في فلسطين
وفود الحماية الشعبية.. كسر جدار الصمت
وهو ما أثار فيّ مئات الأسئلة التي قفزت في ذهني رغم الأجواء المحيطة؛ فما الذي أتى بهؤلاء الوفود ليتضامنوا مع شعب صم العالم آذانه عن سماع إغاثته؟ ما الذي دفعهم إلى القدوم إلى مناطق الخطر والقصف والدمار؟ ثم إنهم "أجانب" فهم ليسوا "عربا"، فلا الأقصى الذي يثور الفلسطينيون لأجله لهم، ولا فلسطين العربية صرخت "وافرنساه" حتى يأتي هؤلاء مهرولين نجدة لها!!
سأتحدث في بلادي
"نحن نعرف من هو الإرهابي الحقيقي، الإرهابي هو شارون، ولا لبس لدينا في ذلك" بهذه الكلمات كشف لنا "بيير فانك" -عضو البرلمان السويسري عن مدينة جنيف، عضو حملة التضامن الدولية لتقديم الحماية للشعب الفلسطيني- النقاب عن حقيقة ما يجري على أرض فلسطين بعد أن لمس حقيقة المجازر التي تُرتكب بحق شعبها بمشاركة وفد جاء من عدة دول أوروبية.
وتابع "فانك" ليوضح أهم أهداف هذه الحملة ووظيفتها في هذه الظروف. وأضاف أن الحملة للتضامن مع الشعب الفلسطيني جاءت إلى فلسطين لترى الأمور بعينيها حتى عندما يعود أعضاؤها إلى بلادهم فسيعملون على كسر مؤامرة الصمت الدولية تجاه ما يجري في فلسطين وتغيير الصورة التي تم تصويرها عن الشعب الفلسطيني، وقال: "إذا أردنا الحديث عما رأينا فإننا بحاجة إلى عشرات الساعات، ولكن لن أتحدث هنا، ولكن عندما أعود إلى بلادي سأتحدث مطولا".
سنحاصر السفارة الإسرائيلية
ورغم محاولات التضييق التي بذلها الإسرائيليون بعد اجتياحهم لمدن الضفة الغربية لمنع الوفود الأوروبية من دخول هذه المدن فإن أكثر من ثلاثين من أعضاء هذه الوفود قد أصروا على تقديم أنفسهم كدروع بشرية بجوار الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات المحاصَر في رام الله، بل وانتشر بعضهم في عدد من المدن الفلسطينية في الضفة الغربية ليواصلوا التصدي للعدوان الإسرائيلي وقوات الاحتلال التي بذلت قصارى جهدها لمنع هذه الوفود من مطالعة ما يجري للشعب من عدوان بإطلاق الرصاص عليهم، رغم شارة التضامن المعلقة على صدورهم. ولم تكفِ المضايقات التي تعرضوا لها من قوات الاحتلال، والتي دفعت إلى ترحيل بعضهم بعد اعتقاله. وأكد فانك أن مهمتهم لن تتوقف عند هذا الحد، ولن تستجيب لهذه الإجراءات، وقال بلهجة غاضبة: "فور العودة لبلادنا سنعمل على التظاهر بشكل واسع ضد إسرائيل إلى جانب ما تم على المستوى الأوروبي من مظاهرات في الأيام الماضية، كما أننا سنقوم بمحاصرة السفارة الإسرائيلية".
وتابع: "فانك" بكل حماسة موضحا ما سيقومون به في بلادهم "إذا سألنا لماذا تمنعون العاملين في السفارة من الدخول إليها فسنقول: هذا عقاب لهم على منعهم الفلسطينيين من الوصول إلى الأماكن التي يرغبون في الوصول إليها".
ولم يشفع لهذه الوفود حملها لجنسية بلدان لها وزنُها على الصعيد الدولي، ولبعضها علاقات إستراتيجية بالكيان الإسرائيلي - أن تكون بعيدة عن تنكيل جنود الاحتلال ومستوطنيه بهم بل وإطلاق الرصاص عليهم وإصابة عدد منهم.
جيش ضد إرادة
ولن تتوقف أنشطة هذه المنظمات عند هذا الحد، بل ستضغط على حكوماتها، فقد أضاف "فانك" أنهم سيقومون بالضغط على حكوماتهم للعمل على قطع علاقاتها مع إسرائيل عقابا لها على ما ترتكبه من جرائم بحق الشعب الفلسطيني، مؤكدا أن إسرائيل تنتهك بشكل خطير القانون الدولي وحقوق الإنسان واتفاقية جنيف الرابعة في الأراضي الفلسطينية.
