القيم.. جدلية الخصوصية والعالمية
ونعتقد أن هذه القيم هي مبادئنا الأساسية، وهي التي تحدد طريقة حياتنا. ونذكر بالاختصار هنا أربعة منها:
الأولى: الجزم بأن الأفراد يملكون حرمة ذاتية كحق مكتسب بمجرد وجوده كإنسان. ومن ثَم يجب أن يعامل كل إنسان كغاية لا كوسيلة.
فمؤسسو الولايات المتحدة - مستندين إلى القانون الطبيعي، وأيضا إلى دعوى دينية أساسية أن جميع البشر خلقوا على صورة الله - أكدوا أن جميع الأفراد يستوون في الاحترام والحرمة، وأن هذا المعنى ثابت بعلم ضروري. وأوضحُ تعبيرٍ سياسي للإيمان بالاحترام المطلق للبشرية هو الديموقراطية.
ومن أوضح التعبيرات الثقافية لهذا المعنى التي ظهرت في الأجيال المتأخرة في الولايات المتحدة التأكيد على الاحترام المتساوي للرجال والنساء ولجميع الأفراد بغض النظر عن جنسهم أو لونهم.
الثانية، وهي تنتج مباشرة عن الأولى: الإيمان بوجود حقائق أخلاقية شمولية (التي عبّر عنها مؤسسو الولايات المتحدة بـ"قوانين الطبيعة وقوانين إله هذه الطبيعة")، وأنها في تناول جميع الناس. ومن أبلغ التعبيرات لاعتمادنا هذه الحقائق ما ورد في بيان الاستقلال الأمريكي وخطاب الوداع لجورج واشنطن وخطاب أبراهام لينكولن في غيتيزبورغ وخطاب التنصيب الثاني له أيضا ورسالة الدكتور مارتن لوثر كينج الابن من سجن برمنجهام.
الثالثة: بسبب أن الأفراد والجماعات لا يقدرون على الوصول إلى الحق الكامل، فإننا نعتقد أن أكثر الاختلافات حول القيم تُلزم الاتجاه إلى المدنية والانفتاح لآراء الآخرين والمناقشات السليمة في سبيل البحث عن الحقيقة.
الرابعة: حرية القيم والحرية الدينية مترابطتان. يُعترف بهما في دولتنا وخارجها كانعكاس للاحترام الأساسي للبشر وكشرط مسبق للحريات الفردية الأخرى.
بالنسبة لنا فإن ميزة هذه القيم أنها تطبق على جميع الناس بدون تمييز، ولا يمكن استخدامها لمنع أحد من الاحترام والاعتراف به على أساس الجنس أو اللغة أو الدين، ولذلك يمكن لأي شخص - من ناحية المبدأ - أن يصبح أمريكيا، وهذا يحدث فعلا. فيأتي الناس من جميع أنحاء العالم إلى دولتنا ليتنسموا الحرية كما ينادي بها تمثال الحرية في ميناء نيويورك وفي وقت قصير يصبح هؤلاء أمريكيين، ولم يسبق في التاريخ أن أمة من الأمم أقامت شخصيتها - من دستورها ووثائقها الأساسية وفهمها الذاتي - بهذه الصراحة على أساس القيم البشرية العالمية، وعندنا لا توجد حقيقة عن دولتنا أهم من ذلك.
يزعم بعض الناس أن هذه القيم غير عالمية وأنها تستند إلى الحضارة الغربية التي هي في معظمها نصرانية، ويحتجون بأن اعتبار هذه القيم عالمية يترتب عليه إنكار مميزات الثقافات الأخرى. ولكننا نخالف هذا الرأي. نعم، نعترف بإنجازات حضارتنا ولكن نؤمن بأن جميع الناس خلقوا متساوين وأن الحرية الإنسانية ممكنة ومفضلة وأن ثمة حقائق أخلاقية أساسية يُعترف بها في جميع أنحاء العالم.
