مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

الحرب العادلة.. الحقائق والأكاذيب

 12-06-2002

  بيان المثقفين الأمريكيين (على أي أساس نتقاتل؟)

نعترف بأن الحرب بجميع أنواعها أمر هائل وهي في النهاية تمثل الفشل السياسي للبشر. ونعلم أيضا أن الخط الفاصل بين الخير والشر لا يمتد بين مجتمع ومجتمع ولا بين دين ودين ولكن هذا الخطأ يمتد في باطن قلب كل إنسان. وفي نهاية المطاف فإن أصحاب الإيمان منا -سواء كانوا يهودا أو نصارى أو مسلمين أو غير ذلك- يعترفون بالمسؤولية الموضوعة في كتبنا المقدسة وهي حب الرحمة وبذل الجهد لاجتناب الحرب والتعايش بسلام. 

ومع ذلك فإننا نعلم بمقتضى العقل ومن خلال التأمل الدقيق في الأخلاق أن في بعض الأحيان يكون أوّل وأهم ما يقام به لمواجهة الشر هو إيقافه، وفي بعض الأوقات لا يكون الشروع في الحرب جائزًا فحسب بل واجبًا أخلاقيًا في مقابلة أعمال عنيفة هائلة ظالمة ناشئة عن الحقد والبغضاء، وهذا أحد هذه الأوقات. 

فكرة "الحرب العادلة" فكرة واسعة لها جذور في مذاهب دينية وعلمانية مختلفة تتضمن التعاليم اليهودية والنصرانية والإسلامية -مثلاً - تأملات عميقة عن تحديد الحرب العادلة. وبلا شك أن بعض الناس يجزم - باسم الواقع أحيانا- أن الحرب ميدان المصالح الشخصية أو الضرورة فلا صلة لها بالتحليل الأخلاقي، ونحن لا نتفق مع هذا الرأي فإن رفض التعبير الأخلاقي عن الحرب هو موقف أخلاقي في ذاته وهو موقف يدعو إلى رفض دور العقل والمعيار في شؤون الدول وقبول التهكم في أمور الحياة. إن القيام بتطبيق المنطق الأخلاقي على قضية الحرب هو بنفسه القول بإمكانية بناء المجتمع على الحياة المدنية وبناء مجتمع عالمي على أساس العدل. 

إن مبادئ الحرب العادلة تعلمنا أن الحروب القائمة على الاعتداء والاستعلاء مرفوضة بالكلية، فلا تشرع الحرب لتعزيز الوطن أو للانتقام لما مضى من الظلم أو لأخذ الأراضي أو لأي غرض آخر سوى الدفاع. 

إن المبرر الأخلاقي الرئيس للحرب هو صيانة الأبرياء من الضرر الأكيد، لقد ألف أوغسطين كتابه المسمى "مدينة الإله" في القرن الخامس الميلادي وهذا الكتاب له تأثير بارز في فكرة الحرب العادلة. يقول أوغسطين فيه -وهو يقرر المعنى الذي أتى به سقراط-: إن الأحسن للفرد النصراني أن يتأذى بالضرر من أن يؤذي غيره به، ولكن هل يجدر بصاحب المسؤولية الأخلاقية أن يلزم غيره من الأبرياء بترك الدفاع عن أنفسهم؟ الجواب عند أوغسطين وعامة أصحاب فكرة الحرب العادلة هو أن ذلك الإلزام غير صحيح. إذا أقيمت الحجة على أن الأبرياء الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم سيصيبهم ضرر هائل إن لم تستخدم قوة قاهرة لإيقافه. في هذه الحالة يدعونا المبدأ الأخلاقي لحب الجار إلى استخدام القوة. 

لا تشرع الحرب في مواجهة الخطر القليل أو المشكوك فيه ولا في مواجهة الخطر الذي يمكن إزالته بطريقة المفاوضة أو الدعوة إلى العقل أو الشفاعة أو غيرها من الطرق السلمية، لكن عندما يكون الخطر على حياة الأبرياء خطرا حقيقيا يقينيا فحينئذ يكون اللجوء إلى استخدام القوة مبررا أخلاقيا لا سيما عندما يكون الدافع للمعتدي هو العداوة المتصلبة حيث لا يستهدف الحوار، ولا الامتثال لأمر ما، وإنما يهدف إلى الدمار. 

