خواطر حول استمرارية "الانتفاضة الشعبية"
ألا يمكن أن "يهمد" التفاعل الوجداني -وهو ضروري- بدلا من أن ينعكس بآثاره الفعالة وتنصب الطاقات الكبرى المتفجرة من خلاله، في مرحلة تالية من التعامل مع قضية فلسطين، وبصورة تتكامل مع ما تصنعه الدراسات المنهجية والمستقبلية للقضايا الساخنة في حياة الأمة؟
ألا يتطلب "التفاعل الوجداني" بعض الضوابط، لا سيما أنه غالبا ما يولد تلقائيا، كما هو الحال الآن من خلال معايشة تلك المشاهد المتقابلة ما بين البطولة والفداء والتضحيات والمعاناة على المستوى الفلسطيني من جهة، وحضيض الهمجية الوحشية العدوانية الصهيونية - الأمريكية من جهة أخرى، والاستخذاء والتخذيل وغير ذلك من إفرازات الهزيمة النفسية على المستوى الرسمي العربي والإسلامي في الدرجة الأولى من جهة ثالثة.. ناهيك عن امتداد مشاهد المواجهة بالهراوات وخراطيم المياه والاعتقالات والرصاص والمصفحات إلى بعض المدن العربية لخنق ما يسمونه "صوت الشارع" من جهة رابعة.
إن التفاعل الوجداني ضروري ومطلوب، بل ومفروض فرضا بمختلف المقاييس، ويقع في الدرجة الأولى على عاتق أصحاب الطاقات الإبداعية في ميادين الأدب والفن والشعر وسواها، ليتخذوا من تلك الوسائل سبيلا إلى تقديم ما يمكن تقديمه، ومهما بلغ سيبقى قليلا محدودا عند المقارنة بما يقدمه أهل فلسطين.. في نطاق قضية كبرى مشتركة تشمل أهل المنطقة العربية والإسلامية عموما، بل وتصل بتأثيرها إلى مستوى الأسرة البشرية بأسرها.
على أننا كثيرا ما نرصد في إطار هذا التفاعل أن مفرداته ومصطلحاته اليومية باتت تتأثر دون قصد بما سبق أن انتشر وعمّ تحت تأثير "عملية غسيل دماغ جماعية" في العقود الماضية، ركّزت -لا سيما تحت عناوين التسويات السلمية المختلفة- على إلغاء مفاهيم وصناعة بدائل عنها، وتغييب "الثوابت" وتقديم سواها كما لو كانت بدهيات.
إن من يتفاعل مع الأحداث الجارية، ويستشعر واجبه في أن يجعل من هذا التفاعل مدخلا للعودة بقضية فلسطين إلى المكانة الجديرة بها على مستوى الأمة، يحتاج أول ما يحتاج إلى وقفة مراجعة ذاتية لخطابه هو ولغته التعبيرية هو، وكيف يخلّصهما من شوائب ورواسب خلّفتها حصيلة الحقبة الماضية التي تمثلت في عملية توجيه واسعة النطاق لمختلف "مصانع الكلمة والرأي" آخذة بناصية التصورات الفكرية والأطروحات الأدبية بعيدا عن جذور قضية فلسطين، وهي القضية التي بدأت.. وما تزال:
أولا: قضية غزو استعماري استيطاني يتطلب بالمقابل خوض معركة تحرير شاملة لمختلف الوسائل العسكرية والسياسية والاقتصادية.
ثانيا: قضية اغتصاب للأرض وتشريد لأصحابها وتنكيل بهم يتطلب بالمقابل خوض معركة مواجهة حضارية شاملة.
ثالثا: القضية في الوقت نفسه قضية وجود لا حدود، كما كان يتردد على الدوام وبات في هذه الأثناء يسمع لـ"مَامَا".. على أن نفهم هذا "الشعار" بمنظور يشمل المنطقة وأهلها دون استثناء، أي سيان هل نظرنا إلى ذلك:
1- عبر منظور الشعوب ومنظور أنظمة الحكم في وقت واحد، وهذا رغم سياسات "الخوف والعجز والتراجع" الرسمية، ودون إلغاء إشكالية ترسيخ السبيل الناجعة للتخلص من مختلف أشكال الاستبداد والوصاية على إرادة الفرد أو الإرادة الجماعية للشعوب.
2- أو بمنظور التيارات السياسية.. على اختلاف تعدّدها ومسيراتها التاريخية ومدى اقتراب بعضها أو ابتعادها من الحاضنة الغربية للصهيونية العالمية.. ودون إلغاء إشكالية ترسيخ التصور الأصح للنهوض بالأمة في مختلف ميادين الحياة..
