عمرو خالد.. الاندماج الإيجابي هو الحل
العزلة أو الذوبان
تدريجيا انتشر تعبير اندماج Integration بدلا من ذوبان Assimilation، نتيجة الرفض والنقد الواضح من جانب المسلمين، وبتأثير انتشار فكرة المجتمع المتعدد الثقافات في الساحة الألمانية، ورغم ذلك بقي المقصود بكلمة اندماج عائما أو مشوها، فالمتشددون من الجانبين استمروا على استخدام الكلمة بمعنى الذوبان، هذا من باب مطالبة المسلمين بالانخراط الكلي في المجتمع أخلاقيا واجتماعيا وثقافيا، وذاك من باب تحذير المسلمين من أي خطوة تؤدي بهم -وفق رؤيته- إلى تخليهم عن دينهم والتنديد بمن يطالبهم بذلك.
وأدرك كثيرون من الأوساط الإسلامية الواعية في ألمانيا خطورة وضع المسلمين بين خياري العزلة والذوبان، لا سيما بعد أن تضاعفت الأخطار التي يتعرض لها وجود الإسلام والمسلمين في الغرب عموما، نتيجة ما سمي "الحرب ضد الإرهاب"، فبدأ طرح أفكار أولية تكشف عن قابلية الجمع بين الالتزام بالإسلام والالتزام بالواجبات التي يفرضها وجود المسلم في مجتمع ما وسط غالبية من غير المسلمين، ومن تلك الأفكار ما اتخذ صيغة فتاوى صدرت تباعا عن المجلس الأعلى للإفتاء في أوربا، مؤكدة ضرورة الالتزام بالقوانين ومحذرة من تجاوزها بذرائع شبيهة بما يعبر عنه موقف "ليس علينا في الأميين سبيل"، إنما لم يعد ذلك كافيا للتعويض عن مفعول فترة طويلة سابقة من التربية في اتجاه معاكس، سواء داخل النطاق الإسلامي أو على مستوى المجتمع الألماني.
في إطار هذا الطرح الجديد بدأت التنظيمات الإسلامية تبحث عن سبل أجدى للتأثير على جيل الشبيبة، بعدما أصبح يمثل الغالبية من مسلمي أوربا، كما ازداد إقبال غالبيته على الإسلام ازديادا مطردا، خوفا من أن تصبح هذه الشبيبة عرضة للتأثر بواقع الممارسات اليومية بأحد الاتجاهين المتطرفين عزلة أو ذوبانا.
وكان من هذه المساعي ما قاد إلى مشاركة الداعية عمرو خالد في عدد من اللقاءات الإسلامية الكبرى في أوربا، ومن ذلك ألمانيا، وهو أول من طرح بصورة فعالة مصطلح الاندماج الإيجابي في محاضرة ألقاها في ثلاث مدن ألمانية عام 2004م، ووجدت هذه المحاضرات التجاوب من جانب الشبيبة على غرار معظم محاضراته، وترجم نص المحاضرة الذي تم تسجيله في مدينة ميونيخ آنذاك، وصدر في هذه الأثناء في كتيب بالألمانية، وتوافق صدوره مع انعقاد مؤتمر كبير بمشاركة عمرو خالد، عقدته "الجماعة الإسلامية في ألمانيا" يوم 3-12-2005م في مدينة ليفركوزن، وحمل عنوان "المسلمون في ألمانيا.. وسط المجتمع ورغم ذلك على هامشه".
الكتيب الجديد لعمرو خالد هو الثالث في سلسلة كتيبات أقدم بعض الشبيبة على إصدارها، بعد تأسيس دار نشر صغيرة في مدينة كارلسروه جنوب ألمانيا، وإصدار كتب أخرى من المنتظر أن يكون معظمها مترجما، ولكن لا يمكن اعتبار القائمين على المشروع من المحترفين في عالم النشر أو عالم الترجمة.
الكتيبات الثلاثة ترجمة لمحاضرات ألقيت على جمهور من الشبيبة المسلمة الناطقة بالعربية، عنوان الأول "محبة الجنة"، والثاني "محمد صلى الله عليه وسلم"، أما الأخير الجديد بين أيدينا فيحمل عنوان "الاندماج في الإسلام- حول دور المسلمين في أوربا"، وهو عنوان مثير بطبيعة الحال، باعتباره يطرح قضية الساعة على مستوى المجتمع الغربي عموما، وليس في ألمانيا فقط. ويتكون الكتيب من 60 صفحة من القطع الصغير، والتزم المترجم أسلوب الترجمة الحرفية لنص المحاضرة، بعدما أعطى فقراتها عناوين جانبية تساعد القارئ الألماني على فهم المقصود.
دفعة للتفكير
|
|
|
غلاف كتاب الإندماج |
في الكتيب أفكار بالغة الأهمية لبيان المقصود بمصطلح الاندماج الإيجابي، وإن كان عمرو خالد نفسه قد حرص من البداية على تأكيد أنه لا يطرح صيغة متكاملة الجوانب جاهزة التفاصيل، وأن "أهل ألمانيا أدرى بشعابها"، إنما أراد من خلال محاضرته إعطاء دفعة للتفكير في الاتجاه الذي يعتبره صوابا، ما بين نهجين انتشرا في واقع المسلمين في أوربا، هما العزلة بذريعة الحفاظ على الدين من تأثيرات المجتمع الغربي، ثم الانغماس في المجتمع والذوبان فيه تأثرا بروحه المادية وانحلاله الأخلاقي.
