ثقافة المقاومة.. وعي متجدد بعد ثورة الغضب
المثقفون في العراق.. فلسطين إبداع الدم والقلم
وإذا كان الفنان العراقي الكبير "فاروق هلال" يقول: إن تعبيرات الغضب الشعبي بدأت تتجسد فنيا منذ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية في الثامن والعشرين من أيلول عام 2000 فإنها بلغت ذروتها في الأيام الأخيرة؛ حيث أصبح الفنان والمثقف وجها لوجه أمام تحد كبير، لا يستهدف كيانه وتاريخه، وحضارته، وإنما يستهدف إبداعه أيضا.
لقد بدأ المواطن في العراق ينسجم مع ألحان جديدة ربما قُدر له أن يرددها أثناء المسيرات الكبيرة الضخمة التي طافت شوارع بغداد للتنديد بالعدوان الصهيوني، وظهر أن رموزا فلسطينية يحققون حضورا في الذاكرة العراقية مثل محمد الدرة، وعبد الباسط عودة بطل عملية ناتانيا التي حدثت في 30-3-2002، ووفاء إدريس وآيات الأخرس ومهند أبو الهيجا الذي قتل أكثر من عشرة صهاينة في التاسع من إبريل الجاري.
يقول الفنان فاروق هلال: "إن كتّاب الأغنية الوطنية أخذوا يستلهمون الوقائع والرموز وتوظيفها في أعمال غنائية، وقد تنادى الفنانون إلى تحقيق نوع من التعبئة لإنتاج أغانٍ وطنية تتغنى بمجد الشعب الفلسطيني الذي يتصدى لخطر الحقد الصهيوني، وأسفر ذلك عن إنتاج أغانٍ عديدة من ألحان الفنانين فاروق هلال وخالد إبراهيم ووليد جرجيس وغيرهم.. وكذلك قامت فرقة الإنشاد العراقية بأداء أغنيات جماعية بإشراف الفنان عباس جميل. وحيث إن هذه الفرقة من أهم الفرق الغنائية التي توقفت عدة سنوات، وأعيد تشكيلها بعناصر جديدة واهتمام كبير فإن أداءها لهذه الأغاني الوطنية يعتمد على اهتمام خاص من قِبل كبار الملحنين من أمثال عباس جميل نفسه".
الغناء للوطن فقط
وليس هذا فحسب، إنما اتفق الخط الأول من المطربين العراقيين الكبار على التوقف عن أداء الأغنيات الوجدانية والتفرغ لأداء أغنيات وطنية، وقد كان الاتفاق ناجحا في أغنية اشترك فيها مطربون كبار، مثل: طالب القرة غولي، وياس خضر، وحميد منصور.
ويوضح الفنان هلال أن الفرصة كانت متاحة لأداء أغنيات تمجد الإرث العربي في القتال وشهرة الفارس العربي في مواجهة خصومه، وكيف أنه حتى في القتال يظل عفيفا يتمتع دائما بأخلاق الفرسان على عكس أخلاق (شارون) الذي يسحق النساء والشيوخ والأطفال، ويهدم المنازل على ساكنيها، ويدمر الأرض، ويهتك العرض، ويقتلع الزرع والضرع.
وفي هذا المجال فقد أدى بعض المطربين من كلمات نزار جواد وعقيل علي أغنيات بدوية يظهر فيها المقاتل العربي بسيفه وهو يتقدم على صهوة جواده ليتدارك القدس، ويحميها من المحتل.
وقد دعت نقابة الفنانين العراقيين إلى إحياء مسيرة احتجاجية خاصة، اشترك فيها الفنانون من كل أنحاء العراق فأطلقوا هتافات غاضبة، وقال أحد الفنانين: إننا يجب أن نكون في المقدمة، ولأن الفنانين وضعوا قضية فلسطين موضع الاهتمام الخاص بحيث تنشغل الساحة الفنية الآن بهموم ذات نمط بطولي ليس على مستوى الأغنية فقط.
لفلسطين.. لوحات فنية ومسرحية
ولقد أقامت جمعية الفنون التشكيلية معرضا للكثير من الفنانين عرضت لوحاتهم في الهواء الطلق تعبيرا عن شعورهم العالي بضرورة التزامهم بموقفهم إزاء قضية القضايا في الضمير العربي فلسطين، كما عبر الشعراء الشعبيون بقصائدهم الحماسية عن رغبتهم بالذهاب إلى فلسطين والشهادة من أجل القدس المغتصبة.
أما على صعيد المسرح فقد كان الموضوع أكثر سخونة؛ حيث دعت لجنة المسرح العراقي إلى إقامة مهرجان خاص يتناول قضية الانتفاضة أطلق عليه مهرجان الأقصى حيث من المؤمل أن يبدأ في نهاية إبريل؛ إذ باشر المخرجون بإعلام اللجنة بالمشاركة في أعمال صارت ورشات المسرح تنشغل في التدريب عليها، سواء في مسرح الرشيد أو المسرح الوطني أو منتدى المسرح. وقد قدم المخرج المعروف فلاح شاكر مسرحية وفاء إدريس من بطولة الفنانة العراقية المعروفة عواطف السلمان تجسد فيها حياة هذه البطلة الفلسطينية الاستشهادية التي حملت روحها على كف من تراب من أجل أن تنكأ جرحا فلسطينيا صار الأبطال الآخرون يتسابقون.. كل يحمل روحه على كف من تراب الوطن لكي يندمل الجرح وتنهض فلسطين.
