منظمة "فتح" بين الماضي والحاضر
وقد بدأت ملامح مشروع تسوية سلمية للقضية في مقابل ثلاثة مليارات من الدولارات لدول المواجهة (مصر ـ سوريا ـ لبنان ـ الأردن)، وهو ما عرف فيما بعد باسم مشروع "هامر شولد". وبدأ الهجوم الإعلامي على الهيئة العربية العليا الفلسطينية، ورئيسها الحاج "محمد أمين الحسيني"، والتمهيد لظهور كيان فلسطيني جديد يخضع للنظم العربية (وهو ما عرف لاحقًا باسم منظمة التحرير الفلسطينية.
وكان من الطبيعي أن يعمل بعض أبناء فلسطين على إنقاذ قضيتهم، وبدأ تجمع القيادات الصغرى للعمل المسلح، وقد اعتقلت معظمها في بلاد المواجهة، ثم طردت بعيدًا عنها، وقصدت هذه القيادات دولاً عربية بعيدة، مثل دول الخليج العربي وليبيا وغيرها.
النشأة والبداية
بدأ من هذا المنفى التجمع والحوار، وكانت منظمة فتح هي نتيجة هذا الحوار.
كانت بذرة التأسيس في الكويت في عام 1957م، وقد بدأت على يد أربعة هم: ياسر عرفات، وخليل الوزير (أبو جهاد)، وعادل عبد الكريم، ويوسف عميرة. وبدأ التحرك بشكل سري بين التجمعات الفلسطينية، وقرر الجميع منذ البداية عدم النظر إلى الخلفيات المرجعية لكافة الأعضاء، ثم ضمت المنظمة أفرادًا من جماعة الإخوان المسلمين ومن الشيوعيين ومن حزب البعث الاشتراكي.
وكان المبدأ الأساسي الذي اجتمع عليه الجميع هو ضرورة العودة إلى الكفاح المسلح من ناحية، وعدم الخضوع أو التبعية لأي من النظم العربية من ناحية أخرى، أو بمعنى آخر استقلال القرار الفلسطيني بعيدًا عن حسابات ونزاعات وتوازنات النظم العربية.
وانضم إلى التنظيم في مرحلته الأولى كثير من النشطاء من أمثال: على الحسن، وهاني الحسن، ومحمود يوسف النجار، وصلاح خلف (أبو إياد)، وكمال عدوان، وخالد الحسن، ومحمود عباس (أبو مازن)، وفاروق القدومي، وخالد اليشرطي وغيرهم. وبدأ تنظيم المجموعات الفلسطينية في كل من قطر والسعودية وليبيا ولبنان وسوريا والجزائر ومصر.
وظل مكتب التأسيس بالكويت هو الأقوى تأثيرًا في حركة التنظيم في أواخر أكتوبر من عام 1959، وكان يصدر نشرة شبه دورية من لبنان تحت اسم "فلسطيننا"، وكان الإمضاء على النشرة بعكس حروف "حتف" أي الموت، في إشارة واضحة لمعنى التضحية والفداء؛ فكان المكتوب "ف. ت. ح"، واتخذت النشرة خطا واضحًا منذ البداية؛ فأعلنت استقلاليتها الشاملة عن كل الأنظمة، والأشكال التنظيمية السابقة على تاريخ صدورها، كما تبنت خط التاريخ لحركة المقاومة الفلسطينية.
الكفاح المسلّح
|
|
ومع بداية العمل المسلح، بدأت المشاكل مع النظم العربية المحيطة بإسرائيل، وقد صدر عن فتح خلال الفترة من 1/1/1965 إلى 5/6/1966 حوالي 53 بيانًا عسكريًّا تضمنت أكثر من 180 هجوما عسكريًا، ولم تقف إسرائيل ساكنة تتلقى هذه الضربات؛ فقد بدأت بالهجوم على الحدود السورية واللبنانية والضفة الغربية لنهر الأردن وقطاع غزة، ومع ذلك استمرت أعمال فتح العسكرية، وبدأت النظم العربية في دول المواجهة في تعقب الفدائيين، واعتقالهم، بل أحيانًا تترصد العائدين من العمليات العسكرية من داخل إسرائيل فتشتبك معهم فتقتلهم أو تعتقلهم، وقد تكرر هذا المشهد كثيرًا على الجبهة الأردنية والجبهة اللبنانية.
