مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

الجناة.. التفسير

 12-06-2002

  بيان المثقفين الأمريكيين (على أي أساس نتقاتل؟)

وفي 11 سبتمبر قامت مجموعة من الأفراد بالهجوم المتعمد على أمريكا، وقد استخدموا طائرات مختطفة كأسلحة لقتل أكثر من 3000 من مواطني أمريكا في مدة تقل عن ساعتين في مدينة نيويورك ومنطقة الجنوب الغربي من بنسيلفانيا ومدينة واشنطن، وأغلب المقتولين كانوا مدنيين ولم يكن الذين قتلوهم يعرفون عنهم سوى أنهم أمريكيون. هؤلاء الذين ماتوا في صباح 11 سبتمبر قد تم قتلهم بالقصد وبالعدوان وبطريقة غير مشروعة، فهو بالتحديد القانوني جريمة القتل العمد العدوان، وكان من المقتولين أفراد من كل جنس ومن كل عرق بشري ومن المنتسبين إلى أكثر الأديان الكبرى، منهم من يشتغل بغسل الأواني ومنهم مديرو شركات كبيرة.

الذين ارتكبوا هذه الأعمال الحربية لم يقوموا بها بأنفسهم ولا بدون دعم من الآخرين أو لأسباب مجهولة، بل كانوا أعضاء في شبكة عالمية شبه إسلامية قائمة في أكثر من 40 دولة، وهي معروفة اليوم باسم القاعدة، وهذه الجماعة بدورها إنما تمثل جزءا تنفيذيا من حركة متطرفة كبيرة شبه إسلامية، وكانت هذه الحركة تنمو منذ عشرات السنين، وفي بعض الأحيان وجدت هذه الحركة التسامح من قبل حكومات وحتى الدعم من بعضها مع أنها كانت تعلن رغبتها في اتخاذ القتل العمد العدواني وسيلة إلى تحقيق أهدافها وهو ما قد قامت به فعلاً.

نحن نستخدم لفظ "الإسلام" ولفظ "الإسلامية" لنتحدث عن أحد الأديان العالمية العظيمة الذي ينتسب إليه حوالي ألف ومائتي مليون شخص، منهم ملايين كثيرة من مواطني الولايات المتحدة ومنهم من قُتل بالعمد والعدوان في أحداث 11 سبتمبر. ولا حاجة إلى ذكره -ولكننا نذكره هنا مرة واحدة بوضوح- أن أغلب المسلمين في العالم الذين يهتدون بتعاليم القرآن مهذبون ومخلصون ومسالمون. ونستخدم العبارة "شبه الإسلامي" و"متطرف شبه إسلامي" حين نتكلم عن الحركة الدينية السياسية المغالية العنيفة التي تهدد العالم كله حتى العالم الإسلامي.

ليست هذه الحركة المتطرفة العنيفة ضد بعض السياسات الأمريكية والغربية فحسب -بل بعض موقعي هذه الرسالة ضد بعض تلك السياسات- ولكنها ضد مبدأ أساسي للعالم المعاصر ألا وهو مبدأ التسامح الديني وهذه الحركة كذلك تضاد حقوق الإنسان الأساسية -منها حرية القيم والحرية الدينية على وجه الخصوص- المدونة بالاعتزاز في ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان والتي يجب على كل حضارة تتجه إلى ازدهار الإنسان والعدل والسلم أن تتخذها أساسا.

وهذه الحركة المتطرفة تدعي أنها اللسان الناطق للإسلام ولكنها تخالف مبادئ إسلامية أساسية. الإسلام ضد الفظائع الأخلاقية، وعلى سبيل المثال فقد ذهب علماء الإسلام المهتدون بتعاليم القرآن وسنة النبي عبر القرون إلى تحريم قصد غير المقاتلين بالقتل وعلى وجوب توقف العمليات العسكرية على أمر السلطة الشرعية. والعلماء يجزمون بأن هؤلاء المارقين الذين يذكرون اسم الله عند قتلهم الناس اعتباطا هم خطر يهدد الإسلام وحرمته مثل تهديدهم للنصرانية ولليهودية وغيرهما من الأديان.

