بيانات المثقفين.. بين حملة المباخر ودعاة التغيير
المثقفون المصريون.. استقبال بارد لقضية ساخنة
والبيان الأول يعبّر عن رأي الإدارة الأمريكية فيما تتخذه أمريكا من قرارات دموية تجاه شعوب العالم؛ بل ويسلك نفس مسالكها في الخطاب؛ فقد اتسمت لغة البيان بالغموض والالتواء والقياسات المنطقية المغلوطة، أما محتوى البيان فهو لا يخرج عن أنه يكرر تصريحات البيت الأبيض.. فتفجيرات 11 سبتمبر لم تستهدف الإدارة الأمريكية.. بل الشعب الأمريكي.. بل والحضارة الأمريكية والحضارة الإنسانية.. والذين قاموا بها إرهابيون من تنظيم القاعدة بدافع من حقد ديني.. والحرب التي تقوم بها أمريكا ضد تنظيم القاعدة والإرهاب في العالم حرب عادلة ويجب أن يناصرها العالم كله، خصوصًا المسلمين، لأنها حرب تدافع عنهم قبل أن تدافع عن الأمريكيين… والبيان يحكم حكمًا قاطعًا بهذه الأحكام، ودعواه للمسلمين ليست للحوار حولها بل للامتثال لها.
ورغم استقبال المثقفين المصريين للبيان الأمريكي بفتور شديد.. فقد حاولنا أن نناقش مع بعضهم ما جاء في البيان، وردود الفعل التي يمكن أن توجّه إلى مثل هذه البيانات.
منعًا للانجرار
ففي رده على سؤالنا حول تعليقه على البيان الأمريكي يقول المستشار والمفكر الإسلامي "طارق البشري": هذا البيان واضح الانحياز إلى الإدارة الأمريكية، وليس به أي جديد في القضايا التي ناقشها والأحكام التي أعلنها، وأرى أن الاهتمام به أمر غير صحي ومهدر للوقت. وتساءل في استنكار: إلى متى سنظل ننجر وراء رغباتهم؟ وإلى متى سنظل نعزف على نغمتهم أو النغمات التي يريدون منا أن نعزف عليها؟ وطالما أنه من المعروف أن مثل هذه البيانات غير جادة فمن الضروري ألا نتهافت عليها، وندخل في مجادلات مع بعضنا حولها، وليس من وراء ذلك أي طائل.
وردا على سؤالنا له حول ماهية الدور الذي يرى أن مثقفي العرب والمسلمين عليهم القيام به.. قال: إنني أرى أنه يجب أن يكون دورهم في الاهتمام الجسدي بالمشكلات الحقيقية التي تواجه أمتنا العربية والإسلامية، ووضع الحلول لها.. إن الاهتمام بهذا البيان سيعطي له أهمية أكبر من حجمه.
د. "رفعت سيد أحمد" الباحث الإسلامي، رئيس مركز يافا للدراسات، قال: تصوري العام عن البيان الأمريكي أنه بيان صادر ليصوغ عمليات الإرهاب الأمريكي تجاه الآخر، وليس الحوار معه كما يدعي البعض.. وأما كون البيان موقَّعًا من المثقفين الأمريكيين الذين يدّعون أنهم مستقلون عن الإدارة الأمريكية فإن توقيعهم على هذا البيان يمثل خيانة للثقافة ولدور المثقف الذي يجب أن يكون شرفُه استقلالَه التام وأن يرقى عن الاعتبار السياسي.
وأما بالنسبة لمضمون البيان فأرى أنه يعكس النظرة الأمريكية المتعالية والمستعلية على العالم.. بل يعكس نظرة عنصرية تتعالى على كل ثقافة تقع خارج الثقافة الأمريكية، بل وتسوغ القيام بالعنف والإرهاب ضدها.
ويقول د. رفعت سيد أحمد: لكن مع ذلك فقد كشف البيان الأمريكي أن هناك عددا من مثقفي الأمة العربية والإسلامية يتهافتون على التحاور مع الأمريكان، وهذا ليس انطلاقًا من مصلحة الأمة، ولكن إرضاء لنزعاتهم في تحقيق ذواتهم، ولأن منطلقاتهم غير أصيلة فإننا نرى أنهم يديرون حوارا فيما لا حوار فيه.
