مدارك: بوابة الثقافة والفكر الإسلامي المعاصر "إصدار تجريبي"
أرسل لصديق ||

المعتقد الديني.. المشكلة أم الحل؟

 12-06-2002

بيان المثقفين الأمريكيين (على أي أساس نتقاتل؟)

منذ 11 سبتمبر سأل ملايين الأمريكيين أنفسهم وبعضهم بعضا، ماذا عن الله؟ فإن أزمات من هذا الحجم الهائل أجبرتنا على التفكير من جديد في المبادئ الأولية، عندما نتأمل الرعب الذي حدث والخطر الذي قد يأتي، يتساءل كثير منا: هل المعتقد الديني جزء من الحل أو جزء من المشكلة؟.

موقعو هذه الرسالة ينتسبون إلى فئات دينية وأخلاقية مختلفة بما فيها الفئات العلمانية. نحن جميعا متحدون في الإيمان بأن قتل الناس أو جرحهم بزعم التفويض من الله عمل مخالف للأخلاق وللإيمان بالله، ويعتقد كثير منا أننا تحت حكم الله ولا يزعم أحد منا أن الله أمره بقتل الآخرين أو الاستعلاء على بلادهم، وبالفعل فإن مثل هذا الاتجاه سواء سمي "حربًا مقدسة" أو "حربا صليبية" فهو لا يخرق أسس العدالة فقط، بل هو في الحقيقة ينافي المعتقد الديني، حيث يحوّل الله إلى صنم يستخدم الناس لأغراضهم، وكانت أمتنا في الماضي ضالعة في حرب مدنية كبيرة، كلا الطرفين فيها يزعم أن الله ينصره على الطرف الآخر.

في خطاب التنصيب الثاني في عام 1865 قال أبراهام لينكولن الرئيس العاشر للولايات المتحدة بوضوح: "لله شؤونه الخاصة".

الذين قاموا بمهاجمتنا في 11 سبتمبر أعلنوا أنهم يقومون "بحرب مقدسة". كثير من مؤيديهم والمتعاطفين معهم يذكرون اسم الله على هذا الأمر، ويبدو أنهم يعتنقون الفكرة الأساسية للحرب المقدسة، ويكفينا كأمريكان أن نتذكر تاريخنا وتاريخ الغرب لندرك حجم الكارثة في هذه الطريقة من التفكير.

فالحروب الدينية النصرانية والعنف القائم بين فرق النصارى مزقت أوربا لما يقرب من قرن من الزمان، وفي الولايات المتحدة لنا إلمام بالذين يعتدون على الغير بالقتل باسم الدين، وهذه الظاهرة السيئة لا يخلو منها دين ولا تخلو منها حضارة.

يملك كل إنسان دافعا طبيعيا للسؤال لكي يعلم، فمن الأنشطة التي يمتاز بها الإنسان التقدير والاختيار والتعليل لما نرى فيه قيمة ونحبه.. نريد أن نعرف سبب ولادتنا، وماذا سيحدث بعد الموت.. وهذا يوصلنا إلى البحث عن الحقائق العظمى، وعند كثير من الناس يتضمن هذا السؤال عن الله.

بعض موقعي هذه الرسالة يعتقدون أن الإنسان كائن ديني بالطبع حتى الذين لا يؤمنون بالله ولا يشتركون في دين منظم، فإن كل إنسان يقوم باختيار ما هو مهم، وكل إنسان يفكر في القيم الكبرى، أما جميع موقعي هذه الرسالة فهم يعترفون بأن الإيمان الديني والمؤسسات الدينية أسس مهمة للحياة المدنية في جميع أنحاء العالم، وكثير ما تأتي بنتائج إيجابية للمجتمع وأحيانا بالشقاق والعنف.

فما أفضل موقف للحكومات وقادة المجتمع من هذه الحقائق البشرية والاجتماعية الأساسية؟ أحد المواقف التي يمكن أن يتخذوها هي أن يقمعوا أو يمنعوا الدين بالكلية. كما يمكن لهم كذلك أن يعتنقوا العلمانية الإيديولوجية: وهي الشك القوي على مستوى المجتمع أو العداوة للدين وتقوم على أساس أن الدين بالذات وأي مظاهر عامة للاعتقاد الديني تسبب المشاكل.

وهناك موقف ثالث محتمل وهو اعتناق الثيوقراطية التي تُبنى على أساس أن دينا واحدا –دين الحق في زعمهم– ينبغي أن يكون ملزمًا لجميع أعضاء المجتمع، وبالتالي ينبغي أن تقوم الدولة بدعمه وتأييده.