3- أو بمنظور العقيدة، والانطلاق من واقع وجود غالبية سكانية كبرى من المسلمين من جهة، واسترجاع ما يؤكّده تاريخ من عاش بينهم آمنا على عقيدته عبر أربعة عشر قرنا مضت من جهة أخرى، لا سيما في فلسطين بالذات قبل الغزوة الصهيونية - الغربية الأخيرة.. وهذا دون إلغاء إشكالية البحث عن صيغة قومية لأرضية مشتركة تضمن في وقت واحد عدم الانتقاص من الانتماء العقدي المتعدد، وعدم إغفال الانتماء الحضاري المشترك، وعدم كبت الانتماء الوطني لأي فرد أو تشويهه.
فريق يعاني وفريق يدعم!
وبالرجوع إلى واجب تخليص التفاعل الوجداني مع الأحداث الجارية من شوائب الحقبة الماضية ورواسبها، يمكن التنويه ببعض الجوانب على سبيل الأمثلة دون الحصر، لا سيما في الميادين التي يغلب على الأذهان فيها أنها لا تنطوي إلا على نوايا إيجابية للتفاعل الحي السريع مع الحدث. وأول ما يمكن تسجيله في هذا المجال:
رغم حسن النوايا وصدق العاطفة يجب أن نعيد النظر في صورة انتشرت في أذهاننا وعلى أقلامنا وألسنتنا، نحن الذين نعيش خارج حدود أرض فلسطين.. وهي أننا نحن "الطرف" الذي يقدّم أو يجب أن يقدّم العون لشعب فلسطين "وهو الطرف الآخر" ليخرج من محنته الراهنة.
وعوننا هذا عبارة عن حديث أو مظاهرة، أو مقالة، أو تبرع، أو مقاطعة، أو سوى ذلك من أشكال الدعم.
هذه الصورة أي "تقديم الدعم من طرف إلى طرف آخر" كثُر الحديث عنها وانتشرت الدعوة إليها، سواء عبْر بعض الفضائيات تحت عنوان "يوم للتضامن مع الشعب الفلسطيني" مثلا، أو في نداءات العلماء وخطب أئمة المساجد، كما أنه لا يكاد يخلو منها مقال إعلامي يستهدف حثّ الهمم لتقديم الدعم.
وليس المقصود بهذه السطور بطبيعة الحالة نفي ضرورة ممارسة هذا الدعم أضعافا مضاعفة وضرورة استمراره ونموّه بكافة أشكاله المذكورة وغير المذكورة، إنما المقصود هنا أن نضع هذا الجانب البالغ الأهمية في التعامل مع "الحدث" الأكبر من سواه من الأحداث المعاصرة، والأهم من حيث نتائجه في المنطقة بأسرها أن نضعه في المكان الصحيح من:
- منطلقاتنا التاريخية المشتركة المغيبة.
- وتصوراتنا الحالية المتفرقة التي تحتاج إلى تصحيح.
- وتطلعاتنا المستقبلية التي لم تكتسب بعد صيغة بمضامين مشتركة جامعة ومعالم محددة واضحة.
انطفاء الشعلة.. امتصاص الغضب
إذا أخذنا مثلا أسلوب المظاهرات والاحتجاجات وحملات مكافحة ما يسمى "التطبيع" وترسيخ فعاليات المقاطعة، وتأملنا في تحركه تحت عنوان "طرف يقدم الدعم إلى طرف آخر"، وبقيت الدعوات إلى هذه الصور من التحرك تستخدم هذا الشعار في تنشيطه، مثل: (انظروا إلى معاناة شعب فلسطين هناك.. وقدموا أنتم هنا الدعم له)، فلا ينبغي أن نستغرب أن يتكرر ما وقع إبان اندلاع "انتفاضة الأقصى"، أي أن "تهمد" هذه الحركة بعد فترة من الزمن بقدر ما تتعذر رؤية "الشعلة" التي أوقدتها، لا سيما بتأثير جهود "امتصاص الغضب الشعبي" كما يقال في وصف تنشيط الجهود السياسية لخنق الإرادة الشعبية.
المطلوب هو استمرارية الحركة التي تجمع بين عناصر:
- حياة الوجدان.
- وسلامة المنطلقات.
- ومشروعية الغاية.