الحرب العادلة لا يقوم بها إلا السلطة الشرعية التي تتولى التدبير العام للشعب، والعنف الصادر من الأفراد على سبيل اغتنام الفرص أو بدون نظام لن يقبل أبدا من ناحية الأخلاق. 

لا يجوز إقامة الحرب ضد غير المقاتلين؛ الخبراء بفكرة الحرب العادلة من كل زمان ومكان ومن كل ملة سواء كانوا يهودًا أو نصارى أو مسلمين وغيرهم يعلَموننا أن غير المقاتلين لا يجوز قصدهم بالهجوم، وعلى ذلك فإن قتل المدنيين انتقاما أو حتى بقصد ردع المتعاطفين مع المعتدين عن الاعتداء باطل من ناحية الأخلاق، ومع أن القيام بعمليات عسكرية يتوقع منها قتل المدنيين عن غير قصد أمر جائز في بعض الحالات وفي إطار ضيق، فإن قصد المدنيين بالقتل غير جائز أخلاقيًا كهدف للعملية العسكرية. 

نعلم من هذا المبدأ وغيره من مبادئ الحرب العادلة أن الناس حينما يفكرون في إقامة الحرب فإنه ممكن لهم بل واجب عليهم أن يقوموا بتأكيد حرمة الحياة البشرية وباعتناق مبدأ الاحترام المتساوي لجميع الناس، وهذه المبادئ تطالبنا بالمحافظة على الحقيقة الأخلاقية الأساسية أن من يبدو غريبا لنا بسبب الاختلاف في الجنس أو في اللسان أو في الدين - حتى الدين الذي نعتقد بطلانه - فإنهم يتساوون معنا في حق الحياة وفي حق الاحترام وفي سائر الحقوق الإنسانية، وإننا نطالب بالمحافظة على هذه الحقيقة حتى في حالة الحرب المأساوية.

بيان المثقفين السعوديين (على أي أساس نتعايش ؟):

إننا ندعو إلى انفتاح جاد من الغرب على الإسلام، وقراءة مشاريعه، والتعامل بهدوء مع الواقع الإسلامي، وأن يُجري الغرب مراجعة جادة في الموقف من الإسلام، وندعوه كذلك إلى فتح قنوات حوار بين النخب المثقفة الممثلة لتيار الإسلام العريض وبين المفكرين وصناع القرار في الغرب. من المهم أن يدرك الغرب أن غالبية الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي وغيره تمتلك قدرًا ذاتيًا من الاعتدال، من المهم المحافظة عليه، وفرض نظام الحقوق لهذه المجموعات العاملة بهدوء، وعدم صناعة الاستفزاز أو السماح به من أي طرف وتحت أي مبرر؛ حتى يمكن مراجعة التصرفات بعقلانية وأمانة. إننا معنيون بالحملة على الإرهاب سواءً أتى من مسلمين أو غير مسلمين لكن ما دام الأمر مستندًا إلى قيم وأخلاقيات فلماذا لم يُذكر المتطرفون الآخرون؟ ولماذا لم يذكر الفلسطينيون الذي يتعرضون وبخاصة هذه الأيام لأبشع أنواع الإرهاب من هدم المدن والمخيمات والقتل الجماعي والحصار الخانق للمدنيين الأبرياء، وكل ذلك لا يمارسه ضدهم أفراد أو منظمة سرية بل دولة عضو في الأمم المتحدة، هي دولة إسرائيل.