نحن مخالفون لجميع هذه المواقف؛ فإن القمع القانوني يتعدى على الحريات المدنية والدينية وهو غير منسجم مع المجتمع الديمقراطي، ومع أن العلمانية الإيديولوجية قد زاد شأنها في مجتمعنا في الأجيال المتأخرة فإننا لا نتفق معها؛ لأنها تمنع المشروعية العامة لجزء مهم من أجزاء المجتمع المدني وهي تنكر ما قد يكون جزءًا من الإنسانية نفسها. أما الثيوقراطية فكان لها وجود في تاريخ الغرب (لكنها غير موجودة في تاريخ الولايات المتحدة) فإننا لا نتفق معها لأسباب اجتماعية ودينية من ناحية المجتمع فإن تأسيس الحكومة على دين واحد قد يقع في معارضة الحرية الدينية التي هي حق أساسي للإنسان، وبالإضافة إلى ذلك سيطرة الحكومة على الدين قد تسبب أو تزيد من شدة الصراع الديني وأهم من ذلك أنها قد تضر بنشاط المؤسسات الدينية وثقة الناس بها، ومن ناحية الدين فإن الذين يتمتعون باعتقاد جازم في صحة دينهم فإن إجبار الآخرين بأمور الدين ينتهك حرمة الدين نفسه؛ لأنه يمنع الآخرين من الإجابة بالحرية وبالاحترام لدعوة الخالق.

وأحسن ما تحاول الولايات المتحدة أن تحققه في نفسها أن تكون مجتمعا يتعايش فيه الإيمان والحرية حيث يرفع كل منهما من شأن الآخر. لدينا دولة علمانية فالموظفون الرسميون في الحكومة ليسوا في نفس الوقت رسميين في الدين، لكننا أكثر تمسكا بالدين من سائر مجتمعات الغرب، ونحن كأمة نحترم الحرية الدينية وتعدد الأديان ونحترم حقوق غير المؤمنين بالله لكننا أمة يقوم أفرادها قائلين في عهد الولاء: "أمة واحدة تحت رعاية الله" ونحن أمة تعلن في كثير من محاكمها وتنقش في كل نقد من نقودها العبارة: "نتوكل على الله". ومن ناحية السياسة فإن الانفصال بين الكنيسة والدولة يهدف إلى تحديد الدائرة المناسبة للسياسة، وهذا الهدف يتحقق جزء منه بالتقليل من سلطة الحكومة على الدين ويتحقق جزء آخر منه بجعل الحكومة تستند في مشروعيتها إلى إطار أخلاقي خارجي لم تقم الحكومة بإنشائه، ومن الجانب الروحي فإن الانفصال بين الكنيسة والدولة يسمح للدين أن يكون دينًا؛ لأنه يبعد الدين عن سلطة الحكومة القاهرة، وبالاختصار فإننا نطلب الانفصال بين الكنيسة والدولة لحمايتهما ولحفظ حيويتهما.

الأمريكيون المتدينون يواجهون الصعوبة في اعتناق الحقائق الدينية والحرية الدينية في نفس الوقت، وعلاوة على ذلك فإن هذه القضية ليس لها حل نهائي؛ فإن نظامنا نظام اجتماعي دستوري، ويكاد هذا النظام بتحديده يفتقر بصفة مستمرة إلى التأمل والتعديل والتسوية. ويساعد هذا النظام شخصية ومزاج نفسي –يقوم هو أيضا بتربيتهما– بحيث يكون المؤمنون المتدينون الذين يتمسكون بحقائق دينهم يحترمون الذين يتخذون طريقة أخرى، وهذا الاحترام لا يعتبر عندهم تنازلا عن شيء من حقائق دينهم بل هو مظهر من مظاهرها.

ما الذي يساعد على التقليل من سوء الظن والحقد والعنف الناشئة عن الاعتقاد الديني في القرن الحادي والعشرين؟ لهذا السؤال أجوبة كثيرة مهمة ولكننا هنا نتمنى حلا واحدا وهو: تعميق تقديرنا للدين وتجديد هذا التقدير بطريقة الاعتراف بأن الحرية الدينية حق أساسي لسائر البشر في جميع الدول.