ويضيف د. رفعت سيد أحمد -وقد كان مدهشا-: إن أغلب الردود التي قرأتها على هذا البيان برغم ما جاء فيه من جبروت ودعوته للمسلمين الامتثال لأحكام ضد مقدراتهم وكرامتهم وعزتهم ومصالحهم.. أقول: رغم ذلك كانت أغلب الردود اعتذارية وانهزامية بالرغم من أننا لسنا في موقف الدفاع أو الاعتذار، فنحن لم نعتَدِ على أحد؛ بل نحن مَن اعتُدي علينا مِن قبل الغرب.. ليس في أفغانستان وفلسطين فحسب بل منذ الحروب الصليبية.
ويرى د. رفعت سيد أحمد أن البيان - كتصريحات الإدارة الأمريكية - ربط عمدًا الإسلام والدين بأحداث 11 سبتمبر، وهو ربط مقصود ومتعمد، ولكن من دون دليل.. فإلى الآن لم يثبت من خلال التحقيقات أن تنظيم القاعدة هو الذي قام بهذه التفجيرات، فضلا عن أنه حتى لو كان الأمر كذلك فهذا تعميم خبيث؛ حيث يتم ربط الدين الإسلامي والمسلمين بتيار محدود ليس ممثلا لكافة المسلمين أو للدين الإسلامي.
بيان مضاد من الأزهر
وعن اللغة التي كُتب بها البيان الأمريكي يقول د. رفعت: إنها لغة عدوانية وعنصرية ضد الإسلام، أما مضمون البيان فالبيان يقطع بأحكام عدوانية وعنصرية ضد المسلمين، ويدعوهم إلى الامتثال لها، ولا يدعو للحوار حولها.
حول الطريقة المفضلة للتفاعل مع هذا البيان يقول د. رفعت سيد أحمد: إنه يمكن أن يكون هناك بيان مضاد وفاضح من قبل المسلمين للبيان الأمريكي، وأرى أن أفضل جهة يمكن أن يصدر عنها البيان هي هيئة علماء الأزهر الشريف.. وهذا لا ينفي أن يصدر بيان موازٍ من المثقفين المصريين بضم كافة التيارات الوطنية، أقول هذا وليس هناك تبعا لعلمي أي خطوات اتُّخذت في هذا الاتجاه.
لم نقدم مختلفًا
ومن جانب آخر أوضح الكاتب الصحفي "صلاح عيسى" رئيس تحرير جريدة القاهرة رأيه في البيان الأمريكي -تبعًا لجريدة القاهرة- بقوله: إنه على الرغم من أن البيان يطرح حوارًا من قبل المثقفين الأمريكيين فإن ردود الأفعال من قِبل المثقفين العرب والمسلمين كانت أقل وضوحًا وتحديدًا وأخفَتَ صوتًا وأقل اكتراثًا بالحوار مع البيان، ولم ينشط فريق منهم يمثل التيارات الفكرية الأساسية للرد عليه والحوار معه بإصدار بيان يعبر عن المشترك بين تيارات الفكر العربي تجاه القضايا التي يطرحها، ولم يهتم المفكرون المنتمون إلى الحركة الإسلامية وهم المعنيون أساسا بأهم ما ورد في البيان الأمريكي بأن يطرحوا رؤاهم المؤيدة أو المعارضة أو المتحفظة على بعض ما ورد فيه من أفكار.
ويضيف صلاح عيسى: ومع أن كثيرين من المثقفين العرب الذين علقوا على البيان الأمريكي أخذوا عليه تأييده للحملة ضد أفغانستان، وأخذ آخرون عليه صمته تجاه الجرائم التي يرتكبها الإسرائيليون.. فإنهم بالغوا في ذلك على نحو يوحي برغبتهم في الهرب من المناقشة.
ويرى صلاح عيسى أن الذين وقّعوا على البيان لا ينتمون إلى الإدارة الأمريكية الحالية أو أي إدارة سابقة، وليسوا متحدثين باسمها ولا مسئولين عن مجمل تصرفاتها، ولكنهم فريق من المثقفين تتعدد رؤاهم، ويختلفون حول كثير من الأمور، وبالتالي مع جوانب من السياسة الأمريكية ربما لا تختلف رؤاهم مع انتقاداتنا نحن العرب لهذه السياسة، فضلا عن أنهم انتقدوا بعض القيم الأمريكية التي اعتبروها منفرة، واعتبروا التصدي لها مهمة رئيسية نذروا أنفسهم للقيام به.