إن المخرج فلاح شاكر وجد في وجه عواطف السلمان ملامح الشهيدة ذاتها، فأطلق فيه نداء تلك الفتاة الفلسطينية الباسلة التي تقف في قامة عواطف السلمان لتدعو كل العرب إلى فهم الدرس وتلاوته باستمرار.
هذا، وقد شهد المسرح العراقي في الأيام الأخيرة عودة تلبي الأعمال التي تناسب الظروف من قبيل مسرحية (اكتب باسم ربك) للمخرج محسن العلي التي تحكي جانبا من الكفاح الوطني.
الجامعات تعانق الساحة الثقافية
الساحة الثقافية في العراق ظلت تعتمل بالغضب، وكان المثقفون كلما شاهدوا على شاشات التلفزيون صور الكارثة التي يصنعها الكيان الصهيوني بحق شعبنا الفلسطيني ازدادوا حنقا.. وإبداعا.. ففي الميدان الشعري نظم الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مهرجانا شعريا قرأ فيه عدد من الشعراء قصائد ملتهبة تحرض العرب على أن يصطفوا في خندق فلسطين التي يقتلها الأشرار.. وقد جاءت معظم القصائد من النوع العمودي لكي تستطيع التجاوب مع المناخ الذي يتطلب إيقاعا شعريا صاخبا وثوريا وحماسيا قد لا تلبيه قصيدة النثر أو قصيدة الشعر المرسل.. وقد خصص الاتحاد أمسياته المعتادة ليوم الأربعاء لقضية فلسطين، فقدم الشعراء والكتاب قصائد وكلمات في هذا المعنى.
بيد أن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق لم يكتفِ بذلك؛ فقد وجّه نداء إلى كل الأدباء في الوطن العربي من المفكرين والأدباء والكتاب إلى استعمال جميع وسائل الضغط المتاحة لوقف الهجمة الوحشية الإجرامية التي يتعرض لها أبناء الشعب العربي الفلسطيني المجاهد على أيدي القوات الصهيونية وبأسلحة الدعم الذي تقدمه إدارة الشر الأمريكية لمجرم الحرب شارون وكيانه الغاصب.
ومن جهة أخرى، عبرت الجامعات العراقية من خلال أنشطة عديدة عن مساهمتها بالاحتجاج، وقد اكتظت قاعات ونوادي الكليات بالطلبة الذين شاركوا بالتعبير عن وقوفهم المصيري مع الإخوة في فلسطين، وتواصل كلية العلوم السياسية في جامعة صدام ندواتها، ومنها ندوة "الإستراتيجية الصهيونية والاختلالات الناشئة من مفارقة ميزان القوى" التي يشارك فيها مجموعة من الباحثين بإدارة الأستاذ الدكتور مازن الرمضاني عميد الكلية الذي قال:
" هذه الندوة والعدو الصهيوني يرتكب في كل يوم وفي كل ساعة وفي كل لحظة أبشع الجرائم وأشدها شراسة وإجراما بحق الأرض الفلسطينية ومقدساتها وشعبها من حصار وتقتيل وتدمير للإنسان والحجر والشجر، فها هي القطعان الهمجية تجتاح أرض فلسطين، وتحدث الخراب والدمار، وتقصف، وتقتل كل شيء؛ فلم يسلم الشيخ ولا الطفل ولا الرضيع ولا المرأة المسنة ولا المرأة الحامل. ولم تكتفِ الوحوش الهائجة بالأرض والإنسان؛ فأخذت تصب حقدها وعدوانيتها على المقدسات؛ فأحرقت الكنائس، ودمرت المساجد، واغتالت فرق الإسعاف الفوري، واعتدت على المراقبين الدوليين وأولئك الذين جاءوا من أوربا لمناصرة الشعب الفلسطيني".
قاطع المركز الثقافي الأمريكي
وحث في بيان وجهه إلى الأمانة العامة للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب وإلى الاتحادات والروابط الأدبية العربية لمقاطعة ما يسمى بـ (المراكز الثقافية) الأمريكية المفتوحة في عدد من عواصم الأقطار العربية التي تمثل واجهات للتغطية على عمليات التجسس التي تمارسها الهيئات الدبلوماسية الأمريكية والتي تخدم من خلالها كيان الاغتصاب العنصري الصهيوني.
ودعا البيان إلى أن تتولى الاتحادات والروابط العربية الشقيقة توسيع مهمات التثقيف الشعبي باتجاه مقاطعة البضائع والأنشطة التجارية والاقتصادية الأمريكية في الوطن العربي.
