مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

بيانات المثقفين.. بين حملة المباخر ودعاة التغيير

البيان السعودي.. العدل أولا

داليا يوسف / 30-06-2002

Image
  "على أي أساس نتعايش؟" كان هذا هو بيان عدد من المثقفين السعوديين ردا على ما جاء في بيان المثقفين الأمريكيين. وربما غلب على البيان روح المبادأة والمبادرة إذ احتوى على محاور أساسية، منها : الحوار الذي ربما تحدث عنه البيان دون الإشارة إلى مهددات الحوار من داخل الوثيقة الأمريكية التي طالبت مثقفي العالم الوقوف معا –أو بالأحرى وراءها- في الحرب العادلة لحماية القيم الأمريكية، كما جاء البيان مشتملا على محور "القيم التي نؤمن ونهتدي بها"، مؤكدا على القواسم المشتركة ومحددا –في الوقت نفسه- اختلاف الأولويات بين الثقافات والحضارات المختلفة، وتعرض للسؤال: "لماذا أمريكا؟" لافتا النظر إلى أن ضمانات الأمن إنما تأتي عبر تحقيق العدل، وهو في ذلك لم يستفض في التعرض للوقائع والسياقات التي تفرضها الإدارة لأمريكية على دول العالم.

أما الحديث عن القيم الأمريكية التي جاء ذكرها في البيان فقد وصفها موقعو البيان السعودي بأنها قيم إنسانية تتشارك فيها الحضارات والثقافات المختلفة.

وعن المسألة الدينية وعلاقة الدين بالدولة والمجتمع فقد جاء في حديث موقّعي البيان السعودي ضرورة الالتفات إلى اختلاف المسألة بالنسبة للدين الإسلامي الذي لا يرى في فصل الدين عن الدولة الحل الأوفق النهائي وهو ما يتفق –في العالم الإسلامي- مع رؤية الأكثرية ويحمي حقوق الأقلية، وكانت تلك هي الحجة الرئيسية التي استند عليها موقعو البيان السعودي في هذه القضية الأكثر تعقيدا والأشد إثارة للجدل حتى بين أبناء العالم العربي والإسلامي أنفسهم.

أما الحرب العادلة التي تبناها البيان الأمريكي فقد تناول البيان السعودي القضية باعتبارها قضية متعددة الأبعاد، مشيرا إلى دور القمع الذي مورس ضد بعض الحركات الإسلامية المعتدلة في تنمية مناخ العنف الذي لجأ له البعض، ثم كانت الدعوة إلى الانفتاح الجاد المتبادل في قضايا يتم الحوار بشأنها والتلاقي حولها.

عن الموقعين.. لا البيان

ولم يحظ البيان السعودي بقدر كاف من النقاش حول الردود التي أتى بها والنقاط التي أثارها، وإنما جاءت أغلب ردود الفعل في القراءة حوله لا فيه، فأغلب الانتقادات كانت لموقعي البيان؛ حيث جاء صدوره من قبل عدد من المثقفين والمفكرين الذين تختلف تواريخهم ومواقفهم السابقة عما تبنوه في البيان مثيراً لانتقادات من قبل كثير من المثقفين السعوديين الذين تعددت ردودهم بحسب انتماءاتهم المتباينة، بدءا من التيار السلفي ومرورا بالمستقلين و المثقفين العلمانيين. وفي كل الأحوال فقد كانت ردود الفعل تتسم بالقسوة في الانتقاد والعصبية في الرد، ولم تتغلب على هذه السمات سوى بعض الكتابات التي حاولت تحليل الأمر والوقوف على ملابساته. هذا الجدل الذي أثير والذي كان من شأنه أن أصدر ثلاثة من موقعي البيان بيان مراجعة أو تراجع خفّت فيه نبرة الدعوة للحوار واستدعى مقولات الولاء والبراء والعلاقة مع غير المسلمين من الوجهة الفقهية دون استصحاب الرؤية والأفق الحضاري، ثم تبع ذلك الدعوة لعدم الحديث في أمر البيان مرة أخرى حتى تتوحد الكلمة بشأنه بحيث تم رفعه من موقع Islam today الذي نُشر في أول الأمر على صفحاته.