والأمر الأساسي المطروح في المحاضرة هو أن الاندماج الإيجابي بمعنى المشاركة في المجتمع بتقديم الخدمات، والمشاركة في الفعاليات، وتحقيق الفائدة للآخرين، والدخول في مشاريع مشتركة، وما شابه ذلك من ضوابط الأحكام الإسلامية لا ينطلق فقط من ضرورات عملية لوجود المسلمين في بلد غربي تقطنه غالبية من غير المسلمين، إنما هو عين ما يقرره الإسلام، فمن أراد تطبيق إسلامه في الغرب، وجب عليه أن يسلك سلوكا مماثلا للنهج الذي قرره الإسلام، وهو ما يستخرجه عمرو خالد بأسلوبه المعروف من وقائع السيرة في الدرجة الأولى وما يعززها من نصوص القرآن الكريم والحديث الشريف. ومن ذلك قصة مساعدة النبي صلى الله عليه وسلم لبدوي غير مسلم ليسترجع دَيْنا له من أبي جهل رأس الكفر، فلم يمنع عدم إسلام الطرفين من بذل الجهد في عمل إيجابي، ومن ذلك صورة أخرى من حياة المسلمين المهاجرين إلى الحبشة في بلد غالبية أهله من غير المسلمين، إضافة إلى الاستعداد لمشاركة قريش على كفرها في حلف كحلف الفضول.
إن ما قال به عمرو خالد في محاضرته يطرح أمرا بالغ الأهمية لطرفي الاندماج في ألمانيا، فهو يثير لدى الطرف المسلم الحريص على إسلامه وتطبيقه ضرورة استيعاب أن الاندماج الإيجابي، والمشاركة الفاعلة في المجتمع تنطلق من إسلامه وليس فيها ذلك التناقض المزعوم الذي ساهم في ترسيخ تصورات العزلة الاجتماعية من قبل.
كما يقول هذا الطرح للمسئولين من ساسة وإعلاميين ومفكرين ومثقفين في الغرب: إن الطريق لتحقيق الاندماج لا يتحقق من خلال مساعي الفصل بين المسلم وإسلامه، ولا عبر وضع المسلم بين خيارين، إما الإسلام أو الاندماج؛ بل يتحقق المطلوب من خلال بيان وجود التوافق بين هذا وذاك، فعلى قدر ازدياد فهم المسلم لإسلامه، واستيعابه لعالميته وإنسانيته ووسطيته وشموله وتوازنه، يزداد استعداده للاندماج الإيجابي المفيد له، وللمجتمع الذي يعيش فيه.
الترجمة.. مشكلة
|
|
|
كتاب محمد لعمرو خالد |
ولكن السؤال المطروح هنا: هل أسلوب الترجمة الحرفية لنص المحاضرة هو الأسلوب المناسب للوصول بهذه الفكرة الأساسية إلى الناطقين بالألمانية، من مسلمين وغير مسلمين في مجتمع ألماني؟
لا بد من الإقرار بأن التأثير الذي نعرفه عن محاضرات الداعية عمرو خالد باللغة العربية، بما في ذلك استخدامه اللهجة العامية، نفتقده إلى حد بعيد نتيجة الترجمة الحرفية، إلى لغة أخرى لها أساليب أخرى في التعبير والتصوير، كما أن الكلام موجه إلى مجتمع اعتاد أساليب أخرى في الكتابة، وهو ما يسري أيضا على جيل الشبيبة من المسلمين الناطقين بالألمانية، فقد نشئوا عليها في المدارس والجامعات وعلى المستوى الثقافي والاجتماعي، وتعتبر في موقع اللغة الأم، فضلا عن أن الخلفيات من المخزون الثقافي لديهم ترتبط ارتباطا لا بأس به بالمجتمع الذي نشئوا فيه، والقليل منهم من يتقن اللغتين العربية والألمانية، وهم يمثلون الغالبية الكبرى من المتأثرين حاليا بمحاضرات عمرو خالد، بينما عمد ناشطون آخرون في نشر أفكاره في أوساط الشبيبة في ألمانيا إلى "نقلها" وليس إلى ترجمتها، أو إلى تطبيق عملي لما تطرحه تحت العنوان الكبير "صناع الحياة".
يضاف إلى ذلك أن المحاضرة لها أجواؤها وطبيعتها الخاصة، لا سيما عندما يحضرها الألوف، فكثير مما يصلح للتكرار فيها، أو للطرح العاطفي الحماسي مع ارتكازه إلى منطق سليم ومعلومات موثقة، يترك أثره المباشر على "المستمع"، فإذا وضع المحتوى نفسه في قالب مكتوب فقد عنصر التأثير الأصلي، بل يمكن أثناء المحاضرة أن تكون الترجمة التقريبية لها ذات تأثير على المشاركين من الحضور غير الناطقين بالعربية، ولا يتحقق ذلك لقارئ النص الأصلي أو المترجم مكتوبا خارج نطاق أجواء اللقاء الجماعي نفسه.
إن ما يحتاج إليه الشبيبة المسلمة في ألمانيا هو طرح الأفكار الأساسية التي تميز طريق الدعوة الذي شقه عمرو خالد، وما عرف بظاهرة الدعاة الشباب حديثا، وصياغتها بالألمانية طرحا مناسبا، يساعد إلى جانب النشاط القائم عبر المحاضرات أن يبين لمن لا يشاركون فيها الخطوط العامة في هذا الطريق.




