بيان المثقفين السعوديين (على أي أساس نتعايش ؟):

ركز موقعو الورقة الأمريكية على ضرورة فصل الدين عن الدولة، ورأوا في ذلك قيمة عالمية ينبغي على جميع شعوب الأرض قبولها، ونحن -المسلمين- ننظر إلى إشكالية العلاقة بين الدين والدولة نظرة أخرى تختلف عن هذا التصور، وتصورنا يحمي إرادة الأكثرية، ويحفظ حقوقها، ويحمي كذلك حقوق الأقلية. إن الدين الإسلامي دين شامل له أحكام تفصيلية في كافة مناحي الحياة، ويصعب أن تتكون دولة جادة ومحترمة لشعبها في البيئة الإسلامية دون أن تتبنى أحكام هذا الدين العامة. وتبني الدولة للدين الإسلامي ليس معناه التدخل في خصوصيات الأقليات وإجبارها على التخلي عن دينها وإكراهها على الدخول في الإسلام فقد استقر في وعي المسلم وعُلِمَ من صريح آيات القرآن أن لا إكراه في الدين. وما دعا إليه المثقفون الأمريكيون في بيانهم من ضرورة فصل الدين عن الدولة يمثل قصورًا في فهم الدين كمكون أساس للثقافة في المجتمعات الإسلامية، ونرى أنه لا يمكن تطبيقه في المجتمع المسلم لأنه يحرم أفراده من حقهم في تطبيق أحكام حياتهم العامة ويتعدّى على إرادتهم بحجة حماية الأقلية ولا يصح عقلاً أن نحمي حقوق الأقلية بحرمان الأكثرية من حقوقها. ونرى أن الذي يعني الأقلية هو حماية حقوقها وليس التعدي على حقوق الأكثرية حيث إن التعدي على حقوق الأكثرية لا يستقيم معه السلم الاجتماعي، وحقوق الأقلية في المجتمع المسلم مصانة.

إننا نؤمن أن الإسلام هو الحق، ولكن من غير الممكن أن يكون العـالم كله مسلمًا؛ إذ ليس بمقدورنا جعله كذلك، وليس من شريعتنا أن نلزم الآخرين بمفاهيمنا الخاصة، هذا هو خيارنا الشرعي. لكن الشيء الذي يجب أن نقوم به هو شرح رسالة الإسلام التي هي هداية ورحمة للبشرية كلها، وإن كنا لا نغفل عن ضرورات الواقع البشري والحاجة لمدافعة العوائق التي تحول بين الناس وبين تفهم هذه الرسالة ثم تبنيها بمحض إرادتهم دون إلزام.

إن المسلمين من حقهم أن يكونوا متمسكين بدينهم وقيمه وتعليماته، هذا خيار من الصعب محاولة تعويقه؛ لكننا نقدم المفهوم الوسطي المعتدل، ونسعى لإشاعته، وسيجد العالم الغربي فيه فرقًا كبيرًا عن المفاهيم والتصورات التي يحملها عن الإسلام، هذا إذا كان جادًا في الاعتراف بنا وبديننا ومقدراتنا، أو -على أقل تقدير- في القراءة المنصفة لحقيقة ديننا ومعرفة قيمنا.

إن الإسلام ليس عدوًا للحضارة؛ لكنه يرفض الاستخدام السلبي لها. والإسلام ليس عدوًا لحقوق الإنسان أو الحريات، ولكن الإسلام يرفض تحويل الحرية والحقوق إلى أداة للصراع، كما يرفض اعتماد رؤية ثقافية محددة على أنها القانون العالمي الذي يجب تعميمه بالإكراه. بل إن الإصرار في فرض هذه الرؤية ولو كانت تصور على أنها تسامحٌ دينيٌ، لا يقل تطرفًا عما تقع فيه المجموعات المتشددة دينيًا. ومصادرة حق الآخرين في الاختيار تعني بالضرورة اختيار الصراع، وهذا هو المحرك الذي يستفز قوى المقاومة، ويجب أن يدرك الغرب أن إلحاق الأذى قد لا يتطلب الكثير، وأن صناعة الدمار هي أقل الصناعات تقنية في العالم، ويمكن أن يمارس بطرائق غير قابلة للمحاصرة، لكن ذلك سيولد له ألوانًا من التطرف متزايدة داخل كل المجموعات الحضارية، بما فيها المتبنية لفصل الدين عن الدولة، بل ربما تكون الأكثر احترافًا لهذا التطرف.  

تابع القضايا التالية في البيانين (الأمريكي، السعودي):