مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

توغّل واقتناص

عماد حسين / 03-04-2001

Image
نعود إلى اتجاهات فتح، والتعرض للبعد الثاني في سياستها الجديدة، وقد تمثل في خطة تدريجية وضعتها منظمة فتح للتغلغل داخل منظمة التحرير الفلسطينية، والاستيلاء عليها، وبذلك يكون الممثل الشرعي للشعب والقضية الفلسطينية، هو بذاته منظمة فتح.

وبدأت الخطة في العمل بعد هزيمة 1967 مباشرة، واستثمرت أجواء الهزيمة في النظم العربية المؤيدة لمنظمة التحرير، وكذلك داخل المنظمة نفسها، وبدأت بدفع عناصر من فتح داخل اللجان المختلفة، ثم كانت الخطوة الثانية بتحريك اللجان نفسها لإظهار ضعف القيادة، ثم تتحرك اللجان بشكل أكثر حدة وتطالب في 14/12/1967 بتنحية السيد/ أحمد الشقيري عن رئاسة المنظمة..

وحاول الشقيري مواجهة هذا الوضع، ولكنه اضطر إلى التخلي عن مكانه في 24/12/1967، وتم تعيين السيد/ يحيي حمودة- أحد أعضاء اللجنة التنفيذية- رئيسًا بالوكالة (مؤقت) لحين انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني، وفي عام 1968، يخرج إلى العالم ياسر عرفات (أبو عمار) ليعلن أنه المتحدث الرسمي باسم منظمة فتح، وينعقد المجلس الوطني الفلسطيني، وتتحرك عناصر فتح داخل اللجان المختلفة، وتنجح في وضع أبو عمار- ياسر عرفات- على رأس اللجنة التنفيذية والمجلس العسكري للمنظمة عام 1968، وبالتالي يصبح رئيسًا لمنظمة التحرير الفلسطينية، ويعلن اندماج كل من منظمة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية بشكل كامل عام 1969م.

لماذا فتح؟

لا بد لنا- قبل ترك هذه النقطة- أن منظمة فتح لم تكن هي المنظمة الوحيدة المقاتلة في ساحة فلسطين، بل كانت هناك منظمات أخرى، ولكن فتح كانت أسبقها، كما كانت أكثر تنظيمًا، وتكاد تكون المنظمة المستقلة الوحيدة، بجانب ما كان لها من معارك مشهودة خلال حرب 1967، وأيضًا كان لها موقف شهير بعد 1967م؛ إذ أعلنت استئناف العمل المسلح فورً.

وانتقل ياسر عرفات إلى قلب القدس لينظم المقاومة المسلحة والسرية، وخاضت قوات فتح (العاصفة) تحت قيادة ياسر عرفات "معركة الكرامة"، حققت فيها انتصارًا- غير متوقع بكل المقاييس المادية المعنوية - مشهودًا على القوات الإسرائيلية عام 1968، وكانت هناك عدة معارك انتصرت فيها قوات العاصفة مثل معركة "بيت فوريك" و"التياسير"، وعملية "حراب فتح"، وعملية "الحزام الأخضر" وغير ذلك.. وكانت هذه المعارك محل تقدير من القريب والبعيد؛ مما دفع بمنظمة فتح إلى مكان الصدارة بين المنظمات الأخرى، وهذا دفع 15 ألف شاب للالتحاق بها خلال عام 1968 طواعية.

أنا على أخي وعلى ابن عمى

 
وقد تعرضت فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية إلى أزمات مع الدول العربية المواجهة لإسرائيل؛ فقد حاولت الأردن تقليص مساحة العمل الفدائي المنطلق من أرضها بعد حرب 1967، كما حاولت فرض صيغ رسمية تجعل الأردن شبه وصية على الوضع الفلسطيني في الأردن، وقد رفضت "فتح" هذا الأمر بشقيه، وتولى ياسر عرفات قيادة المنظمة في الساحة الأردنية.

