سؤال.. لماذا أمريكا؟
منذ 11 سبتمبر سأل ملايين الأمريكيين أنفسهم وبعضهم البعض: لماذا؟ لماذا كنا هدف هذه الهجمات البغيضة؟ لماذا يريد هؤلاء أن يقتلونا؟.
نعترف أن أمتنا في بعض الأحيان قد تصرفت بالاستكبار والجهل تجاه مجتمعات أخرى، وفي بعض الأحيان مارست سياسات مضللة وغير عادلة. ونحن كأمة فشلنا في أحيان أكثر مما ينبغي في التعايش مع قيمنا. في نفس الوقت، لا نستطيع حض المجتمعات الأخرى على الخضوع للمبادئ الأخلاقية بدون الاعتراف بفشل مجتمعنا - في بعض الأحيان - في الامتثال بنفس المبادئ، نحن متحدون في اعتقادنا الجازم أن الاحتجاج بأية سياسة خارجية محددة لن تبرر أو حتى تفسر التذبيح الجماعي للأبرياء.
وبالإضافة إلى هذا فإن الديمقراطية التي نتمتع بها والتي تستمد قوتها من موافقة الشعب تستند السياسة - أو جزء منها على الأقل - إلى الثقافة والقيم والأولويات للمجتمع ككل. ومع أننا لا ندّعي المعرفة الكاملة بدوافع مهاجمينا ومن يتعاطفون معهم فإن ما نعلمه يرشدنا إلى أن ما يغضبهم يتجاوز سياسةً معينة أو مجموعة سياسات.. بقدر كبير؛ فلم تكن هناك مطالب محددة لمرتكبي القتل في 11 سبتمبر.
من هذه الناحية على الأقل فإن القتل كان لدافع القتل، لقد وصف زعيم تنظيم القائدة "الضربات المباركة" في 11 سبتمبر بأنها ضربات ضد أمريكا "رأس الكفر العالمي". فالأمر واضح إذن أن المهاجمين لا يحقدون على حكومتنا فحسب ولكن على كامل مجتمعنا وطريقتنا في الحياة. فبصورة أساسية يتجاوز كرههم لما يفعله زعماؤنا إلى جموع شعوبنا وأمتنا.
بيان المثقفين السعوديين (على أي أساس نتعايش؟)
ليس من العقلانية في شيء أن تتحول أحداث الحادي عشر من سبتمبر إلى سلطة لممارسة التصنيف للمفاهيم والحضارات والتجمعات القائمة، إن كثيرين في العالم الإسلامي وغيره لم تكن هذه الهجمات في محل ترحيب وحفاوة عندهم، لجملة من الأسباب القيمية والمبدئية والمصلحية والأخلاقية التي تعلمناها من الإسلام.
لكننا في الوقت نفسه نستغرب هذا الاستنتاج السريع حول دوافع المنفذين، واختزال ذلك في محاربة المجتمع الأمريكي وقيمه البشرية العالمية.
فبدون الدخول في تفاصيل ذلك والجدل حوله نرى أن من حقنا ومن حق كل محايد منصف بل من حق كل أمريكي أن يتساءل: لماذا لم يختر المنفذون بلدًا آخر غير الولايات المتحدة ممن يتبنى نفس القيم الغربية؟
بل لماذا لم يتوجه هؤلاء إلى دول ومجتمعات أخرى تدين بالوثنية في آسيا وأفريقيا هي أولى بالحرب لو كان دافعهم هو محاربة من يختلف معهم في القيم؟
وتعاليم الإسلام تصف النصارى بأنهم أقرب للمسلمين من غيرهم، والتاريخ يذكر أن نبي الإسلام محمدا صلى الله عليه وسلم أرسل مجموعة من أصحابه في سنوات الإسلام الأولى إلى أحد الملوك المسيحيين في الحبشة؛ لأنه يتميز برعاية الحقوق الخاصة، وأن النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم كتب كتابًا لملك المسيحيين الرومان، ولملك المسيحيين الأقباط ولقي الكتابان حفاوة بالغة.
وقد أخبر القرآن الكريم أن المسيحيين هم الأفضل في أخلاقيات التعامل من بين كل المجموعات الدينية المخالفة للإسلام في قوله: "لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى" (المائـدة: من الآيـة82)
لماذا نفترض تجاهل هذا التاريخ، ونتسامح في قراءة سطحية مبتسرة للأحداث؟!