ونحن متفقون مع مجموعة من الفلاسفة الذين قاموا في أواخر الأربعينيات الميلادية اشتركوا في وثيقة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ووصلوا إلى نتيجة أن بعض الأفكار الأخلاقية الأساسية منتشرة إلى درجة أنها "قد يُنظر إليها على أنها جزء من طبيعة الإنسان كعضو في المجتمع". وعلى هذا فنحن نتفق مع الدكتور مارتن لوثر كينج الابن بأن "الإطار الأخلاقي للكون بعيد ولكنه ينحني نحو العدالة" ليس نحو فئة قليلة أو فئة محظوظة بل نحو جميع الناس.
بالنظر إلى مجتمعنا نعترف مرة أخرى ببعد المسافة بين مثاليتنا وتصرفاتنا، لكننا كأمريكيين في وقت الحرب والأزمة العالمية نقترح أيضا أن القيم التي نسميها عرَضا بـ"القيم الأمريكية" لا تمتلكها أمريكا فقط، لكنها في الحقيقة ميراث مشترك للبشرية. وعلى هذا الأمل يمكن بناء المجتمع العالمي على أساس السلم والعدل.
بيان المثقفين السعوديين (على أي أساس نتعايش؟):
ثمَّة مجموعة من المبادئ والأخلاقيات الأساسية التي تحكم علاقاتنا مع الأمم الأخرى، ولقد أرساها رسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم قبل أربعة عشر قرنًا قبل أن توجد منظمات حقوق الإنسان أو هيئة الأمم المتحدة ومواثيقها الدولية، منها:
(1) الإنسان من حيث هو كينونته مخلوق مكرم، فلا يجوز أن يعتدى عليه مهما كان لونه أو عرقه أو دينه، قال الله تعالى: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ" (الإسراء:70).
(2) تحريم قتل النفس الإنسانية بغير حق. وقتل نفس واحدة ظلمًا عند الله كقتل الناس جميعًا، وحماية نفس واحدة من القتل كإحياء الناس جميعًا، وجاء في القرآن " أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا" (المائدة:32).
(3) لا يجوز إكراه أحد في دينه، قال الله تعالى: "لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" (البقرة:256)، بل إن الإسلام نفسه لا يصح مع الإكراه.
(4) إقامة العلاقات الإنسانية على الأخلاق الكريمة أساس في رسالة الإسلام، وهكذا كل أنبياء الله، يقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، ويقول الله تعالى: "لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ" (الحديد: 25)، ولهذا فإن أساس العلاقات بين المسلمين وغيرهم في الأصل هو العدل والإحسان والبر، وهذا من القسط الذي يحبه الله ويأمرنا به، قال الله تعالى: "لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إنّمَا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ في الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُواْ عَلَى إِخْراجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" (الممتحنة:8).
(5) كل ما في الأرض من خيرات ظاهرة وباطنة إنما خلقت من أجل الإنسان: "هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا" وهي إنما خلقت له ليكون استثماره لها في حدود الحق والعدل والإصلاح. وعليه فإن الإفساد في الأرض كالعدوان على الغير من الشعوب المستضعفة ومنازعتها في ثرواتها وخيراتها الخاصة التي تملكها أو تلويث البيئة… من الفساد الذي لا يحبه الله، قال الله تعالى في كتابه: "وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ" (البقرة: 205)، وقال: "وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا" (الأعراف:56).
(6) المسؤولية في الجنايات الخاصة فردية، فلا يؤخذ أحد بجريرة غيره، قال الله تعـالى: "وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى" (فاطر: 18).
(7) العدل بين الناس حق لهم والظلم محرم فيما بينهم مهما كانت أديانهم أو ألوانهم أو قومياتهم، قال الله تعالى: "وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى" (الأنعام: 152).
(8) الحوار والدعوة بالحسنى "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" (النحل: 125).
هذه الأسس هي ما نؤمن به، وأمرنا به ديننا، وتعلمناه من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهي تتفق - بقدر مشترك - مع بعض الأسس التي أوردها المثقفون الأمريكيون في بيانهم، ونرى أن هذا الاتفاق يشكل أرضية جيدة للحوار لما فيه خير البشرية.
تابع القضايا التالية في البيانين (الأمريكي، السعودي):




















