المونديال.. قل كيف تلعب أقل لك من أنت *
في مونديال 2002 لا يستطيع أحد أن يتنبأ بمنحنى المتعة، ولكن شوق الجسد البشري يرسي التعبير عن أشواقه وبداهته وطموحه.. سينحاز إلى كرة أمريكا اللاتينية الراقصة الجميلة، وكرة أفريقيا السعيدة؛ لأن المستطيل الأخضر هو المكان الوحيد الذي لا يعترف إلا بالموهبة والخيال والانتصار الحقيقي.
قيل عن كرة القدم: إنها مؤامرة إمبريالية للإبقاء على الشعوب مقهورة وفي طور الطفولة، وإنها تحرف الجماهير عن النشاط الثوري، وتؤدي إلى ضمور الوعي؛ وهو ما يتيح للأعداء الطبقيين أن يسوقوهم كالغنم، وقيل أيضا: إنها الشعوذة التي تستحقها هذه الشعوب، ومع هذا تجاوزت هذه اللعبة التي يحتقرها التاريخ الرسمي حدود المستطيل الأخضر لتصبح علامة رئيسية من علامات الهوية الجامعية.. أسلوب اللعب طريقة في الحياة يعكس الوجه الخاص لكل مجتمع، ويؤكد حقه في التمييز.
قل: كيف تلعب أقل لك من أنت.. منذ سنوات طويلة يجري اللعب بطرق متنوعة، كتعبير عن الشخصية لكل شعب، وإنقاذ هذا التنوع اليوم -كما قال كاتب أورجواي الكبير إدواردو جاليانو- أشد أهمية من أي وقت مضى؛ لأننا في زمن فرض التماثل الإجباري، ومن لا يموت من الجوع يموت من الملل.
في كرة القدم أنت أمام عدالة شكلية، فريقك يضم أحد عشر لاعبا وخصمك مثلهم، ويستولي كل طرف على نصف الملعب، المخطئ ينال عقابه على الفور وأمام الجميع، الغريب الوحيد في الملعب هو الحكم، يمارس ديكتاتوريته دون معارضة من أحد، هو الدخيل الوحيد بين اثنين وعشرين لاعبا. الفائزون يربحون رغما عنه، والخاسرون يخسرون بسببه، هو وراء كل الأخطاء، ومع هذا يحتاجه الجميع. وكلما ازدادت الكراهية تجاهه ازدادت الحاجة إليه.
اتفاق ديموقراطي
قال المجدد الماركسي الإيطالي جرامش عن كرة القدم: إنها مملكة الوفاء البشري التي تمارس في الهواء الطلق، ألبيركامو (الفيلسوف الفرنسي) الذي كان حارسا لمرمى فريق جامعة الجزائر سنة 1930 قال: تعلمت أن كرة القدم لا تأتي مطلقا نحو أحدنا من الجهة التي ينتظرها منها، وقد ساعدني ذلك كثيرا في الحياة وخصوصا في المدن الكبيرة حيث الناس لا يكونون مستقيمين عادة.
كرة القدم في شكلها الحديث جاءت من اتفاق ديمقراطي بين 12 ناديا إنجليزيا في إحدى حانات لندن سنة 1863، تبنوا القواعد التي أقرتها جامعة كامبريدج، ولكن هذا الاتفاق لم يحدد عدد اللاعبين ولا أبعاد الملعب ولا ارتفاع المرمى ولا مدة المباراة، وكان اللاعبون يتبادلون الأحاديث ويدخنون عندما تكون الكرة بعيدة، ولكن التسلل كان معروفا ومرفوضا لأنه لا يجوز تسجيل الأهداف من وراء ظهر الخصم.
الصينيون -كما في كل شيء- كانوا هم الأوائل، فمنذ خمسة آلاف سنة كان البهلوانات الصينيون يرقصون والكرة بأقدامهم، ونظموا أول ألعاب الكرة، كان المرمى يقع في وسط الملعب. المصريون واليابانيون في العصور القديمة كانوا يتسلون بركل الكرة، ويقال: إن يوليوس قيصر كان يتقن استخدام كلتا ساقيه في لعب الكرة، وإن نيرون لم يكن ماهرا في اللعب . على أقدام الرومان وصلت البدعة إلى الجزر البريطانية، وبعد قرن من ذلك وتحديدا في 1314 صك الملك إدوارد الثاني بخاتمه وثيقة ملكية تدين هذه اللعبة الرعاعية والصاخبة، هذه الاشتباكات حول كرة كبيرة الحجم التي تنتج عنها شرور كثيرة لا يبيحها الرب، كان الهدف (المرمى) آنذاك عبارة عن طاحونة قديمة، وكان اللاعبون يصطفون على امتداد عدة أميال ولعدة أيام وبتكلفة تصل إلى عدة أرواح بشرية (الدخول بين مروحة الطاحونة الدائرة يعني الموت) وقد منع الملوك هذه المباريات الدموية، ففي 1349 ضم الملك إدوارد الثالث كرة القدم إلى ألعاب الحماقة التي ليس لها فائدة، وهناك مراسيم ضدها وقّعها هنري الرابع في 1410، وهنري السادس في 1547، وكلما صدرت قوانين المنع والتحريم ازداد اللعب وانتشرت اللعبة.
في 1592 كتب شكسبير كوميديا الأخطاء، وجاء على لسان إحدى الشخصيات: إنني أتدحرج فيما بينكم، هل اعتبرتموني كرة قدم؟ أنتم تركلونني إلى هناك وهو يركلني إلى هنا، فإذا ما بقيت في العمل فلا بد أن تغلفوني بالجلود. بعد عام كتب مسرحيته العظيمة "الملك لير" وكان دوق كنت يسب أحدهم بهذه الكلمات: أنت يا لاعب كرة القدم الحقير.