وإذا كان الهدف استئصال الإرهاب من جذوره فإن الوسيلة الملائمة ليس الحرب الشاملة بل السلام العادل وهذا ما يبحث عنه العالم في فلسطين وغير فلسطين. إن الإرهاب بالمعنى الاصطلاحي الشائع اليوم إنما هو صورة واحدة من صور الاعتداء الظالم على الأنفس والممتلكات، وإنه لمن العمى الأخلاقي أن يركز على صورة واحدة من صور الاعتداء الظالم ويغض الطرف عن صورها الأخرى حتى لو كانت أكثر بشاعة وأكثر إزهاقا للنفوس وإفسادا في الأرض، بطريقة انتقائيةٍ ، ذات معيار مزدوج.

الحقيقة الثالثة: إن افتعال الصراع لا يصنع الأفضل بالضرورة لأي من الطرفين المتصارعين، والذين يمثلون الصراع ليسوا دائمًا هم الأفضل لتمثيل هذا التجمع أو ذاك. ولا شيء يبعد شبح الصدام كما يفعله العدل ورعاية الحقوق والالتزام بالقيم والأخلاق حتى في الحروب إذا اضطررنا إليها. إن إدارة الصراع في التجمعات الغربية تنطلق من رعاية المصالح القومية إن لم نقل الفئوية والمحافظة عليها ولو على حساب حقوق الآخرين، والحق أن هذه السياسة هي التي تصنع التهديدات الخطيرة للأمن المدني ليس للغرب فحسب، بل للعالم كله، فضلاً عن كونها تصنع الأوضاع المأساوية اللاإنسانية. ورجال إدارة الصراع في العالم إنما يستعدون الجماهير ضدهم بقراراتهم وسياساتهم، ويجب أن نقوم في دائرة العلم والفكر بمراقبة هذه التصرفات، والمحافظة على مجتمعاتنا المدنية وحقوقها وأمنها المدني. ويجب أن ندرك أن سيطرة إدارة الصراع في العالم ستقود لصناعة الأسوأ للواقع وللأجيال القادمة التي ستواجه آثار حساباتنا الخاصة. نعم! علينا أن نتفاءل، لكن علينا -أيضًا- أن نكون واضحين في مراقبة التصرفات وإدراك آثارها.

لقد بات الأمن المدني مهددًا في العالم في ظل التسابق للصراع ورسم مشاريعه. ودورنا أن نتجاوز الشعارات وندرك أن إدارة الصراع في الغرب وفي الولايات المتحدة بالدرجة الأولى تمارس تقويضًا للأمن المدني في العالم باسم مكافحة الإرهاب، وأعداد الضحايا المدنيين في أفغانستان جراء القصف الأمريكي تتزايد دون أن تظهر الإدارة الأمريكية أي نوع من أنواع الضبط الأخلاقي والقيمي لحربها "العادلة" كما تسميها. وذلك -في الواقع- أشبه ما يكون بتوفير الأجواء وإعطاء المبررات الجديدة لمزيد من المصادمات هنا وهناك، ولئن كان الغرب يعتبر أحداث الحادي عشر من سبتمبر تتجه لزعزعة الأمن المدني في الغرب فمن الممكن أن نشاركه الشعور وحتى الموقف في رفض ضرب الأمن المدني في العالم، لكن من المهم أن يدرك الغرب أن الأمن المدني في العالم الإسلامي لم يشهد استقرارًا من عقود كثيرة، وكثير من التعويق للأمن المدني كان تحت مظلة الغرب، وربما ممارساته المباشرة. آنَ أنْ يدرك الغرب أن استخدام دائرة القوة العسكرية أو الإعلامية لا يعطي ضمانًا صادقًا للمستقبل، فكثيرًا ما تتجه الأمور بأشكال مفاجئة وغير خاضعة لقانون الحسابات، وكأن أحداث الحادي عشر من سبتمبر تختصر مسافات واسعة في هذه المعادلة.

ولذا فإن إيجاد مساحة أوسع للحوار، وتبادل الرأي يلتقي فيها أهل الفكر والعلم والثقافة هي - من وجهة نظرنا - البديل للغة العنف والتدمير، وهذا هو دافعنا لكتابة هذه الورقة وإدارة هذا الحوار.

تابع القضايا التالية في البيانين (الأمريكي، السعودي):