بيانات للتصدير فقط!

سليمان النقيدان الكاتب السعودي رأى في البيان بيانا للتصدير فقط لا للاستهلاك المحلي؛ حيث يدرك الموقعون جيدا ما سيلاقونه من ضجة وصدمة واستنكار من أتباعهم الذين طالما كانوا خلفهم في رفض الحوار مع الآخر وتكفيره والموقف العدائي من الغرب، أو من المختلفين معهم الذين عانوا من مواقفهم المتشددة.

وقد ألمح النقيدان في ذلك إلى حاجة هؤلاء إلى بيان مصارحة للأتباع يسبق هذا البيان ويسبق -على حد وصفه- الانقلاب على مبادئ الموقعين وخطابهم، واشتد نقد النقيدان حتى وصف البيان بأنه "انتحار حركي، واحتراق اجتماعي وسياسي غير مسبوق" وقد وجه سهام انتقاده قائلا: "ألم ترفضوا الحوار مع أبناء وطنكم وهم إخوانكم في الدين ويبادلونكم صميم الثقافة والإرث التاريخي؟!".

وكانت إيمان القويفلي –الكاتبة السعودية- قد علقت على "النقيدان" واصفة موقفه بأنه مصادرة على الحق في التحول المنهجي لهؤلاء المثقفين، فتقول عن الأسئلة التي وجهها النقيدان إلى موقّعي البيان: "وهي أسئلة تبدو مشروعة ومنطقية، وقد تنهار مشروعيتها ومنطقيتها حين يعترض الكاتب نفسه بعد ذلك على شخوص موقعي البيان فقط، وعندما تتم اليوم قراءتهم قراءة تراكمية، وعندما يصادر على حقهم في التحول المنهجي، فيعاقبون على ماضيهم الفكري ويلامون على بوادر التحول عنه في الوقت ذاته".

واتفقت القويفلي معه فيما يتعلق بمسألة التصدير هذه حيث قالت: "لقد أصاب الكاتب عندما تحدث عن سياسات الدول الفقيرة التي تصدر المنتوج عالي الجودة للخارج، وتترك الرديء للداخل، وأفضل مثال على ذلك هو تفرغ الكثيرين لمساءلة كتاب البيان السعوديين عن تاريخهم الشخصي، بينما قدموا قراءات نصية عميقة ومنطقية لبيان المثقفين الأمريكيين.. مفارقة لافتة حقا!".

تيارات في قوالب

وبنبرة أكثر هدوءا من النقيدان قدم تركي الحمد -الكاتب السعودي- ملاحظاته على البيان في مقاله: "يداوي الناس وهو عليل!" حيث وصف سعادته البيان بالذي "يقرأ الإسلام وقيمه من زاوية حضارية متسامحة، تختلف تماما عما هو سائد عند فئات وجماعات لا ترى الإسلام إلا من زاوية آيات السيف ومقولات الولاء والبراء وحتمية المجابهة والصراع ومعاداة كل ما هو مختلف".

ثم عاد ليعلق على احتكار تيار واحد "معين" لتوقيعات البيان، مع عدم وجود اسم مثقف أو شيعي واحد. ثم انتقل الحمد إلى متن البيان نفسه الذي وصفه بالخلط بين ما هو كائن وما يجب أن يكون، كما وصفه بالازدواجية حيث يحاول البيان إقناع الآخر الأجنبي بمحاسن الإسلام وقيمه، في الوقت الذي لا تمارس فيه هذه المحاسن في ديار الإسلام، بما يدعو إلى الحاجة إلى خطاب التسامح والحوار بين فرقاء الداخل قبل التوجه إلى فرقاء الخارج والاختلاف معهم.