وكان التشدد من الجانبيين دافعًا لانفجار الأوضاع بشكل دموي في أغسطس 1970، ويتدخل الجيش الأردني بعنف ضد المخيمات ومواقع ومعسكرات فتح في الأردن في سبتمبر؛ فتتدخل أطراف عربية لوقف الصدام المسلح، وتتواصل جهود عديدة حتى تتواصل الأطراف إلى عقد اجتماع وتوقيع اتفاق في القاهرة في 29 سبتمبر 1970، ولم يلتزم أي من الطرفين بالاتفاق، حتى تم تصفية كافة أشكال العمل المسلح الفلسطيني من الأردن.

وينتقل الوضع إلى لبنان، ويتولى ياسر عرفات قيادة الجبهة اللبنانية، ويحاول الجانب الفلسطيني التدخل في الحياة السياسية اللبنانية لضمان وضعه في المواجهة مع العدو الإسرائيلي، وهذا التدخل يجعل من وجوده أحد عوامل انفجار الوضع في لبنان، خاصة مع تدخل الجيش السوري الذي يصطدم مع العناصر المسلحة لفتح؛ فتتدخل فتح في انقلاب عسكري قام به قيادات عسكرية لبنانية، وتتطور الأوضاع إلى ما عرف بالحرب الأهلية اللبنانية (75-1979م)..

ولكن إسرائيل تبدأ في قمع الوضع الفلسطيني في لبنان، وتبدأ في عملية غزو شاملة للبنان عام 1982، وتنجح إسرائيل في ملاحقة التنظيمات من لبنان عام 1983 على سفن الأسطول المصري، وبذلك لا يتبقى حول إسرائيل عناصر فلسطينية مسلحة، ولكن يتبقى داخل جسم دولة إسرائيل 3 ملايين فلسطيني.

بريق السلطة

تعرضت منظمة فتح إلى أزمات داخلية عديدة، كان أبرزها على الإطلاق أزمتها عام 1966م، وهي الأزمة التي دفعت بمكتب الكويت إلى إصدار قرار بفصل عدة قيادات على رأسهم ياسر عرفات (أبو عمار). وبعد تسوية هذه المسألة بقليل ظهر تطاحن واضح على القيادة؛ مما دفع إلى عمليات تصفية جسدية لبعض قيادات المنظمة، اتهم فيها ياسر عرفات، وقد سجن هو وبعض القيادات الأخرى في سوريا لمدة تزيد على ثلاثة شهور، وقد صدر قرار سياسي بالإفراج عنهم مع محاكمة الشخص الذي أطلق الرصاص من مسدسه (وقد حكم عليه بالإعدام، ولكن الحكم لم ينفذ حتى الآن)..

أما المحنة الثانية؛ فقد كانت في انقسام قيادات فتح حول الحل السياسي الذي بدأ يتردد من بعد عام 1973-1974، وفي ظل هذا الخلاف بدأت إسرائيل تلعب بمكر ودهاء؛ إذ خططت لتصفية كافة القيادات المصرة على الجهاد المسلح كطريق وحيد للوصول للحق الفلسطيني، مثل اغتيال ثلاث قيادات في لبنان في 1973، وهي من قيادات العمل المسلح، كما اغتيل أبو جهاد في تونس عام 1988، وغير ذلك من الاغتيالات الإسرائيلية للقيادات الفلسطينية الجهادية.

وتبدأ قيادة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية سلسلة من الاعترافات، بدءًا بقرار 242 المقر بوجود دولة إسرائيل، ونبذ العمل المسلح ضدها، وعقد اتفاقيات التسوية السياسية، بدءًا من أوسلو 1991 إلى اليوم، وبسبب هذا الوضع كان لا بد للقضية الفلسطينية أن تبحث لها عن رجال جدد، يجددون ذكرى أبطالها وشهدائها، ويقدمون دماءهم وحياتهم من أجلها؛ فوجدتهم في أطفال وصبية وشباب فلسطين داخل فلسطين.. فالقضية قضيتهم والأرض أرضهم؛ فكانت الانتفاضة منذ عام 1987 وإلى الآن.