ويرى صلاح عيسى أنه على العكس مما فعله المثقفون الأمريكيون فإن التعليقات العربية والإسلامية على البيان تكاد تخلو من أي نقد ذاتي أو اعتراف بالخلل في رؤيتنا ورؤية بعض القضايا التي يطرحها البيان.
ويرى صلاح عيسى أنه إذا كان من حقنا نحن المثقفين العرب والمسلمين أن نرد على اعتراف بيان المثقفين الأمريكيين بأن هذا التيار -يقصد التيار الديني المتطرف- الذي لا يعترف بالتنوع الديني ليس قاصرا على اتباع دين معين.. فإن من واجبنا كذلك أن نعلن صراحة ووضوحًا أننا نقف معهم ضد كل محاولة لإشعال الحروب الدينية والطائفية والمذهبية التي أسالت بحارا من الدماء.
"رسالة الغفران" من المؤتمر الإسلامي
يرى د. "عبد المنعم تليمة" أستاذ الأدب العربي بجامعة القاهرة أن البيان الأمريكي متوازن، وفيه فرصة لإدارة المحاورة، وفيه نزوع لنقد المواقف الأمريكية، إلا أن الجديد الذي كشفه البيان هو وهم النظام الديمقراطي الأمريكي، كما كشف أيضًا عن تلك النزعة لدى الأمريكيين داخل وطنهم التي لا يلتزمون بها خارج وطنهم.
وأضاف د. تليمة أن البيان حفل بعدة مغالطات كبرى.. فالقيم التي أوردها البيان الخاصة بحقوق الإنسان قيم إنسانية، شاركت فيها كل حضارات العالم، ومن الكذب والتضليل أن يدعي المثقفون الأمريكيون في بيانهم أن هذه القيم قيم أمريكية.
وقال د. تليمة: إن ما حدث في 11 سبتمبر صناعة أمريكية يعكس صراعات داخل أمريكا بين الأمريكيين بعضهم البعض.. فهناك إرهاب وتطرف أمريكي، ومع أن التحقيقات لم تثبت إلى الآن أن تنظيم القاعدة هو الذي قام بهذه التفجيرات فإننا نجد البيان يوافق الإدارة الأمريكية على رد هذه التفجيرات إلى تنظيم القاعدة رغم أن تنظيم القاعدة لا يمكن أن يكون لديه هذه الإمكانيات.
وحول إمكانية حوار المثقفين العرب والمسلمين مع بيان المثقفين الأمريكيين يقول د.تليمة: إن البيان لا يطرح حوارًا بل يطرح آراء قاطعة ودعوة للامتثال، وإلا اعتبرنا أننا خارج الحضارة الإنسانية.
ويقترح د. تليمة أن يوجه العرب والمسلمون بيانًا يقوم عليه أعلى مستوى من المسئولين، ويُعَنْوَن بعنوان "رسالة التسامح والغفران"، ونذكر فيه أن المسلمين والعرب لا يقومون بالحرب إلا دفاعًا عن مقدراتهم وحقوقهم. ويضيف د. تليمة: أقترح أن يصدر هذا البيان عن منظمة المؤتمر الإسلامي؛ حيث سيأخذ بذلك صبغة رسمية ودولية؛ إذ سيصدر باسم 56 دولة إسلامية، هم أعضاء المؤتمر الإسلامي، والمنظمة بها علماء ومفكرون في علوم الدنيا والدين، وعلى درجة عالية من الرقي والتحضر.
وبالطبع هناك إمكانية أن يصدر بيان آخر عن المثقفين المصريين المستقلين، وقال: إن هناك مشاورات الآن في القاهرة بين فضائل مختلفة من المثقفين -بينها تيارات "الإخوان المسلمين" والناصريين والشيوعيين- ليصدر فيما بينها بيان يعبر عن موقف المثقفين المصريين، وليس بالضرورة أن يكون موجهًا إلى الأمريكان فقط؛ بل يرى أن يتوجه إلى كل المواطنين في العالم: اليابان والصين وروسيا.