أما سليمان الضحيان -الكاتب والأكاديمي السعودي- فقد حاول أن يصل إلى جذور المسألة حينما أرجع عدم فهمهم لعدد من الظواهر الثقافية -في مقاله: "لماذا تراجع المثقفون الإسلاميون عن بيانهم؟"- إلى غياب الدراسات التحليلية للظواهر الثقافية التي مر بها المجتمع السعودي أو أي دراسات موسعة عن مسيرة أي تيار ثقافي في السعودية، وكانت النتيجة –كما وصف الضحيان- "هي قولبة كل تيار للتيار المخالف له في قالب واحد يشمل كل أطياف التنوع الفكري في الجزئيات أو المنهج الذي يزخر به التيار المخالف" ولعل هذا ما يفسر –على حد تعبيره- "الصدمة التي أصابت بعض المثقفين من غير أصحاب التوجه الإسلامي"، ثم استمر في حديثه عن تياري الفكر الإسلامي صاحبي الحضور الجماهيري، وهما: التيار السلفي، بشقيه الجهادي والعلمي، والتيار الصحوي الحركي الأكثر انفتاحا.

وقد أشار الضحيان إلى أن التيار الصحوي كانت له الغلبة والسيادة إلا أن أحداث الشيشان الجهادية وتواري رموز التيار الصحوي عن الساحة أسهما في بروز وصعود التيار السلفي، بما يفسر التراجع الذي قام به عدد من الموقعين على البيان ليطرح بعد ذلك عددا من الأسئلة الهامة حول مستقبل الانفتاح الثقافي للخطاب الإسلامي الجماهيري، وهل تعني هذه التراجعات موت الثقة بين التيارات الفكرية المختلفة في مجتمعنا؟

أما أحمد الربعي –الكاتب الكويتي- فقد علق إيجابيا على الحوار الذي دار نتيجة للبيان وأصدائه، واصفا إياه بالحوار الصحي، إلا أنه وصف البيان بأنه مثل كل بياناتنا التي تحاول إقناع الآخر بمنطقنا الخاص، وتخلط بين الأمنيات والواقع، وتدور في حلقة ألا يغضب أحدٌ فتكون النتيجة أن يغضب الجميع، كما امتد حديثه إلى المجتمع السعودي ككل الذي يشهد "تحولات اجتماعية هائلة تحتاج إلى الاستماع لكل الاجتهادات".

بين السلفيين والعلمانيين

أما الهجوم الشديد الذي واجه البيان من قبل التيار السلفي فيمكن متابعته عبر ما نُشر على موقع alsalafyoon .com تعليقاً على البيان وهو ما اشتمل على: مقارنة بين بيان المثقفين وبين كلامهم السابق، وهي نفس الزاوية التي انطلق منها البعض من خارج التيار الإسلامي -كما ظهر سالفا- الأمر الذي جعل الكاتب الأستاذ فهمي هويدي في مقاله عن البيان في جريدة الشرق الأوسط يقول: ".. دعوا الأزهار تتفتح"، وكان من رأيه "أن الذين كانوا أكثر حدة في نقد البيان هم غلاة العلمانيين وغلاة السلفيين، وهم الذين وجدوا أنفسهم يقفون في مربع واحد، على الرغم مما بينهم من تناقض شديد في المواقف والآراء".

وقد اشتمل تعليق موقع "سلفيون" أيضا على مقارنة بين بيان "المثقفين" وبيان "الكفار" والمقصود به بيان الأمريكيين، واصفا البيان السعودي بالتخاذل أمام اعتزاز "الكفار" بقيمهم، ثم فند التعليق البيان السعودي عبر استعراض بعض أجزاء منه وانتقاده تحت محاور مثل: البيان والسياسة، البيان والتقريب بين الأديان، البيان والافتراء على الشريعة وتحريف النصوص، البيان وموالاة الكفار، وهو في هذا كله يصف الأمر على أنه تودد للكفار وتخل عن الجهاد.

مسألة البيان السعودي وردود الأفعال حوله تثير قضايا عديدة وشائكة تستلزم جهدا من الفقهاء والمثقفين المسلمين بوجه عام، وتفتح الحوار حول آفاق التجديد والمراجعة في المجتمع السعودي على وجه الخصوص.

تابع القراءة حول هذا الموضوع


  محررة صفحة ثقافة وفن بموقع إسلام أون لاين.نت