وتوجد أسطورة قديمة في أمريكا لدى هنود غابات الأمازون البوليفية تؤكد أنه عندما ينتهي اللعب كانت الكرة تنهي رحلتها، فالشمس قد وصلت إلى الفجر بعد أن اجتازت منطقة الموت عندئذ، ولكي تطلع الشمس كانت تُراق الدماء، وحسب رأي بعض العارفين كان من عادة شعوب الأزتيك القديم في المكسيك التضحية بالفائزين وتقديمهم قرابين، وقبل أن يقطعوا رؤوسهم كانوا يطلون أجسادهم بخطوط حمراء، وكان المختارون يقدمون دماءهم قربانا لكي تكون الأرض خصبة والمساء سخية.
ولدت الفيفا
ظهر الحكام سنة 1782 وكان قبل ذلك اللاعبون هم حكام أنفسهم، في 1880 حمل الحكم جهاز توقيت ليقرر متى ينتهي اللعب، وكانت له سلطة طرد اللاعب ولكنه كان يدير المباريات من الخارج، في 1891 نزل الحكم أرض الملعب نافخا في صفارته، وتم إقرار أول ضربة جزاء في التاريخ بفضل تبني الصحافة البريطانية لذلك، وبعد أن نشرت مجلة "ويستمنستر جازيت" قائمة مرعبة بأسماء اللاعبين الذين ماتوا أو تكسرت عظامهم هناك، وعندما مات القرن التاسع عشر انتهى الاحتكار البريطاني للعبة وولدت الفيفا سنة 1904 لتحكم العلاقة بين كرة القدم في العالم كله، وأدخلت تعديلات طفيفة على القواعد البريطانية.
والفيفا (الاتحاد الدولي لكرة القدم) يحكم العالم في زيوريخ، واللجنة الأولمبية تحكم هي الأخرى في لوزان، ومؤسسة الإعلان "آي إس إل" تدير اللعبة من لوسرت، والمنظمات الثلاثة مقرها سويسرا صاحبة الوازع الديني في الحفاظ على الأسرار المصرفية.
هافيلانج الرئيس السابق للفيفا البرازيلي، وصاحب أكبر شركة نقل هناك "كوميتا" عندما رأس الفيفا أعلن "لقد جئت لأبيع سلعة اسمها كرة القدم"، فبعد أن كانت الفرق المشاركة في مونديال 1974 ستة عشر فريقا أصبحت 32 فريقا منذ 1998، وعندما سئل: ما هو أكثر ما يروقك في كرة القدم: المجد أم الجمال أم الفوز أم الشعر؟
أجاب: الانضباط
لقد اعترف هافيلانج أمام جماعة من رجال الأعمال في نيويورك سنة 1994 ولأول مرة: يمكنني أن أؤكد أن الحركة المالية لكرة القدم في العالم تصل إلى 225 ألف مليون دولار، وتباهى بمقارنة هذه الثروة بمبلغ الـ136 ألف مليون دولار الذي حققته شركة جنرال موتورز في العام نفسه.
منذ إنشاء الفيفا تحولت اللعبة إلى تجارة رابحة، ومع الوقت تحول الملعب إلى أستوديو تلفزيوني ضخم يبيع الاستعراض، وتحولت الفرق إلى مصانع تنتج هذا الاستعراض، وأصبح كل لاعب مجرد إعلان يلعب . في سنة 1989 لعب الرئيس الأرجنتيني الأسبق مباراة ودية مع منتخب بلاده الذي كان يضم أسطورة الكرة مارادونا وعلى صدره إعلان عن إحدى السيارات الفرنسية الشهيرة، لقد أصبح الإعلان على الصدر أهم من الاسم وأحيانا من العلم الوطني.
وكثيرا ما يضارب السياسيون والديكتاتوريون بكرة القدم، لقد كسبت إيطاليا مونديال 34 و1938 باسم موسوليني، ووجدت ديكتاتورية فرانكو (بأسبانيا) في ريال مدريد سفارة متجولة، وهو الفريق الذي سيطر على العالم من 1956 إلى 1960، في 1959 ألقى خوسيه سوليس أحد قادة نظام فرانكو خطاب شكر إلى لاعبي ريال مدريد: أشكركم لأن أناسا كانوا يكرهوننا في الماضي صاروا الآن يفهموننا بفضلكم.
لقد مرت كرة القدم برحلة أرّخت للقرن العشرين، رحلة من الخوف إلى الجرأة، من الدهشة إلى الرقابة، هي عبارة عن الانتقال من: استثمر مهاراتك وخيالك في إسعاد الناس.. إلى: عليك الالتزام بالخطة الموضوعة.
بعد الحرب العالمية الثانية كانت الشعوب قي حاجة إلى الرقص، حركات التحرر تجتاح العالم الجميع في حاجة إلى إحراز أهداف، كانت النتائج 5/1 أو 4/ صفر أو 6/2، بهتت بعد ذلك مع الحرب الباردة لتصبح صفر – صفر أو 1/1 أو 2/1، المدير الفني أزاح المدرب، يقول عندما يخسر فريقه: التوجيهات كانت واضحة ولم ينفذها اللاعبون.. بعد المكسب لا يقول شيئا، فقط: الخصم لعب مباراة كبيرة وكان صعبا.
*نقلا عن صحيفة الأهرام القاهرية31/5/2002




