لم يكن هذا موقف "فانك" وحده؛ فقد أيده فيه صديقه ومرافقه في الحملة الفرنسية "ألن مالفتي" الذي قال والدهشة تعلو وجهه: "إن أهم ما لمسته هو المستوى الأخلاقي والنضالي الذي شاهدته في أعين الشعب الفلسطيني في نضاله؛ فهو يحارب ببسالة رغم أنه أعزل سوى من سلاح شخصي لا يُجدي مع الأسلحة المتطورة التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي".
في هذا الوقت قاطعته زميلته السويسرية "إليان فرانس" قائلة: "صُدمت بما شاهدته رغم متابعتي للوضع في الأراضي الفلسطينية عبر الإعلام من قبل، إلا أن الوضع أفظع بكثير عما كنت أتصور، وتابعت تقول: إن مستوى عدم التوازن واضح في هذا الصراع خاصة مع وجود احتلال عسكري مزود بكل آلات الحرب أمام شعب مدني لا يملك إلا إرادته.
ويؤيدها الرأي زميلها المشارك في الحملة أيضا المدرس الأسباني "آرنو" الذي قال: "سنطالب دولنا بفرض عقوبات اقتصادية على إسرائيل؛ لأن ما يجري في الأراضي الفلسطينية تمييز عنصري، وسنعمل على اتخاذ كافة أشكال النضال ضد هذا التمييز الذي يطابق ما مُورِسَ في جنوب أفريقيا، وأنه لا بد من توفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني".
مع "ديفيدو" تحت القصف
"أتيت هنا بصفة شخصية لأتضامن مع الشعب الفلسطيني".. هذا ما قاله المواطن الفرنسي "دفيدو ميشيل" موضحا الدافع وراء وجوده في مدينة غزة التي تستعد للذبح، ويعاني أهلها من حالة تأهب وحذر من تعرضها لاجتياح من قِبل الجيش الإسرائيلي بعد أن يفرغ من اجتياح الضفة في مثل هذه الأوضاع.
وتابع ديفيدو - ذو الأربعين عاما الذي يمثل منظمة اتحاد الفلاحين الفرنسية، وهو ينظر إلى الدمار الذي حل بأحد مواقع قوات الأمن الفلسطيني وسط غزة-: "أريد أن أساعد الشعب الفلسطيني هنا في هذا المكان، وأريد أن أبلغ أعضاء منظمتي وأبناء الحي الذي أنا فيه وباقي الناس في فرنسا وأوروبا بما يجري هنا على أيدي إسرائيل.
وفي أثناء الحديث مع ديفيدو جاء تحذير من قوات الأمن الفلسطيني بضرورة الابتعاد عن موقع القصف لوجود طائرات إف 16 الإسرائيلية تحوم في سماء المدينة، واحتمال تعرض المدينة بالكامل للقصف والاجتياح، خاصة مواقع قوات الأمن فيها، لم ننتظر ابتعدنا بسرعة ومعنا "ديفيدو"، وما إن التقطت نَفَسي حتى سألته عن شعوره في هذه اللحظات؟ التقط أنفاسه هو الآخر، وبدأ يتكلم، وقد تغير وجهه: "إنها ثورة، وأشعر أنه لا يوجد عدل؛ فلا ترى إلا ضحية تتعرض للتنكيل، ولا أحد يقف معها".
وهدأ "ديفدو" قليلا ليتابع وهو ينظر إلى مئات المواطنين الذين خرجوا إلى الشوارع ليستوضحوا حقيقة الأمر، وبصورة تدعو للاستغراب لكونهم لا يبدون أي مبالاة أو خوف، وقال: "أنا مندهش جدا من الفلسطينيين الذين ما زالوا محافظين على هدوئهم، ولم يصبحوا أكثر عدوانية تجاه الآخرين".
إليسا: إرهاب.. إرهاب!!
لم يكن هذا هو دافع "ديفيدو" وحده للمجيء إلى الأراضي المحتلة، فهذه "إليسا" وهي طالبة في إحدى الجامعات الفرنسية تقول بعد أن فضلت الوقوف بعيدا عن مكان القصف والاكتفاء بالنظر من بعيد قليلا: "هذه الاعتداءات ستدفع المواطنين الفلسطينيين نحو اليأس".
وقالت بصوت منخفض ينمّ عن حجم استيائها بما تشاهده: "هذا نسميه إرهابا، وإسرائيل هي الإرهاب".
وهنا تدخل زميلها "كمال" مقاطعا ومؤيدا ما قالته، وأضاف "كما ترى فهنا تُنتهك حقوق الإنسان، الأطفال والنساء يجرون هربا في الشوارع دون هدف بعد أن قامت الطائرات بعملية القصف الوحشي في وضح النهار".
و"كمال" -الذي ظننت من اسمه أنه عربي- أتى إلى هنا متضامنا ضمن الوفد الفرنسي، وأوضح أنه جزائري، ويعيش ويدرس في فرنسا.
نشعر بالخجل!!