وعلى صعيد آخر بدأت فتح في تطوير علاقاتها مع حركات التحرر في العالم، والدول الاشتراكية، وهذا في محاولة لكسب مساحة تدعيم سياسي وعسكري لأنشطتها؛ فتكونت علاقة مع نظام "هانوني" في "فيتنام"، وأفادت المنظمة من خبرات حرب العصابات للجنرال "جياب"، كما اتصلت بالصين وكوبا والثائر "جيفارا"، وعلى النطاق العربي أسست فتح لنفسها مكتبًا في الجزائر، ثم في ليبيا، وفي دول الخليج، وبدأت في الضغط على دول المواجهة لرفض الحلول السياسية وطالبتها بدعم كفاح الشعب الفلسطيني.
سياسة المنظمة
|
|
وفي هذا النطاق لا بد لنا من إيضاح سياسية منظمة فتح؛ حيث اتجهت فتح في سياستها إلى مراسلة كافة المؤتمرات الرسمية التي انعقدت للقضية الفلسطينية؛ لتؤكد أن الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لاستعادة الحق الفلسطيني وحل القضية، وأنها ترفض سياسة الأمر الواقع الذي تفرضه إسرائيل، والذي تميل إليه بعض النظم العربية، كما رحبت بالكيان الجديد الناشئ بقرار من جامعة الدول العربية وهو منظمة التحرير الفلسطينية، على أن يقوم هذا الكيان بشكل مستقل عن التيارات السياسية العربية المختلفة، وأن يعتمد سياسة الكفاح المسلح، وقد اتصلت بعض قيادات فتح بالسيد "أحمد الشقيري" في محاولة لإقناعه بتنسيق الجهود على هذه الأسس، ولكنه رفض ذلك، ومن ثم اتجهت سياسة فتح في ظل الوضع الجديد (وهو وجود كيان له صفة رسمية معترف بها من جميع الدول العربية) إلى اتجاه آخر.
خطة للتوريط
كان الاتجاه الجديد لمنظمة فتح شديد الخطورة، وكان البعد الأول فيه في أدبياتها بالشكل التالي:
"إن الاستقرار الزائف التي تشغر به بعض الدول العربية التقليدية لا بد أن يندثر لتستيقظ العوامل الثورية الفاعلة في المجتمع... إن العمل المسلح سيوقظ العناصر الثورية من ركودها المؤقت ويزيد من نشاطها بفضل تحرج الموقف بيننا وبين العدو... ويعبئها ويستفزها لتصبح مستعدة لخوض المعركة على المستوى القومي... من شاء أن يسمي هذه الأعمال المسلحة توريطًا فليسمه…"، وذلك معناه أن فتح تعي أن أعمالها المسلحة لن تحل القضية، ولكنها ستعمل من خلال هذه الأعمال في دفع البلاد العربية إلى معركة مع إسرائيل، وقد حدثت المعركة بالفعل بعد عامين وأشهر من بدء العمل المسلح (في يونيو 1967م)، فماذا كان تحليل فتح لنتائج الحرب؟
ينقل إلينا "أبو جهاد" نتائج المناقشات حول الحرب، وهي:
-
تشير التقديرات إلى أن انهيار الجيوش النظامية العربية على النحو الذي قاد إلى هزيمة 1967 من شأنه أن يضع حدًا لمصادرة هذه الجيوش لحق الفدائيين الفلسطينيين في مقاتلة العدو.
-
استعداد قطاعات واسعة من الجماهير العربية تبني توجيهات وسياسات فتح.
-
ضعف قبضة النظم العربية المهزومة على حركة الجماهير؛ مما يعني قدرًا من الانفراج النسبي الذي يمكن الاستفادة منه.
ومن ثم كانت نكبة 1967 ذات فوائد عديدة لمنظمة فتح.
* إقرأ في نفس الموضوع : توغل واقناص





