وهذه الاستمرارية رهن بأن نوفر التوازن الضروري لمفعول هذه العناصر الثلاثة في متابعتها ورعايتها وتنشيطها؛ إذ لا يمكن أن تستمر الحركة بصورة متجددة، دون أن نربطها بأسبابها التاريخية والواقعية، إلى جانب التفاعلات الوجدانية المرتبطة باللحظة الآنية للحدث، وكذلك المحافظة على جذوتها بالربط ما بين مكامن قوتها الدافعة للتحرك وبين التطلعات المستقبلية.
وهنا تكمن -على سبيل المثال- الخطورة غير المباشرة لشعار قائم على حسن النوايا من قبيل "تقديم دعم من طرف إلى طرف آخر".. إذ يربط استمرارية الدعم بمدى الإحساس بالحاجة إليه، وقد يجري تغييب هذا الإحساس من خلال تنشيط حملات التضليل والتزييف و"امتصاص الغضبة الشعبية"، عن طريق باتت معتادة وتعتمد أطروحات مختلفة الصياغة، وليست مختلفة المضامين أو النتائج تحت عناوين "سلام عادل.. وشرعية دولية.. وسياسة واقعية" وما شابه ذلك.
يجب أن نخرج في التفاعل الوجداني والعقلاني مع الحدث من حلقة الحديث عن طرفين.. طرف فلسطيني وآخر يدعم أو لا يدعم، ويخلص أو يخون، ويقاتل أو يمنع عن القتال.
ليس "التضامن وتقديم العون" هو العنوان الصحيح لما يصنعه أولئك المخلصون الصادقون الذين نرجو أن يرتفع عددهم باستمرار ما بين المغرب وجاكرتا..
ولا ينبغي وصف المشهد (فقط) على أنه:
- مشهد فريق من المتأثرين وجدانيا يتحركون من أجل ذلك الطرف "الفلسطيني الآخر".. فهم يخاطرون "من أجله" بأنفسهم، عبر تظاهراتهم واحتجاجاتهم وفعالياتهم المختلفة، وهم يعلمون أنهم يتعرضون بذلك للأذى والقمع عن طريق خراطيم المياه وهراوات الشرطة وحتى الرصاص المطاطي والحي كما وقع في أكثر من بلد "عربي مسلم" جنبا إلى جنب مع ما يجري في "فلسطين المحتلة".. هذا علاوة على مخاطر التعرض للملاحقة والمساءلة داخل بلادهم وعلى أيدي أبناء جلدتهم.
إن كل من يتحرك في سائر المنطقة ومهما كان تحركه مخلصا نابعا عن مختلف دوافع "التضامن".. مثل العقيدة، أو الانتماء القومي، أو حتى الحس الإنساني والوجدان الأخلاقي.. إنما يتحرك من البداية إلى الحصيلة النهائية في إطار تحقيق "منفعة ذاتية ومصلحة حيوية" لنفسه وإن تضمن تقديم النفع والعون لسواه!
المطلوب هو أن ينتشر الإحساس وينتشر الاقتناع، وجدانيا وعقلانيا، بأن التفاعل الوجداني والعقلاني يقوم:
- على أرضية مشتركة.. جامعة للثائرين في فلسطين.. والثائرين خارجها من الأصل وفي وقت واحد.
أما معالم التفرقة بما فيها أساليب التعبير عن الحدث وتوظيفه إعلاميا وفكريا، فجميعها معالم تتناقض مع أصل وحدة الأمة مثلما تتناقض أيضا مع "هدف الأمة" الشامل لإنهاء حالة التفرقة في إطار العمل المفروض للخروج من رواسب "الواقع الراهن" وأضراره الجسيمة.
إن التعامل القويم مع هذه الظاهرة –كمثال- يبدأ بأن:
- نخرج من قوالب تصويرها قصدا أو عن غير قصد.. بمنظور "واقع التفرقة" المطلوب تغييره، أي بالحديث "الذي بات تقليديا عفويا" عن فريق نصف أوضاعه بالمعاناة المأساوية، وفريق "آخر" نستحثّه على تقديم العون.
- ونعمل بالمقابل على ترسيخ رؤية الأرضية المشتركة من حيث:
(1) المعطيات التاريخية المشتركة ابتداء بين الجانبين.
(2) المعطيات الواقعية الراهنة المتفاوتة ظاهريا بين الجانبين.
(3) من حيث "النتائج" المستقبلية المرجوة والمصيرية على الجانبين على حد سواء.
وعندها سرعان ما يتبين أن الجانبين هما "جانب واحد".. وأن سائر القضايا "بينهما" هي ذات القضايا المشتركة، وتتغير "لغة التعبير" عن الحدث وعن الموقف المطلوب للتفاعل القويم معه.





