ليس هذا فحسب، بل إن النظم والتشريعات التي جاء بها الإسلام تؤسس لحياة مستقرة للمؤمنين به وغير المؤمنين، بل إن القرآن الكريم وصف النبي محمدا صلى الله عليه وسلم بأنه رحمةٌ للعالمين، أي: للبشرية كافة.
لكن حينما يفضل طرف أن يصنع الصراع مع المسلمين أو يتجاهل حقوقهم؛ فإن الإسلام يقابل ذلك بالمقاومة والمدافعة التي هي أحد مقاصد الجهاد.
ومن الضروري أن يدرك الغرب أن محاصرة الخيارات الخاصة والطموح المعتدل في العالم الإسلامي وصناعة الصراع سيرسّخ الكثير من المفاهيم التي يصعب تجاوزها في المستقبل، وسيخلق مشكلة للأجيال القادمة في العالم كله.
إن الولايات المتحدة لو اعتمدت العزلة عن العالم داخل حدودها ورفعت يدها عن القضايا المشتعلة فليس يعني المسلمون أن تكون دولة متقدمة أو ديمقراطية أو علمانية.
والخلاف بيننا وبين المجتمع الأمريكي ليس في قيم العدل أو خيار الحريات، ذلك أن القيم عندنا قسمان:
قيم إنسانية عامة متفقة مع الفطرة وديننا يدعو إليها.
وقيم خاصة بشعب معين آثرها واختارها فنحن لا نكرهه على تركها.
ذلك أن ديننا علّمنا أن لا إكراه في الدين، فضلاً عن كون مجموعة منها خيارات اجتماعية في الأصل ترتبط بالبيئة القائمة، كما أننا لا نقبل أن يفرض أحد علينا تغيير قيمنا أو يصدنا عنها.
ونرى أن من حقنا - كما هو من حق أي شعب - أن نوضح حقيقة ما نؤمن به من قيم لغيرنا من الشعوب من أجل تحقيق تفاهم أكثر بين شعوب الأرض، تحقيقًا للسلام العالمي، وخلقا لفرص يستفيد منها الباحثون عن الحقيقة والخير.
والولايات المتحدة الأمريكية - وإن كان لها جهود في تأسيس منظمة الأمم المتحدة وفي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومؤسسات أخرى شبيهة - فهي من أكثر الدول مخالفة لغايات هذه المؤسسات ولقيم العدل والحق، ويظهر ذلك بجلاء في موقف أمريكا من القضية الفلسطينية ووقوفها الدائم مع الاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين وقيامها بتبرير كافة الممارسات الصهيونية المخالفة لقرارات الأمم المتحدة ودعمها بأحدث الأسلحة التي تستخدم في قتل الأطفال والنساء والشيوخ وهدم المنازل… في الوقت الذي نرى فيه الإدارة الأمريكية تجيش الجيوش وتقود المعارك ضد دول أخرى كالعراق بدعوى انتهاكها لحقوق الإنسان وسياساتها العدوانية ضد جيرانها!.
إن هذا السلوك رسم صورة ذهنية عن الولايات المتحدة الأمريكية بأنها لا تحترم المنظمات الدولية، كما لا تحترم المبادئ الأخلاقية التي تقوم عليها الديموقراطية.
إن بعض القيم الإنسانية التي ذكرها المثقفون الأمريكان ليست قيمًا أمريكية بحتة، بل إنها متعددة المصادر تشترك فيها حضارات متنوعة ومن بينها الحضارة الإسلامية. والمسلمون وكثير غيرهم في سائر أنحاء العالم لم يروا في الواقع تلك القيم فقد حجبتها ممارسات الإدارة الأمريكية. والصورة المثالية للتعاون لن تتحقق إذا ظل أهل الحضارة الأمريكية على خوف دائم من أن تضعف أو تزول سيطرتهم، وعلى حرص دائم بأن لا يتطور غيرهم، خصوصا ما يسمونه دول العالم الثالث.
تابع القضايا التالية في البيانين (الأمريكي، السعودي):




