وقد عمدت المؤسسات الثقافية الأخرى في العراق إلى توجيه نداءات مماثلة، مثل: بيت الحكمة والمجمع العلمي العراقي، والاتحاد الفلسفي العربي الذي يتخذ من بغداد مقرا له..
ويطلعنا الدكتور عبد الأمير الأعسم رئيس الاتحاد الفلسفي العربي رئيس قسم الفلسفة في بيت الحكمة أن هذه النداءات بشكل عام تنطلق من اعتبار قضية فلسطين كفاحا قوميا ضد طغيان الصهاينة المجرمين والطاغوت الإمبريالي الجديد بزعامة أمريكا، وأن انتفاضة الشعب العربي في فلسطين إعلان صريح ضد التعسف الصهيوني وفضح للجرائم الكبرى التي تقترف بحق إنسان هذا العصر في إلغاء هويات الشعوب وتدمير الأخلاق وسلب الحقوق واغتصاب العقل العربي.
وقال: إن هذه النداءات تدعو الأشقاء العرب أفرادا ومؤسسات إلى الإعلان الصريح لمساندة الحق الفلسطيني، والرفض والاحتجاج بكل الوسائل لما يقوم به الكيان الصهيوني من جرائم مستمرة، والمطالبة بقطع العلاقات السياسية العربية مع الكيان الصهيوني، والاندفاع نحو الحق الفلسطيني بمقاطعة النشاط الاقتصادي الأمريكي بكل صنوفه، ومطالبة حكومات الأنظمة العربية والحكومات الأجنبية الصديقة باستنكار البشاعة التي تتصف بها أفعال الصهاينة في فلسطين.
كما قام "بيت الحكمة" بعقد ندوات ومحاضرات لكشف الجرائم الصهيونية في التاريخ الحديث، وتجاوزها على الأديان والمقدسات في فلسطين، ومطالبة العالم الإسلامي بالوقوف من القضية الفلسطينية موقفا صارما؛ لأن ما يفعله اليهود في فلسطين إهانة لمقدسات الإسلام والمسلمين في العالم. ومناشدة المرجعيات المسيحية في العالم والفاتيكان للإعلان عن جرائم الكيان الصهيوني في كنائس فلسطين، خصوصا كنيسة المهد التي هي رمز المسيحية في العالم، والإفصاح عن الفكر الحر ضد الطغيان الصهيوني.
الصحف والصحفيون
كما أقامت نقابة الصحفيين العراقيين تظاهرة واسعة، شملت جميع الصحفيين العراقيين، ورفعت شعارات التنديد ضد أمريكا راعية الشر، وضد إسرائيل منفذة الشر والإرهاب، فضلا عن إقامتها أمسيات صحفية وندوات في مقر النقابة ونادي الإعلام لمدارسة ومناقشة القضية الفلسطينية وما آل إليه مصيرها. وقد شجب الكثير من الصحفيين العراقيين سواء عبر مقالاتهم أو من خلال مناقشاتهم الأساليب التي تتبعها أمريكا في مساندتها للصهاينة، وطالبوا بعض الدول للوقوف بحزم من أمريكا.
من جهة أخرى حفلت الصحف العراقية اليومية والأسبوعية بالمقالات والدراسات والتقارير والتحقيقات التي تندد بالهجوم الصهيوني على مدن الضفة الغربية واحتلالها الهمجي لها، واتباعها أساليب القتل الجماعي العشوائي الذي لا يفرق بين طفل وامرأة ورجل كبير.
وقال الكاتب السياسي "مازن عبد العزيز": إن التداعيات الخطيرة التي أسفرت عن حملة الإبادة والقتل والتدمير التي يقوم بها العدو ضد شعبنا الفلسطيني جعلت الاحتجاجات تتصاعد وتتعالى بشكل يشير إلى أن الشارع العربي ليس فقط لا يقبل بالمهانة والذلة التي يمارسها الصهاينة ضد أبناء شعبنا العربي في فلسطين، وإنما يدعو حكوماته إلى الإسراع بالمواجهة الحقيقية النابعة عن الشعور الديني بأن الشهادة من أجل القدس من أرفع الشهادات.
وتحدثت بعض المقالات عن المبادرة التي أطلقها العراق بقطع النفط عن جميع الشركات، وأسماها البعض بالمبادرة القومية لأجل أن يكون ذلك تمهيدا لمبادرات عربية تصب في الاتجاه ذاته، وقال الصحفي عبد الرحمن عناد: لقد توخت المبادرة العراقية ضرورة مواجهة التواطؤ القائم بين إدارة الشر الأمريكية والعدو الصهيوني، ودعا الدول العربية إلى الانسحاب من التعاون مع ما يسمى بمحاربة الإرهاب الدولي.
تابع أيضًا:
- المسيرة المليونية المغاربية.. قمة الاحتجاجات الشعبية
-
المثقفون في العراق.. فلسطين إبداع الدم والقلم
- السويسريون يحتجون بكل لون




















