبحون لديها الأغنام صدقة لله سبحانه.
و يستطرد قائلاً : أظن أنه لم تبق امرأة في منطقة كرم إيجنسي إلا وجاءت لزيارة قبورهم، مع أن هناك بعض المحذور الشرعي، ولكن حبًا في هؤلاء الشهداء العرب تأتي النساء إلى قبورهم ويدعون لهم ولأنفسهن ويتوسلن بهم إلى الله.
وأضاف: "لقد انتشر الحزن والغم في المنطقة كلها بقتلهم، وأعرف بعض الذين مرضوا لأيام من شدة الحزن على قتلهم، وكنت أرى في وجوه الشباب والشيوخ آثار الحزن، وعندما تسألهم عن سبب الحزن يبدأ يبكي ويتذكر هؤلاء الشهداء وغربتهم وبعدهم من الأسر والأقارب والبلاد وأنهم مسلمون قتلهم الأمريكان عدواناً وظلماً".
حرب الأضرحة في قندهار
|
|
وتشتعل حرب الأضرحة في معقل طالبان مدينة قندهار، حيث دفن 78 عربيا هلكوا في القصف الأمريكي على مطار قندهار ودفنوا على حواف المدينة على ضفاف "لويه واله " أي جدول المياه الكبير، وليصبح اسم المنطقة بلغة البشتو (شهيدان قبرنا) أي مقابر الشهداء.
ويقول عبد الباري أحد الزوار الدائمين لهذه المقابر: "إن أهالي المنطقة تلقوا أشلاء جثث 24 من الشهداء العرب وبعض الطالبان، ثم ارتفع عددهم إلى 78 وأضاف: لقد دفنوا في مقابر زينت بالأغلفة والأعلام والوشاحات الملونة، تلك المقابر التي أنشئت خصيصا للعرب، وما لبثت أن تحولت إلى أضرحة ومزارات يأتيها المئات من الناس يوميا".
ويضيف عبد الباري: "حينما أدرك الجنود الموالون لوالي قندهار "شيرزي" ما يمكن أن تمثله مقابر هؤلاء العرب - الذين يعتبرونهم إرهابيين - لدى العامة، تسللوا في الظلام لينزعوا الأعلام والزينات التي وضعها سكان المدينة على مقابر وأضرحة هؤلاء الشهداء وليقوضوا بعضا من أحجارها مما جرح مشاعر هؤلاء السكان وأثار مشاعرهم العدائية تجاه القوات الحكومية التي يعدونها تابعة للولايات المتحدة الأمريكية".
رد فعل القندهاريين تجاه هذا الأمر نتبينه في كلمات الطالب "عطا محمد" الذي قال: إن القوات الحكومية تدرك جيدا أنهم لم يكونوا قادرين على إتيان فعلتهم الشائنة هذه في وضح النهار وسط جموع الزائرين الذين أموا المكان للتبرك والصلاة، وهكذا اختاروا الظلام ليجرحوا مشاعر زوار الأضرحة.
أحد هؤلاء الزوار - كما جاء عن وكالة الأنباء الباكستانية في 21- 1 – 2002- كان " عبد المنان " الذي ما إن فرغ من صلاته في أحد هذه المزارات حتى علق قائلاً: إنهم شهداء، لقد دفعوا حياتهم ثمناً للدفاع عن أفغانستان في مواجهة مع الطغاة.
لقد أصبحت هذه المقابر مزارا للعديدين يوميا بعد صلاة الصبح وقبل صلاة العشاء، أما يوم الخميس فيتوجه المئات لزيارة الأضرحة تبركا بها ويوزعون الصدقات على الأطفال والمحتاجين، ويدخل المصلون إلى هذه المقابر ليمارسوا طقوس التبرك بالأولياء - التي اشتهرت عنهم كممارسة أصيلة - فينثرون الحب على المقابر آخذين بحفنة من تراب القبر لمضغه ظنا ببركتها، هذا ويسمى البشتون يوم الخميس بيوم "زيارات"، حيث جرت العادة على أفضلية زيارة القابر والأضرحة فيه.
أما إيمان الناس بما يأتون من طقوس على هذه الأضرحة فيرجع إلى بقايا إجلال للعربي على أنه منتسب للرسول، ويرجع أساسا إلى النظر إلى هؤلاء كشهداء، بل حتى الجنود الذين كانوا يقومون بحراسة هؤلاء المقاتلين في المستشفى قد تنازعوا بقايا ومتروكات أحد الشهداء وهم يأكدون أنهم يشمون منها عطره..عطر الشهادة، وهذا تماما ما قاله "رياض محمد" أحد هؤلاء الحراس والذي فاز بقطعة من بقايا ملابس الشهيد: "إنني أتمنى أن ألقى هذه الميتة.. إنها الشهادة، تستطيع أن تشم رائحتها من ملابسه ومتروكاته، لقد لقي ربه شهيدا".
ومن اللافت للنظر أن مكانة القتلى العرب وأضرحتهم في الجنوب عند القبائل البشتونية في أفغانستان وباكستان، ولم تتكرر في شمال أفغانستان، حيث هلك العشرات منهم. ويبدو أن السبب هو تورط العرب الأفغان هناك في الحرب الأهلية بقتالهم تحالف الشمال لمصلحة طالبان.




