ربما ما يشد الانتباه، ويدفع إلى الاستغراب أن هذه الوفود لم تقتصر على فئة معينة أو قطاع وحده، وهنا يقول إحسان البلعاوي أحد مرافقي الوفد المكون من عشرين مواطنا فرنسيا: "الوفد مكون من قطاعات مختلفة؛ منهم الطبيب، ومنهم العامل، ومنهم الأستاذ في الجامعة، وكلهم جاءوا تضامنا مع الشعب الفلسطيني، وللمطالبة بتوفير حماية دولية للشعب الفلسطيني".
كما لوحظ وجود عدد من كبار السن بين أعضاء الوفد؛ حيث لم يمنعهم هذا من تحمل مشقة السفر والمشاركة في حملة التضامن والحماية الشعبية، فهذا "ألبير جيكار" (عالم الأحياء الفرنسي الشهير، وقد جاوز الـ 55 عاما) وأبى إلا أن يكون على رأس هذا الوفد بعد أن علم من وفود سابقة حجم المعاناة، وأصر على القدوم بنفسه هذه المرة على رأس هذا الوفد.
أما "نتالي" -سيدة في الخمسينيات من عمرها، وهي ربة منزل- فقد قالت وهي تشير إلى باقي أعضاء الوفد: "إنني وأعضاء الوفد نشعر بالخجل والألم أمام معاناة الفلسطينيين والأطفال"، وتابعت لتشرح لنا سبب مجيئها إلى هنا في مثل هذه الظروف: "نحن هنا لنعرف حقيقة ما يجري، ولنُطلع العالم والمجتمع الدولي على هذه المعاناة التي لم يسبق لها مثيل".
فلسطيني.. تهمة للقتل!!
أما "جي يوما" الذي يعمل صحفيا في إحدى الصحف الفرنسية، فقد كان له رأي أكثر تشددا؛ حيث اعتبر أن إسرائيل بإجراءاتها العدوانية تكشف عن وجهها كدولة خارجة عن القانون، وأضاف وهو يلتقط صورا لبعض ما خلفه القصف أنه كان يسمع بمعاناة الفلسطينيين، إلا أنه صُدم من حجم وهول المأساة التي يعيشها المواطنون الفلسطينيون في ظل الإجراءات والسياسات الإسرائيلية، ووصف ما تقوم به قوات الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني الأعزل بأنه حالة حرب كاملة هدفها سحق الشعب الفلسطيني.
ولم تكن مشاهد القصف وحدها هي ما أثر في "جي يوما"؛ فقد أضاف مستذكرا ما حدث معهم قبل يومين على حاجز التفاح في خان يونس؛ حيث هزَّ مشاعره ورفاقه استهداف الأطفال من قِبل جنود الاحتلال، وقال: "يكفي أن يلقي طفل حجرًا كي يقتله جنود الاحتلال، بل يكفي أن تكون فلسطينيًّا كي تموت، وهذا أمر لا يمكن تخيله في أي مجتمع متحضر يدّعي الإنسانية"!!
ضمير نائم
انطلقت فكرة الوفود الأجنبية من مدينة "جنوة" بإيطاليا في يونيو من العام الماضي 2001 لتوفير الحماية الشعبية للفلسطينيين، وردا على التقصير الحكومي، وتأخر الموقف الرسمي في توفير حماية دولية للشعب الفلسطيني. ويؤكد "جبر وشاح" أحد المشرفين على الوفد، نائب المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن زيارة هذه الوفود لها أهمية قصوى في إيقاظ الضمير الإنساني للاطلاع على حجم الجريمة البشعة التي يقترفها الاحتلال يوميا بحق الشعب الفلسطيني.
مشيرا إلى أن مثل هذه الخطوات والأهداف تؤدي إلى أحداث ضغط على المؤسسات الرسمية والنواب في برلماناتهم ليتحركوا ويعملوا على الضغط على إسرائيل لوقف عدوانها المتواصل، وقال: "نأمل من خلال هذه الوفود الوصول إلى ضغط على الحكومات الأوروبية التي هي جزء من الأطراف السامية لترغم إسرائيل على الاعتراف بانطباق اتفاقية جنيف الرابعة على ما يجري هنا؛ ومن ثم الضغط عليها لتطبيقها عمليا.
لكن ما يثير التساؤل، ويؤرق ذهن كل فلسطيني ما زال يُذبح على مرأى ومسمع كل شاشات التلفزة العالمية: هل سيفلح بضعة مواطنين غربيين في وقف هذه المجازر، التي لم تفلح في وقفها كل النداءات والمناشدات الدولية، وفي الوقت الذي استنكفت فيه الحكومات العربية عن أداء جزء مما يتوجب عليها تجاه كل مواطن عربي يُذبح؟… ربما.




