وحول تعليقه عن البيان الذي صدر عن المثقفين السعوديين تعليقًا على بيان المثقفين الأمريكيين قال د. تليمة: إن البيان السعودي تميز بوجود إدارة المحاورة وتحية الرأي الآخر. والنقطة الوحيدة التي آخذها عليه هي رفضه لفصل الدين عن الدولة.
الإمبريالية ترتدي زيا خيرا
أما "أحمد بهاء شعبان" من مثقفي اليسار المصري ورئيس لجنة المقاطعة المصرية للمنتجات الإسرائيلية والأمريكية فيقول: إن البيان الأمريكي الذي وقعه 60 من المثقفين الأمريكيين نلاحظ أن على رأسهم صموئيل هنتجون وفرانسيس فوكوياما، وهما مثقفان بارزان في النخبة الثقافية الأمريكية، ويعبران عن توجهات الطبقة الحاكمة الأمريكية، وهي الطبقة التي تضم أعتى الاتجاهات المحافظة التي باتت تسمى باليمين الأمريكي الجديد، وهي لها توجهات فاشية ومعادية للحريات على المستوى الداخلي، وذات مطامع إمبريالية على المستوى الخارجي.
وقال عن اللغة التي كُتب بها البيان: تحاول أن تكتسي بحس إنساني، وأن ترتدي زيًّا ثقافيًّا خيرًا.. وعند تحليل مضمون البيان نجد أنه مجرد إعلان سياسي لتبرير الحملة الأمريكية للسيطرة على مقدرات العالم تحت اسم حملة مقاومة الإرهاب، ويكشف البيان الدور التبريري الذي يمكن للمثقفين أن يلعبوه في خدمة صاحب القرار السياسي.
ولدي مجموعة من الملاحظات حول البيان منها:
1 – أن البيان لم يُشِر من قريب أو بعيد إلى المجازر التي تمارَس ضد الشعب الفلسطيني ليل نهار.
2 – تجاهل البيان أن الإرهاب الذي تدعي أمريكا محاربته الآن هو في الأصل صناعة أمريكية.. واستغلت السياسة الأمريكية الدين لخدمة صراعاتها مع الاتحاد السوفيتي السابق أثناء غزوه لأفغانستان.
3 – تجاهل البيان أن أمريكا قامت على صناعة وتمويل تنظيمات إرهابية تحارب بها الدول التي يمكن أن تخرج عن سيادتها، وأن أمريكا انتهكت حقوق الدول والإنسان في كثير من الأماكن مثلما فعلت حينما أسقطت وقتلت سلفادور اللنيدي الرئيس المنتخب للسلفادور في السبعينيات.
4 – تجاهل البيان القرصنة التي مارستها أمريكا في حربها ضد أفغانستان.
5 – هذا البيان يروج لفكرة كاذبة عن الحوار بين الأمريكيين والمسلمين لامتصاص كراهية العالم الإسلامي والعربي لأمريكا والسياسة الأمريكية.
وأرى أن البيان الذي يمكن أن يتم التحاور معه هو البيان الأمريكي الثاني الذي وقعه أكثر من 128 مثقفًا انتقدوا فيه بشكل صريح الهيمنة الأمريكية على العالم.
ويرى الأستاذ "أحمد بهاء شعبان" أن على المثقفين العرب والمصريين أن يجتمعوا ويتبادلوا الرأي لصياغة رد على البيان الأمريكي الأول، وتحاور مع البيان الأمريكي الثاني.
كما تأتي محاولات الكاتب الأستاذ "السيد ياسين" لصياغة بيان يوقع عليه عدد من المثقفين المصريين ردا على ما جاء في بيان المثقفين الأمريكيين ضمن ردود الأفعال في المشهد الثقافي المصري، وذلك بعد أن وقف بشيء من التحليل -في عدد من مقالاته بجريدة الأهرام المصرية- على البيان الأمريكي، وقد عرض نص البيان المقترح فاتحًا الباب لمزيد من التعديل والتعليق.
تابع القراءة حول هذا الموضوع






