نحن نقر بأن الحركات التي تدعي الدينونة لها أبعاد معقدة سياسية واجتماعية وبيئية التي لا بد من الانتباه إليها. ولكن في نفس الوقت، فإن البُعد الفلسفي أمر مهم. والفلسفة التي تبعث الحياة في هذه الحركة المتطرفة شبه الإسلامية في استخفافها بالحياة البشرية وفي نظرها إلى العالم كأنه ميدان للحرب المهلكة بين المؤمنين والكفار (سواء كان هؤلاء "الكفار" مسلمين غير متطرفين أو يهود أو نصارى أو هندوس أو غير ذلك) هي فلسفة تنكر الاحترام المتساوي لجميع الناس وبهذا الاتجاه هي تغدر بالدين وترفض أساس الحياة الحضارية واحتمال تعايش الأمم بسلام.

بيان المثقفين السعوديين (على أي أساس نتعايش ؟):

إن الغرب يتحدث كثيرًا عن مشكلة الإرهاب والتطرف، ومن وجهة نظرنا فإن هذه مشكلة جادة في العالم، ويفترض أن تكون هنالك مشاريع متعددة لمعالجتها، لكننا نود التأكيد على الحقائق التالية التي يبدو لنا أنها عقلانية قبل كل شيء:

الحقيقة الأولى: أن التطرف ليس خاصًا بالمفهوم الديني، بل ثمة أشكال من التطرف السياسي والاقتصادي والإعلامي يفترض أن تحظى بنفس الاهتمام لأنها تمارس مصادرة لمبادئ الأخلاق وأنظمة الحقوق في العالم.

وأيضًا فإن التطرف الديني ليس مرتبطا بديانة معينة وإن كنا نعترف بأشكال متطرفة مرتبطة ببعض المسلمين كغيرهم؛ لكننا على وعي أن كل التجمعات الدينية في العالم يوجد فيها أشكال متطرفة، وقرّاء الفكر والديانات والثقافات يَعُوْن هذه الحقيقة. إنه ليس من العقل ولا العدل الإلحاح غير العقلاني على قضية التطرف الإسلامي وصناعة مشروع الاستفزاز لـه دون المعالجة الحقوقية لكل أشكال التطرف في العالم الديني وغير الديني.

الحقيقة الثانية: حين نؤمن أن العالم يواجه مشكلة الإرهاب والتطرف بالمفهوم الشامل الذي ذكرناه، فكذلك ينبغي أن نقدر أن ثمة مجموعة من المشاكل يواجهها العالم في: الحقوق، والحريات، والأوليات الإنسانية (التعليمية، والصحية، والغذائية، والأخلاقية) يفترض أن تحظى باهتمامنا.

إننا على إدراك أن كثيرًا من التجمعات الإسلامية المتشددة -كما توصف- لم تُرِدْ أن تكون كذلك في أولى خطواتها؛ لكنها وضعت في هذه الدائرة تحت سلطة سياسية، أو عسكرية، أو إعلامية تلاحقها وتحاصر قنواتها في التعبير السلمي، وتمتلك إلغاء فرص الاعتدال، وضرب نظام الحقوق، وهذا هو الدافع الأكبر للتشدد في التجمعات والحركات الإسلامية. ونحن على إدراك أن هذا التشكيل يقع اليوم تحت رعاية المشروع الغربي نفسه باسم (مكافحة الإرهاب).

إن الاستقرار أساس الحقوق والحرية في العالم؛ وحين نحرم الناس من الاستقرار ونفرض عليهم أن يعيشوا في دوامة من القلق والقهر والضيم فإنهم قد يتصرفون بطريقة غير أخلاقية، والواقع المرّ هو الذي يصنع القرارات، بل هو الذي يصنع الفكرة أحيانًا. وحين ينتظر الناس طويلاً قبل أن ينالوا شيئًا من حقوقهم فمن المرجح أنهم سيتصرفون في فترة الانتظار بطريقة يصعب التنبّؤ بها أو تقدير عواقبها.

تابع القضايا التالية في البيانين (الأمريكي، السعودي):